تقارير
معركة مأرب ستحدد مستقبل المفاوضات بين اللاعبين الإقليميين والمحليين (ترجمة خاصة)

لدى إيران فرصة من خلال وكلائها إبقاء السعودية غارقا في المستنقع اليمني لفترة أطول، بعيدا عن مغامرات إقليمية أخرى أكثر حيوية لمصالحها.
وقال تقرير نشرته "سي إن إن"، وترجمه موقع "بلقيس"، إن الإمارات -التي تدعم المجلس الانتقالي الجنوبي- تستفيد من تأثيرات الحرب على ميناء عدن الاستراتيجي؛ لأنها تنقل الأعمال البحرية المحتملة هناك إلى دبي.
وأشار التقرير إلى طبيعة الحرب التي تجري -في هذه الأثناء- في مأرب بين مليشيا الحوثي وإيران من جهة وبين الحكومة الشرعية اليمنية ومن خلفها السعودية، وتأُثير تلك المعركة على مفاوضات السلام بين الطرفين.
نص تقرير "سي إن إن" (ترجمة خاصة):
لدى مأرب شعور بائس بمكان ينتظر مصيره، بينما تتشبث بصمودها وتفاؤلها العنيد، حيث أصبحت واحة الصحراء الأسطورية -التي تشتهر بأنها موطن لملكة سبأ- حارة وجافة ومغبرة اليوم.
يقترب موسم الأمطار بالتزامن مع هجوم الحوثي المتوقع بدعم من إيران.
تصطف الأكياس البلاستيكية الفارغة وزجاجات المياه المكسورة التي تتخللها أشجار مزروعة حديثا على شكل قلوب على خط طول حديث الصّنع.
تتدلى ملصقات باهتة للرئيس اليمني عبدربه منصور هادي إلى جانب صور أحدث بكثير لبطل حرب المدينة الأخير، الذي تحوّل إلى هدف حوثي، قائد القوات الخاصة اليمنية، الذي قُتل في أواخر فبراير.
تمثل المشاهد استعارة لمكانة مأرب في اليمن. إنها جزيرة أمل صغيرة في بحر من الأحلام المهملة. فبعد ست سنوات من الحرب، برزت المدينة التي يزيد عدد سكانها عن مليوني نسمة على أنها مدينة محورية في مستقبل اليمن. إنها بوابة لكثير من ثروة البلاد من النفط والغاز، وموطن لعدد متزايد من النازحين داخليا، كما أنها آخر معقل رئيسي للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا في الشمال.
إذا خسرت حكومة هادي مأرب، فلن يكون لها ولداعميها السعوديين نفوذ كبير في محادثات السلام النهائية مع المتمرّدين الحوثيين، وستفقد المصداقية العسكرية، ومن المرجّح أن يشجع ذلك الحوثيين على مواصلة القتال.
يسيطر الحوثيون على كل شيء تقريبا غرب مأرب، بما في ذلك العاصمة اليمنية صنعاء، للقبائل نفوذٌ متغيرٌ شرقا، وفي الجبال جنوب مأرب مباشرة.
ويهيمن المجلس الانتقالي الجنوبي -سلطة الأمر الواقع- هو الآخر على عمق الجنوب، لا سيما مدينة عدن الساحلية، التي من المحتمل أن تشكل مكسبا له، وقد أشار بالفعل إلى أنه ليس مستعدا للمشاركة مع هادي الضعيف.
الرئيس هادي المعترف بحكومته دوليا، في المنفى القسري منذ أن طرده الحوثيون عام 2015. وبينما لا يزال بعض وزرائه يعيشون في اليمن، لا يزال هو مختبئا في الرياض، عائقا وعاجزا في الغالب أمام داعميه، قيمته تقتصر على انتخابه (بدون معارضة).
مع استمرار الحروب بالوكالة، فإن اليمن أكثر تعقيدا من معظمها، مع وجود العديد من المصالح، حيث تريد السعودية الاستقرار وحكومة صديقة في صنعاء.
لدى إيران فرصة -من خلال وكلائها الحوثيين- لإبقاء خصمها (المملكة العربية السعودية) غارقا في المستنقع، وبعيدا عن مغامرات إقليمية أخرى أكثر حيوية لمصالحها.
أما الإمارات، التي تدعم المجلس الانتقالي الجنوبي، فتستفيد من تأثير الحرب على ميناء عدن، لأنها تنقل الأعمال البحرية المحتملة هناك إلى دبي، وستجمع الأموال الفائضة وتدعم القبائل، بالطريقة التي أدار بها آخر رجل قوي في اليمن (علي عبد الله صالح) البلاد، من خلال السخاء الخاضع للسيطرة بعناية.
بينما تدّعي الإمارات والسعودية وحدة الهدف، فإن معظم اليمنيين لا يصدّقون ذاك. بين دولتي الخليج العربي وحلفائهما الغربيين وإيران، يشعر معظم اليمنيين بأنهم ضحية لقوى خارجية خارجة عن إرادتهم.
تم إلقاء اللوم على التحالف الذي تقوده السعودية -على وجه التحديد- في مقتل 18500 مدني -على الأقل- بحملتها الجوية لدعم الجيش اليمني، وفقا للأمم المتحدة.
في الأشهر الأخيرة، منعت السفن الحربية السعودية ناقلات النفط من الرسو في ميناء الحديدة، مما أدى إلى تفاقم نقص الوقود في الشمال، وفاقم "أسوأ أزمة إنسانية في العالم"، ومع ذلك، يستمر النفط والإمدادات الأخرى في الوصول عبر طُرق أخرى، بما في ذلك الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة اليمنية.
وفي الوقت نفسه، يُلقي الكثيرون باللوم على الحوثيين في جر اليمن إلى أزمة من خلال الاستيلاء على مساحات شاسعة من البلاد، عام 2014.
ويشعر الكثيرون بالقلق من أن الإمارات العربية المتحدة لديها مصلحة راسخة في عدم استقرار اليمن.
الواضح في مأرب هو أنه بدون الحرب والقيادة غير المنظمة يمكن أن يكون الازدهار في متناول اليد. تقع المنطقة فوق احتياطيات وافرة من النفط والغاز، وهو ما يكفي لإخراج 16.2 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الذي يعانون منه حاليا، وبث الحياة في الاقتصاد المحتضر.
كما أخبر أحد الوزراء "سي إن إن": "اليمن ألماسة في أيدي تجار الفحم". إذا كان يقصد طبقته السياسية فهو لم يقل ذلك
صراحة.
لكن الناس هنا يقولون إن اللوم لا يكمن فقط محليا، ويشيرون إلى القرار الأخير الذي اتخذه الرئيس الأمريكي (جو بايدن) بإنهاء الدعم الأمريكي للحملة العسكرية السعودية ضد المتمردين الحوثيين.
تعكس هذه الخطوة قرارا اتخذه دونالد ترامب الساعة الحادية عشرة في الأيام الأخيرة من إدارته، الذي أثار رد فعل عنيف من السياسيين: الحزبين والمنظمات الإنسانية.
في اجتماعات مع الحكومة وزعماء القبائل، الأسبوع الماضي، كان إلغاء بايدن الأخير تصنيف الحوثيين "منظمة إرهابية" أجنبية نقطة الحوار الرئيسية.
يشعر الجميع بأن دبلوماسية بايدن شجّعت الحوثيين، مما أدى إلى تصعيد الهجمات على مأرب، فالمدينة هي جوهرة مرغوبة منذ فترة طويلة في قائمة "فتوحات" الجماعة (مليشيا الحوثي) على مستوى البلاد.
يحاول المسؤولون اليمنيون معرفة ما إذا كان بايدن بعيدا عن العُمق، أو أخطأ في تقدير الحوثيين، أو ما إذا كانت سياسته في اليمن مجرد نتيجة ثانوية لسياسته لإغراء إيران بالعودة إلى الامتثال للاتفاق النووي، أو خطة العمل الشاملة المشتركة.
تعتقد الحكومة اليمنية أنه، من خلال التراجع عن الحوثيين، يمكن أن يلقي الرئيس عَظْما على رعاتهم المفترضين في طهران.
في كلتا الحالتين، يخشى الناس هنا أن يؤدي ذلك إلى ترحيل المشاكل مستقبلا.
وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني يعرض مقطع فيديو لرجل يقول إنه مقاتل حوثي مصاب، تم أسره خلال هجوم وقع مؤخرًا. سأله آسروه عن سبب قدومه إلى مأرب، فكان جوابه: "لقتل الأمريكيين".
ألا يفهم بايدن، كما قال عدة وزراء، أن الحوثيين، مثل الحكومة الإيرانية، يقولون لمؤيديهم أن "أمريكا هي الشيطان"؟ وهم يجادلون بأن الحوثيين المتمكنين يمكن أن يخلقوا جيلًا من العداء لأمريكا وإمكانية للإرهاب، حيث لم يكن موجودا من قبل.
عن طريق التخطيط أو افتراضيا، أنشأ بايدن محورا جديدا في حرب اليمن هنا في مأرب، ونفوذ الحوثيين المتجدد للمدينة، يجبر جميع الأطراف على مواجهة أسئلة كامنة.
عرْض الداعمين الرئيسيين للحكومة اليمنية (الحكومة السعودية) على الحوثيين مؤخرا وقف إطلاق النار في جميع أنحاء البلاد، ودعوتهم إلى مزيد من الضغط الدولي على المتمرّدين، علامة مهمّة على أن الأرضية الدبلوماسية في اليمن آخذة في التحوّل.
لكن استجابة الحوثيين كانت غامضة في أحسن الأحوال، ومخادعة في أسوأ الأحوال.
المسؤولون الأمريكيون يتهمون الحوثيين باختيار القتال بدلاً من المساعدة في إحلال السلام، على الرغم من أن السعوديين صعّدوا أيضا من الضربات الجويّة في الأسابيع التي سبقت عرض وقف إطلاق النار، وفي ذلك الوقت، كان الحوثيون يتقدّمون بسرعة باتجاه مأرب، وكانت السعودية تحاول إيقاف الجماعة المتمرّدة.
ترافق هدوء طفيف في هجمات الحوثيين، في الأسابيع الأخيرة، على كلٍ من المملكة العربية السعودية ومأرب، مع القليل من دبلوماسية القناة الخلفية مع المسؤولين اليمنيين، لكن الحكومة اليمنية ما زالت تعتقد أن الحوثيين يراوغون.
يبدو أن المتمرّدين عازمون على التحدّث، بينما يحاولون في الوقت نفسه استكمال المكاسب العسكرية على الأرض قبل أن يتشكل أي اتفاق سلام نهائي.
وبحسب مصادر مطّلعة على المحادثات، فإن الحوثيين لديهم ثلاثة مطالب من السعودية لإيقاف إطلاق النار، أولاً:
وقف الضربات الجوية، ثم وقف إطلاق النار على طول الحدود السعودية - اليمنية، وبعد ذلك، فقط، وقف إطلاق النار داخل اليمن.
نظرا لأن الضربات الجوية السعودية هي أحد الإجراءات المضادة الوحيدة التي تعرقل جهود الحوثيين للسيطرة على مأرب، فإن العرض المضاد للمتمردين لم يكن بداية حتى الآن.
على طول الخطوط الأمامية الهشّة بالقرب من مأرب، تنتشر القوات الحكومية بشكل ضئيل للغاية، ساتر طيني منخفض وغير مكتمل هو كل ما يفصلهم عن الحوثيين، في مرأى من الجميع عبر الأراضي الوعرة شبه المسطحة على بُعد أقل من نصف ميل.
البنادق والمدرّعات قديمة، والذخيرة محدودة، والمعسكرات المتقطعة صغيرة وبدائية، حيث يعيش الجنود تحت الأشجار، في الكهوف الطينية والخيام الممزّقة. ومقاتلو القبائل يعوّضون النقص في صفوف القوات الحكومية.
هناك سبب وجيه للقلق، لقد فقدت القوات الحكومية في مأرب اثنين من أبرز قاداتها، خلال الشهرين الماضيين، وبينما ينتقي الحوثيون من يلاحقونهم، فإن معدل نجاحهم أثار قلق المسؤولين أكثر مما كانوا عليه قبل بضع سنوات.
وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش ومحافظ محافظة مأرب، أقسموا أن المدينة لن تسقط، وأنهم سيحتفظون بها حتى "آخر قطرة من دمائهم".
المقاتلون القبليون بقيادة المحافظ القوي سلطان العرادة مهمون في دعم خط المواجهة الهش. يتمتع المحافظ بسلطة أكبر من سلطة الحكومة داخل المدينة.
يقول إن الحرب فُرضت عليهم، ويضيف أن "الحرب تأخذ دماءنا (رجالا ونساء وأطفالا ومؤسسات وموارد)".
ويوضح "إن الحرب تضعف اقتصادنا وسيادتنا، لكننا ابتلينا بجماعة إرهابية فرضت نفسها علينا، واختطفت مؤسسات هذا البلد".
يعتمد أي من العقود المستقبلية المحتملة لليمن على حقيقة واقعة إلى حد كبير على حسابات بايدن لدفع البلاد نحو السلام، يبدو أن الضغط على السعودية والضغط على حكومة هادي والتخفيف عن الحوثيين هو منهجه الحالي.
قد تثبت مأرب -حتى الآن- الرافعة الدولية التي تؤدي في النهاية إلى حل وسط، لكن في الوقت الحالي، يمكن أن يحدث أي شيء.



