تقارير
مرضى السرطان في تعز..رحلة بحث مريرة عن العلاج

بدا المسن حسن أحمد مجهداً ومغبراً فور وصوله مدينة تعز،قادماً من أحد الأرياف المحيطة بها لغرض العلاج من سرطان في الدم، كان قد داهمه قبيل ثلاثة أعوام، وجعله يخوض غمار رحلة شاقة شبه أسبوعية، بحثاً وراء العلاج في مدينة تكتظ بمرضى السرطان، وتتصدر قائمة المحافظات الأكثر تفشياً للمرض.
ويستقل سيارة رباعية الدفع، وذلك مقابل أجرة تقارب 7 آلاف ريال، ويمر بطريق طويلة ووعرة، تفوق 130 كيلو متراّ ويعبرها المسافرون والمرضى المنسيون من وإلى المدينة، كمسلك بديل عن المنافذ التي يسيطر عليها ويغلقها الحوثيون، منذ العام 2015، وهو ما يفاقم معانات الرجل الستيني، ويسبب له مضاعفات صحية كبيرة.
ويتهاوى من شدة الإنهاك، فيتكئ على عصاه، التي يستعين بها على المرض والتقدم في السن ووعثاء السفر الممتد لأكثر من سبع ساعات، يأوي بعدها إلى دكان صغير لأحد أقاربه، فينام فيه منذ وصوله الساعة الثانية ظهراً وحتى صباح اليوم التالي.
ويستجمع قواه فور صحوه، ويتوجه نحو المركز العلاجي، و معه كيس بلاستيكي متهالك، وخائر القوى كصاحبه، وهناك يتلقى جرعة العلاج الكيميائي والإشعاعي وتغيير مستمر للدم، وهو ما يشير إليه -مضيفاً لموقع "بلقيس": "أتلقى بعض الأدوية المجانية، وأعجز عن شراء الأصناف الأخرى، لعدم امتلاكي المال اللازم".
ويُحجم الكهل القروي عن شراء العلاجات، إما لصعوبة الوصول إلى الصيدليات، التي تتوفر فيها، أو لغلاء أسعارها، وبين جسده الذي لا يقوى على الاحتمال وتضاعف أسعار الأدوية، خلال الأسابيع الأخيرة، وبشكل كبير يفاقم معاناته وعجزه عن الشراء ما يزيد من آلامه وشدة وطأة المرض عليه.
مضاعفات
وتسوء حالته الصحية يوماً بعد آخر، حتى صوته يوشك على الإختفاء، وصار يتحدث بصعوبة، وبنبرة مثخنة بالحزن والدموع والألم الذي يعتصره، فيتأوه لسوء حاله المادي والمعيشي، وفقره المدقع مع أسرته المعدمة، والتي تفتقر هي الأخرى لقوتها الضروري ومصادر الدخل وأبسط متطلبات الحياة.
وتكابد معظم عائلات المرضى في عموم البلاد لتوفير تكاليف العلاج، والتي تشهد ندرة في الأسواق، فضلاً عن غلاء أسعارها بشكل جنوني، يفوق القدرة على الإحتمال.
ويجد أحمد صعوبة كبيرة في توفير المال لشراء الأدوية، من: مضادات حيوية ومراهم للفم والحلق وغيرها، فيدشن رحلة أخرى للبحث عن ثمن الدواء وأجرة السيارة، التي ستعود به إلى قريته، وبخطاه المثقلة يتردد على معارفه الميسورين، سيراً على الأقدام، ويطلب مساعدتهم للتغلب على مأساته، التي تُولد وتترعرع مع كل جولة علاجية.
ويعاني قرابة 35 ألف يمني من أنواع مختلفة من السرطان، ويتم تشخيص أكثر من 11 ألف حالة جديدة سنوياً، طبقاً لمنظمة الصحة العالمية، والتي حذرت من وفاة المرضى لعدم توفر التمويل اللازم لعلاجهم.
وأوضحت المنظمة، في وقت سابق ، أن توفر علاج السرطان في مختلف المناطق خيار غير متاح ل30 ألف مريض، بمن فيهم 12 % من الأطفال، الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف العلاج، وبذلك يصبح السرطان بمثابة عقوبة إعدام على المرضى، لغياب العلاج، وتسببه في خسارة الكثير من الأرواح في عموم البلاد، والتي تشهد أسوأ وأخطر أزمة إنسانية عالمياً، وفق تصنيفات دولية، ذكرت أن اليمنيين يواجهون ما قد يرقى لجرائم حرب، ويعتبر الأطفال الأكثر تضرراً من العنف والمجاعة والأمراض التي تفتك بالبلاد.
ويزداد إحساس أحمد بدنو أجله، فيغرق بالتفكير، ويساوره القلق على بناته وحالهن بعد وفاته وغياب معيلهن الوحيد، وهنا تخنقه الغصة وتدمع عيناه، فيجرّ تنهيدة عميقة، و يتمتم ببضع كلمات، ميزنا منها "دنيا ما تدوم لحد، ويعلم الله كم باقي من عمري" .
وتفاقمت معانات مرضى السرطان في عدد من المحافظات، جراء الحرب الدائرة فيها منذ العام 2015، والتي خلفت إنهياراً صحياً واقتصادياً ومعيشياً وإنسانياً، وتسببت في ارتفاع معدلات البطالة والفقر والمجاعة، كما دفعت بالكثيرين نحو دائرة العجز عن علاج مرضاهم أو إطعامهم.
ويتطلع كثيرون نحو السفر إلى الخارج طلباً للعلاج، بينهم المواطن محمد علي (55 عاماً)، الذي يعاني من ورم في الرقبة ويحتاج لعملية جراحية في الهند أو مصر أو الأردن لاستئصاله، لكنه منذ ثلاثة أعوام يصارع المرض ويعجز عن السفر لعدم توفر تكاليفه أو اقتراضها.
ويذكر لموقع "بلقيس": "ترددت على الكثيرين من الأطباء داخل المدينة، ولكن دون جدوى من ذلك"، مضيفاً: "نصحني البعض بالسفر، ولكنني لا أستطيع ذلك".
وينتظر الموت كحال الكثيرين من المرضى، الذين لم تسعفهم الإمكانيات للسفر إلى الخارج أو العلاج في تعز، والتي يعيش مرضى السرطان فيها أوضاعاً بالغة في السوء والقسوة.
وتتفاقم معاناتهم مع استمرار الحرب والحصار، وما نجم عنه من غلاء معيشي وشحة للدواء، وتوسع دائرة الفقراء والعاطلين والمعوزين، لانقطاع الرواتب، وفقدان مصادر الدخل، وقلة المساعدات والتوقف شبه التام للدعم، وهي معاناة كارثية تحمل في طياتها خطر الموت، لأسباب متعددة غير السرطان، طبقاً لمصادر رسمية في المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان، والتي تستقبل عبر مركز الأمل لعلاج الأورام مرضى السرطان من داخل المحافظة، وعدد من المحافظات الأخرى.
ويقول مدير المؤسسة، مختار أحمد سعيد، لموقع "بلقيس": "معظم الحالات التي يقوم المركز بعلاجها قادمة من مناطق ريفية ومحافظات مجاورة، أصبح الوصول منها وإليها خانقاً و صعباً. إذ أن بعض المناطق التي كانت تستغرق بضع دقائق للوصول صارت رحلتها محفوفة بالمخاطر، وتمتد لست ساعات وأكثر ، فضلاً عن التكلفة المرتفعة للتنقل والتي جعلت بعض المرضى يترددون في متابعة العلاج، رغم مجانيته في المركز ".
لغة الأرقام
'وتلعب ظروف الحرب والتعرض للقصف والقذائف دوراً كبيراً في مفاقمة المعاناة وحدوث الكثير من الانتكاسات، ما يؤدي إلى العودة من جديد لمرحلة البداية، ولكن بجسد أكثر إنهاكاً وإرهاقاً"، في إشارة منه للهجمات المتكررة على المركز واستهدافه مؤخراً بقذائف الحوثيين.
وتظهر الاحصائيات الأخيرة وجود تزايد مخيف في حالات الإصابة بأوساط المجتمع المحلي، وذلك بشقيه الريفي والحضري، وفقاً لسعيد، والذي يرجع ذلك إلى التغذية غير الصحية، واستخدام المبيدات والأسمدة الزراعية غير القياسية، مع كثرة التعرض للأدخنة والقات، ما يرفع من احتمالات الإصابة، والتي يعزز منها العامل الوراثي بشكل كبير.
ويلعب الجانب النفسي الناجم عن الحرب دوراً هاماً في رفع تلك الاحتمالات، إذ يتسبب التعرض للتوتر المفاجئ والمستمر جراء القصف والاشتباكات المستمرة في ضعف الجهاز المناعي وتمكين الخلايا السرطانية من التكون والانتشار، كما يؤدي إلىإنتكاسات صحية وانعدام الإستجابة للعلاج، وذلك مهما كان منتظماً وتاماً.
ويذكر سعيد أن "عدد الحالات المقيدة في سجلات مركز الأمل يقترب من 8500 حالة، منها 627 حالة جديدة تم تقييدها منذ بداية العام الحالي وحتى أواخر سبتمبر الماضي، إلى جانب 723 حالة جديدة تم تقييدها العام الماضي".
ويوضح أن "عدد الحالات الجديدة هذا العام أكثر من السابق، مايضاعف الأعباء على عاتق المؤسسة، وذلك في توفير الأجهزة التشخيصية والعلاجات والخدمات اللازمة لمواجهة هذه الأعداد، والتي تتردد بمعدل 200 حالة يومياً، ومن مختلف المناطق".
وتعد محافظة تعز واحدة من أكبر المحافظات تفشياً لمرض السرطان، والذي يشهد تزايداً من عام إلى آخر . ففي 2013م بلغ عدد مرتادي مركز الأمل للعلاج 35869 حالة، قيدت منها 3441 حالة، فيما ارتفع عدد المترددين على المركز في عام 2014 إلى 52419 حالة، قيدت منها 4859 حالة، كما تزايد العدد في العام 2015 إلى 5458 حالة، وذلك رغم انخفاض عدد المرتادين إلى 27101 حالة.
ووصل المترددون على المركز في العام 2017 إلى 30049 حالة، قيدت منها 6415 حالة، فيما ارتفع عدد الحالات المقيدة للعلاج في العام 2018 إلى 7034 حالة، كما بلغت نهاية العام 2019 قرابة ثمانية آلاف حالة.
صعوبات
ويصعب تشخيص المرض في مدينة كتعز، لتواضع الإمكانيات، وهجرة الكادر الطبي، وانهيار النظام الصحي، ما يدفع بحالة المرضى نحو المزيد من التدهور، ويفاقم من مضاعفات المرض، وسرعة انتشاره في أعضاء الجسم، وذلك قبيل تشخيصه بعدة أشهر أو بأعوام.
ويؤكد مهتمون أن مرضى السرطان لا يخضعون للتشخيص، إلا في مراحل متأخرة، في ظل غياب فرص التشخيص المبكر، ما يجعل العلاج خياراً غير ممكناً و لا يحظى باستجابة جسم المريض.
ويفقد الكثيرون من المصابين بالسرطان حياتهم رغم إمكانية شفائهم، وذلك لعدم قدرتهم على تحمل نفقات العلاج وندرة الأدوية والمحاليل الكيميائية اللازمة، إلى جانب صعوبة الوصول إلى مركز العلاج الوحيد في المدينة، التي تعد ثالث أكبر مدن البلاد والأولى من حيث عدد السكان.
ويفتقر المرضى للرعاية والاهتمام الصحي اللازم، في بلد يقدّر عدد المحتاجين فيه للرعاية الصحية الماسة بنحو 16.4 مليون شخص، أي ما يفوق نصف السكان البالغ عددهم 30 مليون نسمة.
ويعاني النظام الصحي من انهيار شبه تام، إذ تفتقر معظم المرافق الصحية للموارد الأساسية، بما فيها الوقود والمياه والمحاليل والأكسجين والأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية، وغيرها من المتطلبات، وذلك في مشهد مأساوي يجعل من الموت خياراً وحيداً ومستعجلاً.



