تقارير
معارك اليمنيين في مواقع التواصل.. ظاهرة صحية أم إلهاء عبثي؟
تصبح كل حادثة جديدة في اليمن فرصة للكثير من المعارك الهامشية، وكأنّ البلد لا يعيش حربا حقيقية دمّرت كل شيء على مدى ثماني سنوات.
قضايا لم يكن يفترض أن تأخذ الكثير من وقت الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أنها تتحول إلى معارك ساخنة على تلك المواقع، وربما تمتد من العالم الافتراضي إلى الواقع، لتضيف مزيداً من التأزيم لواقع مأزوم أصلا.
تمضي القضايا الكبيرة وتموت دون أن تثير الكثير من الجلبة، ففي حين تأخذ مليشيا الحوثي البلد نحو الموت وتجره الأطماع الخارجية نحو التفتت والانقسام، لا نجد تلك الأصوات، التي ترتفع في القضايا الهامشية، تقول كلمة واحدة، وكأن شغلها الشاغل هو إثارة الرأي العام، وجره إلى مواقع أخرى، بعيدا عن واقع البلاد ومستقبلها.
-جيل جديد
وفي هذا السياق، يقول السياسي والكاتب، محمد المقبلي: "إن اليمن كانت تعيش انسدادا فكريا كبيرا يتمثل بالتفكير بالإنابة الاجتماعية والدينية والسياسية والتعليمية، ولكن هناك مرحلة جديدة يوجد فيها جيل جديد يمتلك طريقة تفكير مختلفة ووسائل تعبير مختلفة كذلك".
وأضاف المقبلي، خلال حديثه لبرنامج "المساء اليمني" على قناة "بلقيس" مساء أمس، أن "هذا الجيل لديه جرأة فكرية عالية جدا تجاه المسائل المهمة، أو المسائل المسكوت عنها أيضا".
لكن في المقابل يرى المقبلي أن "هناك غيابا في ترتيب الأولويات المتعلقة بالمصير العام على وجه التحديد، أو التهديدات الوجودية كذلك".
ويرجع المقبلي سبب غياب ترتيب الأولويات في التفكير اليمني إلى تعرّض العقل اليمني لعملية تجريف قاسية.
وحول ما إذا كان التجاذب الفكري قد أخذ منحى بعيدا عن المعركة المصيرية مع الحوثي، يرى المقبلي أن "ذلك يرجع إلى غياب ترتيب الأولويات في القضايا المصيرية، التي كان المفترض أن تقوم بها المؤسسات التي ترفع لافتات الوطنية كالمؤسسات الحزبية والسياسية والجهات الرسمية كذلك".
ويعتقد المقبلي أن "غياب الذات المجتمعية وغياب الدولة، وكذلك الشعور بالشتات والضياع، يعد منشأ للأفكار المتشنجة".
وبخصوص ما إذا كانت المعارك الفكرية اليمنية في مواقع التواصل تعتبر جدلا صحيا أو إلهاء ممنهجا، يستبعد المقبلي أن تكون هذه المعارك الفكرية إلهاء ممنهجا أو جدلا صحيا خالصا، كونه "يعتريها الكثير من اللغط، كما أنها تسبب في التشويش على المعركة الرئيسية".
ويضيف المقبلي أن "هذه المعارك الفكرية نابعة من أناس يريدون أن يكون لهم تفكيرهم الخاص، كما أنهم يسعون لتحسين الصورة الجماعية تجاه المختلف دينيا، وذلك من خلال تعريف المختلف دينيا على أساس وطني".
ويوضح المقبلي أن "هذه النقلة الفكرية تعد نقلة كبيرة نوعية وغير عادية، كما حدث في قضية دفاع الشباب عن شيرين أبو عاقلة".
-قضايا ثانوية
من جهته، يرى الباحث السياسي ضياء السعيدي أن هذا "الجدل الفكري ليس جدلا صحيا، كونه يتجه نحو قضايا ثانوية وليست محورية في الوقت الذي يعيش فيه اليمنيون مرحلة حساسة في بلادهم".
ويضيف السعيدي أن "مواقع التواصل هي من أوجدت هذه الحالة من الجدل الفكري، كون الجميع بات بإمكانه التعبير عن أفكاره وآرائه، وإيصالها للناس بسهولة عالية".
وبشأن الفارق بين حرية التعبير وأمور التحريض، يوضح السعيدي أن "حرية التعبير مصطلح فضفاض لا يعلم له حدود معينة، كما أنه من الصعب إقرار حرية التعبير مع إلغاء جزئية إقرار ما له حدود".
ويبدي السعيدي تساؤله عن المدى الذي يمكن أن تصل إليه حدود حرية التعبير، سواءً من الحدود الدينية أو الحدود الاجتماعية؟



