تقارير

مناهج طائفية في مدارس صنعاء!!

12/09/2021, 07:09:24

كانت اليمن تُباهي دائما بأنها استطاعت أن تتخلّص من البُعد الطائف والمذهبي في مناهج الدراسة، وخلال العقود الماضية، وعلى الأقل منذ قيام الوحدة اليمنية، اعتمدت منهجا تربويا ينتمي لليمن ككل، وأشرفت على إخراجه فرق متخصصة، واعتمدت ما يُعرف بالفقه المُقارن – في الجانب الدِّيني - الذي يأخذ الدليل من بين جميع المذاهب الفقهية المعتمدة في البلاد، الخطوة التي أذابت الحماس المذهبي وخفت صوته إلى أدنى مستوى.   

هذا العام تغيّر الأمر من النقيض إلى النقيض، فقد بات طلاب الصفوف الأساسية، من الأول وحتى السادس الابتدائي في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيات الحوثي الانقلابية، خاضعين لمناهج ذات بُعد طائفي صارخ. 

وخلال السنوات الماضية، كان التغيير تدريجيا، يشمل إدراج بعض الدروس، وتغيير بعض العناوين والأرقام والمصطلحات، وإدراج بعض الكُتب، لكن الأمر اختلف جذرياً بالنسبة لهذا العام. 

فالتغيير شامل في المحتوى، بما يتوافق ومشروع الجماعة الطائفي والسلالي خطوة بخطوة؛ كمرحلة لاستكمال السيطرة على العملية التعليمية ومخرجاتها بشكل نهائي، سيصُّب ذلك في صالح تثبيت مشروع الجماعة العرقي والمذهبي. 

"أنس شائف"، يبلغ من العمر 11 عاماً، طالب في الصف السادس أساسي، يقول لبلقيس: "سحبوا منّا الكتب السابقة كلها، ووزّعوا الكتب الجديدة، فيها الدروس متغيّرة". 

لم تكتفِ الجماعة بتغيير مناهج تلك الصفوف الأساسية، إذ توسّعت في تغيير بعض مواد المنهج المدرسي كـ"اللغة العربية، التربية الإسلامية، التاريخ والوطنية". 

باقي الصفوف الأساسية من السابع وحتى التاسع أساسي، وكذلك المقررات المماثلة لطلاب المرحلة الثانوية، نالها شيء من التغيير والتبديل المتدرّج السائر نحو التغيير الكُلي. 

الخبير التربوي الخمسيني، الذي امتنع عن ذِكر اسمه تحاشياً لأي حساسية أمنية قد تلحق به في عمله بقطاع المناهج والتوجيه. يقول لبلقيس: "الجماعة (جماعة الحوثي) باتوا يتحكّمون بكل التفاصيل، ويضعون جميع المحددات لكل مقررات المواد المدرسية التي غيّروها وأضافوا لها دروسا ذات بُعد طائفي وعرقي، بحسب ما يناسب توجّهات مشروعهم العنصري والتمييزي". 

وتأتي عملية التغيير الجذري لمحتوى المناهج الدراسية -المذكورة سلفاً- هذا العام بعد محاولات سابقة لإدخال رموز الجماعة السلاليين في مناهج التدريس فيما مضى من أعوام دراسية سابقة. 

وبدأت عملية توزيع المنهج الجديد للطلاب مطلع الأسبوع الفائت، في عموم المدارس ضمن نطاق سيطرة المليشيات الانقلابية. 

تعميم فكرة المشروع 

 

يخشى معظم المواطنين على أبنائهم في مناطق سيطرة مليشيات الحوثي الانقلابية من الوسائل التي تتبعها الجماعة في عملية التعبئة العامة، والترويج العميق لفكرة مشروعها الطائفي والسلالي، إضافةً الى تحشيد المقاتلين لتعزيز جبهاتها الداخلية، الأمر الذي يُؤدي إلى ترسيخ الفكرة وتثبيتها، في ظل استمرار غياب المشروع الوطني لمواجهة المشروع العنصري، خصوصاً بعد أن فرضت الجماعة تدريس المنهج الذي تحتشد بداخله دروس تتلوّن بالعنصرية والتمييز والدعوة إلى تعبئة الأجيال بالعنف وتتلاءم ضمنياً ومشروعها العصبوي. 

تذمّر عدد من المعلّمين والمعلمات في بعض المدارس بصنعاء، من أن الحوثيين يفرضون تدريس المنهج الجديد المختلِف، ومحاولتهم إضافة رموز طائفية للمنهج بما سيؤدي إلى تدمير العملية التعليمية ومخرجاتها بالكامل. 

يحتوي المنهج دروساً عنصرية أكثر منها تعبويّة والطريق إلى زيادة العنف، كما يتحكّم الحوثيون بكافة تفاصيل العملية التعليمية في مناطق سيطرتهم مُذ انقلابهم على السلطة الشرعية خريف العام 2014م، ساعين إلى تعميم مشروعهم الكهنوتي والعنصري المتخلِّف من خلال التغيير التدريجي لمحتويات المناهج، وصولاً إلى البقية التي لم تتغيّر بعد. 

المواطن الخمسيني "خالد بلس" يقول لبلقيس: "الحوثيون ما عاد خلوا لنا حالنا، زادوا لحقوا للكتب المدرسية وغيّروها، كيف نزيد نراقب جهالنا (أولادنا) لا يسيروا معهم الجبهات؟ قد المدارس تقرأ فكر الحوثي"!! 

لا ترغب جماعة الحوثي في أن يتعلم أبناء اليمنيين بقدر ما تتمنّى إلحاقهم جميعاً بالقتال خلف مشروعهم التقويضي لكافة مظاهر الحياة المختلفة، فقد ذهبت الجماعة إلى إضافة بعض رموزها الطائفيين كـ "الصماد، الهادي حسين الحوثي وآخرين".

 

المواطن "محمد سبنة"، يبلغ من العمر 39 عاماً، لديه 3 أبناء جميعهم طلاب في المرحلة الأساسية بإحدى مدارس صنعاء، يقول لبلقيس: "ما دخل عيالي بالهادي والصماد؟ (رموز سياسية ودِينية للحوثيين)، ما الذي يريده الحوثي من أبنائنا لما يغيّروا الكتب، ويدخلوا فيها العنصرية والطائفية بهذا الشكل، ونحن كلنا يمنيون لا يوجد أي فرق بيننا في كل مناطق البلاد". 

تطييف المنهج

تنظر جماعة الحوثي في طباعة وتوزيع المنهج الجديد إلى الفائدة العميقة لخدمة فكرة مشروعها بل واستمراره، خصوصاً على طلاب المرحلة الأساسية الذين تستهدفهم الجماعة من خلال تغيير المنهج المدرسي وفرضه عليهم. بذاك تكون المناهج الجديدة لطلاب المدارس في مناطق سيطرة الحوثيين قد تعرّضت لأكبر وأخطر عملية تطييف في تاريخ النظام التعليمي الجمهوري الذي ترافق تأسيسه مع قِيام ثورة 26 سبتمبر المجيدة في العام 1962م. المعلّمة الخمسينية "رضية"، تعمل وكيلة لإحدى المدارس الخاصة في صنعاء، تقول لبلقيس: "المنهج الجديد مختلف عن السابق تماماً، لأنه يحتوي على دروس ترسّخ الطائفية والسلالية لدى الطلاب، خاصة في مرحلة التعليم الأساسي، مثل تمجيد رموز جماعة الحوثي والأئمة، وكذلك دروس تدعو إلى العنف والتناحر بين اليمنيين، لا دروس للتآخي، وتحقيق السلام والمساواة بين أبناء الشعب الواحد". 

يحمّل مراقبون مهتمون بالتعليم مليشيات الحوثي الانقلابية المسؤولية الوطنية والأخلاقية تجاه قيامها بإعادة انتاج المنهج الدراسي، وطباعته، وتوزيعه لطلاب المدارس بصورة تطييف مكتملة، تؤتي أضرارها الناتجة على جميع أبناء وبنات فئات شرائح المجتمع اليمني.

المصدر : بلقيس - خاص - كريم حسن

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.