تقارير
مكائد التحالف.. ماذا بعد تمدد الفوضى إلى شبوة؟

قناة بلقيس - خاص - عبد السلام قائد
وأخيرا تخلص تحالف السعودية والإمارات من "كابوس شبوة" المؤرق، بعد إزاحة محافظ المحافظة محمد صالح بن عديو من منصبه، إثر ضغوط مورست على الرئيس عبد ربه منصور هادي، وباتت المحافظة في مهب الفوضى وغارات التحالف (الخاطئة) واحتمال بدء الاغتيالات السياسية وافتتاح سجون ومعتقلات سرية ونهب الممتلكات العامة والخاصة، لتلحق المحافظة بمثيلاتها من المحافظات التي تسيطر عليها مليشيات مناطقية بدعم ورعاية من الإمارات والسعودية، بعد أن شكلت المحافظة خلال السنوات القليلة الماضية نموذجا فريدا وجذابا في التنمية والاستقرار، وبرز محافظها محمد صالح بن عديو كرجل دولة وتنمية وإداري ناجح.
- لماذا شبوة؟
كانت محافظة شبوة إحدى المحافظات العصية على الأجندة التخريبية للسعودية والإمارات في اليمن وعصية أيضا أمام محاولات مليشيا ما يسمى المجلس الانتقالي الجنوبي للسيطرة عليها، ساعدها على ذلك نسيجها الاجتماعي المتماسك أمام عواصف الاستقطاب السياسي والمال الأجنبي إلا في حالات نادرة وغير مؤثرة، كما تحوّل التواجد العسكري الإماراتي في منشأة بلحاف النفطية الواقعة في المحافظة إلى قضية رأي عام ضاغط على الإمارات وحليفتها السعودية لإخلاء المنشأة من القوات الإماراتية واستئناف تصدير النفط منها، خصوصا بعد أن رفع تلك المطالب المحافظ محمد بن عديو، وهو ما أثار حفيظة الإمارات والسعودية اللتين تعملان على تعطيل موارد البلاد رغم انعكاسات ذلك سلبا على الاقتصاد الوطني والعملة المحلية والوضع المعيشي للمواطنين.
كما أن التنمية والاستقرار اللذين شهدتهما محافظة شبوة في عهد محافظها (السابق) محمد صالح بن عديو، كانا بمثابة عامل إحراج وإدانة صامتة لتحالف السعودية والإمارات وما يسمى المجلس الانتقالي، في حال مقارنة الأوضاع في محافظة شبوة بحالة الفوضى والخراب في المحافظات التي يسيطر عليها المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيا ويحظى أيضا بقبول كبير لدى السعودية، ذلك لأن التنمية التي شهدتها محافظة شبوة من شأنها مراكمة السخط الشعبي ضد الإمارات والسعودية والمجلس الانتقالي في المحافظات الأخرى، مما يصعب معه ترويض المواطنين للقبول بحكم مليشيا المجلس الانتقالي رغم كل مساوئها، لذلك كان لا بد من التخلص من أي نموذج ناجح في أي محافظة خوفا من انتشار عدوى ذلك النجاح، وخوفا من محاصرة الأجندة التخريبية للرياض وأبوظبي في اليمن، وإزاحة أي عراقيل أمام مشروع الانفصال.
ومنذ سيطرة مليشيا المجلس الانتقالي على العاصمة المؤقتة عدن ومناطق أخرى في جنوبي البلاد، بمساندة عسكرية إماراتية، عقب أحداث أغسطس 2019، بدا أن محافظة شبوة بمثابة "عصا" تتكئ عليها السلطة الشرعية في مواجهة خصومها من دعاة الانفصال في المحافظات الجنوبية والشرقية للبلاد، وهو ما ظل يؤرق الإمارات والسعودية، لذلك سعت الدولتان لفرض أمر واقع في محافظة شبوة من خلال ممارسة الضغوط على رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي لإقالة محافظ المحافظة محمد بن عديو من منصبه، واستبداله بمحافظ آخر موالٍ للإمارات.
ويمكن وصف ما يحدث في شبوة بأنه يأتي ضمن مساعي السعودية والإمارات لفرض واقع جديد في جنوب اليمن تنتقل فيه شرعية الحكم إلى مليشيا المجلس الانتقالي عبر حكومة محاصصة مناطقية وسياسية ومليشياوية، وهو ما تم وفق اتفاق الرياض في نوفمبر 2019، وتعمل الرياض وأبوظبي على توسيع نطاق سيطرة مليشيا المجلس الانتقالي بشكل مرحلي ومدروس، حتى تتشكل معادلة مختلة للصراع في جنوب اليمن تبدو فيه السلطة الشرعية الطرف الأضعف، ولتكون غير قادرة على الصمود وخوض معارك هناك متزامنة مع معارك أخرى ضد مليشيا الحوثيين.
- تحديات جديدة
رغم نجاح ضغوط الإمارات والسعودية على الرئيس عبد ربه منصور هادي لإزاحة محافظ شبوة محمد بن عديو من منصبه، لكن ذلك ليس نهاية اللعبة، وإنما يمثل بداية تحديات جديدة وامتحانا صعبا أمام التحالف ومليشيا المجلس الانتقالي والمحافظ الجديد عوض العولقي، لأن الميراث الذي خلّفه المحافظ السابق محمد بن عديو لا يمكن تجاوزه بسهولة أو الالتفاف عليه، وما لم يمضِ المحافظ الجديد على نهج المحافظ السابق واستكمال مسيرة التنمية والأمن والاستقرار وغير ذلك من المنجزات التي حققها المحافظ السابق، فإن المحافظة ستدخل في متاهة من الفوضى، خصوصا في حال تم تكرار نموذج الفوضى والخراب الذي شهدته العاصمة المؤقتة عدن ومدن أخرى منذ سيطرة مليشيا المجلس الانتقالي عليها، وهو السيناريو الأكثر احتمالا.
يدرك تحالف السعودية والإمارات حجم التحديات في محافظة شبوة وصعوبات ترويض قبائل المحافظة للانسياق وراء المحافظ الجديد عوض العولقي وبالتالي تسليم أمر شبوة لمليشيا المجلس الانتقالي والعبث الإماراتي، لذلك كان لا بد من افتعال نصر مصطنع بدأ التخطيط له بعد سيطرة مليشيا الحوثيين على ثلاث مديريات في المحافظة، تزامن ذلك مع تشويش وحرب نفسية وحملات شيطنة ممنهجة ضد المحافظ السابق محمد بن عديو، وتسريب معلومات عن ضغوط سعودية وإماراتية على الرئيس هادي لإقالته للتشويش عليه حتى لا تخوض قوات الجيش الوطني في المحافظة حرب تحرير جديدة ضد مليشيا الحوثيين ترقبا لما سيحدث في المحافظة وما يحاك ضدها من دسائس.
وبعد إقالة محمد بن عديو من منصبه وتعيين محافظ جديد للمحافظة موالٍ للإمارات، أعلن التحالف عن عملية عسكرية جديدة لتحرير المديريات الثلاث التي سيطرت عليها مليشيا الحوثيين هناك، وذلك كمقدمة لتلميع المحافظ الجديد ومنحه نجاحات مصطنعة، رغم أن محافظة شبوة كانت قد تحررت من مليشيا الحوثيين في أغسطس 2015، وتم تصفية ما بقي فيها من تواجد محدود للحوثيين فيما بعد، وظلت خلال السنوات القليلة الماضية عصية على مليشيا الحوثيين ومليشيا المجلس الانتقالي، وسط غموض كبير حول كواليس سيطرة الحوثيين مؤخرا على ثلاث مديريات من المحافظة، ثم الإعلان عن معركة تحريرها إثر تغيير المحافظ محمد بن عديو.
- ماذا بعد؟
كانت محافظة شبوة تمثل أبرز حجر عثرة أمام الإمارات والسعودية ومليشيا المجلس الانتقالي لتعميم الفوضى والخراب في كل المحافظات الجنوبية والشرقية، وتصفية تواجد السلطة الشرعية منها تماما، وبالسيطرة عليها فإن السيطرة على ما بقي من محافظات جنوبية وشرقية سيكون أسهل، خصوصا أنه لم يبق سوى محافظتين لم تسيطر عليهما مليشيا الانتقالي، هما حضرموت والمهرة، وأجزاء من محافظة أبين، لكن المؤكد أنه ليس بالإمكان تعميم سيناريو الخراب والفوضى وسيطرة مليشيا المجلس الانتقالي على كل المحافظات الجنوبية والشرقية من اليمن، لأن ثمة أسبابا كثيرة تجعل أي مغامرات لفرض سيطرة مليشيا مناطقية منغلقة على كل المحافظات الجنوبية والشرقية بمثابة تمهيد لاندلاع حرب أهلية في جنوبي البلاد، ومن أبرز تلك الأسباب أن جنوب اليمن مفخخ بانقسامات مناطقية وقبلية تعود جذورها إلى مرحلة ما قبل الوحدة عام 1990، ولا سبيل لمحوها أو تجاوز آثارها.
ويزيد من كارثية الأمر أن مليشيا المجلس الانتقالي هي الطرف الوحيد الذي أحيا تلك الثارات بممارساتها القمعية ضد الأطراف والمكونات الأخرى، ولا يمكن لكل تلك المكونات أن تسلم رقابها لمليشيا عنصرية، خصوصا أنها قدمت نموذجا مخيفا في التسلط والقمع وتكميم الأفواه ونهب الممتلكات العامة والخاصة وتفشي الجرائم والاغتيالات السياسية والاختطافات والسجون السرية، ولذا فإن سعي الإمارات والسعودية لتمكين مليشيا المجلس الانتقالي من حكم جنوب البلاد سيتسبب في اندلاع حرب أهلية جديدة ستكون أشد كارثية من أحداث 13 يناير 1986، وسيكون من الصعب على الدولتين التحكم بها وتوجيهها أو التدخل المباشر لترجيح الكفة لصالح أي طرف بسبب تداخل جغرافيا الانقسامات والثارات، لأن حالة الاحتقان في تزايد، وانفجار الوضع قادم لا محالة إذا لم تكن ثمة معالجات حقيقية للوضع المأزوم في البلاد شمالا وجنوبا.



