تقارير
معالجة ملف المنح.. توجُّه حكومي جاد أم استهلاك إعلامي؟
بعد أيام من تسريب كشوفات المنح الدراسية، المقدّمة من وزارة التعليم العالي، أعلن مجلس الوزراء عن تشكيل لجنة من الأكاديميين للعمل مع فريق حكومي لمراجعة شاملة لسياسات الابتعاث وملفات المستفيدين من المِنح، بهدف تصحيح قوائم الابتعاث وإخراج غير المستحقين وفق مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص للمِنح الخارجية.
التسريب، الذي حظي بتفاعل واسع في منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية، كشف عن توزيع غير عادل للمِنح الدراسية بعد أن أظهر حصول أبناء وأقارب مسؤولين في الحكومة والمجلس الرئاسي، وقيادات في الأحزاب السياسية، على مِنح دراسية على حساب كثير من المستحقين لها، الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن مدى جديّة الحكومة في معالجة ملف الابتعاث، وإنهاء فساد المِنح، وهل تفي بوعودها فعلا بحذف أبناء المسؤولين والنافذين من كشوفات المنح؟
- أقل ما يجب أن يكون
يقول الباحث في قضايا الفساد، عبدالواحد العوبلي: "في أي دولة محترمة -تحترم نفسها- وعند أي مسؤولين يتحمّلون الحد الأدنى من المسؤولية، كان على الأقل يحدث إقصاء وتحويل إلى التحقيق، وفصل جماعي للمسؤولين في هذا القطاع، لكن هذا لم يحصل".
وأضاف: "بكل سذاجة يتحدّثون عن تشكيل لجنة، ويعتقدون بأن الناس ساذجون وسيقومون بتصديقهم، لأن هذه اللجنة رقم 7 آلاف، التي يشكّلها رئيس الوزراء معين عبدالملك، وجميعها كانت لجان كذب وتضليل، وللاستهلاك الإعلامي فقط".
وتابع: "يجب محاسبة المتورِّطين بهذا الفساد، وليس فقط فصلهم من وظائفهم، وكذلك الأشخاص الذين حصلوا على المِنح والوظائف بدون استحقاق يجب إجبارهم على دفع الأموال وإعادتها إلى خزينة الدولة، لأنها أموال الشعب".
وأشار إلى أنه "لا يوجد أي قرار حقيقي يؤكد أن لديهم نوايا جادة لمكافحة، أو حتى تحجيم الفساد".
- لجان لتغييب القضايا
من جهته، يقول رئيس حملة "لن نصمت"، عبدالقادر الخراز: "هذه اللجان مجرد لجان للاستهلاك الإعلامي للأسف، ونحن في اليمن نعرف أنه إذا أرادت السلطة أن تنهي الموضوع وتتوّه الرأي العام بتشكيل لجان".
وأضاف: "ملف المِنح ليست سوى الشعرة التي قصمت ظهر البعير، فهناك فساد كبير يشيب منه الولدان في هذه الحكومة، وعلى رأسها معين عبدالملك، لكن هذه القضية لامست آمال البسطاء، الذين يأملون بأن يدرس ابنهم، ويحصل على مِنحة يخرج فيها يتعلّم ويحصل على وظيفة فيما بعد، كونه درس تخصصا جيّدا، وسنحت له الفرصة".
وتابع: "هذه القضية كبيرة جدا، وكان على الحكومة -إن كانت صادقة- أن تقدِّم استقالتها، فمجرد منتخب أو نادٍ قدّم استقالته، لأن فريقه هزم، لكن اليوم هزمنا على كل المستويات في هذه الحكومة، ومع ذلك لم تستشعر أدنى المسؤولية".
وأردف: "جميع من في الحكومة، وفي مجلس النواب، والمستشارين، ورئاسة الجمهورية، لديهم أسماء في هذا الكشف، بل إنهم تلاعبوا حتى في تغيير الأسماء، ونشرنا في هذا الإطار".
وتساءل: "هل يعقل أن تشكِّل لجنة، ولا يُعلن أسماؤها، ومن أعضاء الحكومة ممن أسماؤهم في الكشف، كيف لهم أن يحاسبوا نفسه؟".
وقال: "الحكومة دعت إلى تشكيل لجنة من الأشخاص الفاسدين للمراجعة، بدلا من أن تقوم بمحاسبة الفاسدين، وتجبرهم على دفع الأموال، وإعادتها إلى خزينة الدولة، إضافة إلى أنها وجَّهت بالقبض على من تظاهروا أمام وزارة التعليم العالي، بدلا من القبض على الفاسدين الذين تلاعبوا بالمنح".
وأضاف: "نحن اليوم أمام تحدٍ خطير، وانتقلنا من مسألة كشف الفساد، فأصبحت الحكومة تريد أن تحاسب من يكشف الفساد، وتجبر الشعب على الصمت، وألا يعبّر عن مظلوميته أمام فساد معين عبد الملك، سواء في ملف المٓنح أو ملف النفط، أو أي ملف آخر".
ويرى أن "المسألة أصبحت غير كافية بالنشر عبر وسائل الإعلام، أو عبر الفيس بوك، أو تويتر، وإنما يجب أن يكون هناك تحرّك فاعل في هذا الإطار".
- فساد أكبر من المتوقّع
من جهته، يقول معاذ عبدالفتاح -طالب دراسات عليا مبتعث-: "كما صدم الطلبة اليمنيون المبتعثون في الخارج وأيضا الشعب اليمني بهذا الحجم من الفساد، كنا نحن -كطلاب بعثات في الخارج أو كاتحادات- لدينا فكرة عن وجود فساد واختلالات تحصل، لكننا لم نكن نتخيّل بأنه يكون بهذا الحجم المهول".
وأضاف: "طالبنا من خلال البيانات التي أطلقناها والحملات الإلكترونية والاعتصامات، التي قمنا بها، وكنا ندرك بأن عدم نشر كشوفات الابتعاث هو غطاء لفساد كبير يحصل، ويتزايد من ربع إلى آخر".
وتابع: "انطلاقا من مبدأ الشفافية، وحق الحصول على المعلومة، كنا نطالب بأنها تنشر ليكون الجميع على اطلاع بالإضافات التي تحصل والمعايير التي تحصل".
وأشار إلى أن "الحكومة أصدرت قرارا بإيقاف الابتعاث، لكن الحقيقة أن الابتعاث ظل مستمرا لأبناء المسؤولين والنافذين، وأصحاب الوساطات".
وقال: "نحن صدمنا بقرار الحكومة بحجم صدمتنا بالفساد المهول، فلم نكن نتوقّع يوما من الأيام أن يخرج رئيس حكومة ويقدّم نفسه كظهر وحماية للفاسدين والفساد، ونعتبر ذلك بأنه استهتار واستخفاف بنضالات الحركة الطلابية الدائمة من أجل التصحيح، من خلال إقالة قيادة وزارة التعليم العالي، وإحداث تغيير جذري، لأنه من غير المُمكن أن تصلح الوزارة بنفس الأدوات التي أفسدت".



