تقارير

من التفكيك إلى الملشنة.. انعطافات وتحوّلات سياسة التحالف في اليمن

من التفكيك إلى الملشنة.. انعطافات وتحوّلات سياسة التحالف في اليمن
المصدر : بلقيس - خاص - عبدالسلام قائد

لماذا يسلك التحالف السعودي - الإماراتي سياسات متناقضة في اليمن، تبدو للمتابع وكأنّ الدولتين ليستا على وفاق؟ ولماذا لا يتدخّل المجتمع الدولي لفرض تسوية سياسية في اليمن أو حسم عسكري لصالح عودة الدولة حفاظاً على مصالحه، كون اليمن يشرف على واحدٍ من أهم مضايق العالم، وهو مضيق 'باب المندب'، الذي تمرّ من خلاله 30% من تجارة النّفط العالمية؟ ولماذا يحرص التحالف على تهميش وإضعاف الحكومة اليمنية الشرعية، وفي المقابل يشكّل المليشيات الانقلابية ويدعمها ويتهاون أمام بعضها، بل ويسلّم لها مساحات واسعة سبق أن تم تحريرها؟ ولماذا كل هذا الحرص على استمرار الصراع، وتزويده بالوقود اللازم، والتغاضي عن تهريب إيران السلاح للحوثيين، ومحاصرة الجيش الوطني من الحصول على أسلحة جديدة؟

- سيناريو التفكيك وإعادة التركيب

قد يبدو للمتابع للأداء السياسي والعسكري للتحالف السعودي - الإماراتي في اليمن، منذ اندلاع عملية "عاصفة الحزم" وحتى الآن، أن هناك نوعاً من الغموض بسبب ما يبدو أنه تناقض في السياسات والأهداف، فالسعودية -مثلًا- تدعم السلطة الشرعية وتتحالف مع حزب الإصلاح الذي تُقيم أبرز قياداته في أراضيها، بينما الإمارات تعادي السلطة الشرعية بوضوح، وتدعم مليشيات مسلّحة ضدها، وتموّل عمليات اغتيال قيادات حزب الإصلاح في العاصمة المؤقتة (عدن) وغيرها، كما كشف عن ذلك تحقيق لموقع "بزفيد" الأمريكي في أكتوبر 2018.

لكن هذا التناقض الظاهري في السياسات والأهداف يعكس -في جوهره- الهدف الحقيقي للتحالف من تدخّله في اليمن، أي أنه تناقض متفقٌ عليه بين الدولتين، يقتضيه سيناريو تفكيك البلاد. فتحالف السعودية مع بعض الأطراف، وتحالف الإمارات مع أطراف أخرى، ليس سوى وسيلة لتغذية الصراع، وإمداده بأسباب البقاء، وكونه يشكّل مدخلًا لتصريف المال السياسي، والدعم بالسلاح لبعض الأطراف الطارئة على المشهد لخلق توازن عسكري وميداني يجعل من الصعب على أي طرف التعجيل بحسم المعركة لصالحه، لأجل إطالة أمد الحرب.

عندما تدخّلت السعودية والإمارات في اليمن وجدتا بلداً غريباً على جواره الخليجي، فهناك أحزاب سياسية فاعلة، وهناك تجربة ديمقراطية رغم أنها هشة ومتعثرة، لكنها تتقدّم ببطء، وهناك حرية رأي وتعبير وصحافة حزبية ومستقلة، وهناك مجتمع -رغم فقره وبساطته- حيوي ويطمح لمستقبل أفضل، وقد أشعل ثورة شعبية ضد نظام حكم علي صالح احتجاجاً على أوضاعه وأملاً في مستقبل زاهر، لذلك فإن شعباً متقدّماً سياسياً على جواره الخليجي المتقدّم اقتصادياً يثير مخاوف حكام ممالك وإمارات الخليج من أن تنتقل عدوى الديمقراطية إلى شعوبهم، خصوصاً أن تلك المخاوف برزت بقوة بعد اندلاع ثورات "الربيع العربي"، لذلك كان لا بُد من اتخاذ سياسات تُبعد اليمن عن مسار التحوّل الديمقراطي وعن التنمية، وجعله في حالة من الفشل المُزمن.

ولذا، فإن سياسة تفكيك أي بلد تبدأ بدراسة طبيعة الانقسامات السائدة فيه، لأجل النّفخ فيها وتعميقها حتى تصل إلى مرحلة الصدام والاشتباكات العسكرية، ومحاولة تشكيل أجنحة مسلّحة للأحزاب السياسية، وتشكيل مكاتب سياسية للمليشيات الانفصالية والانقلابية والخارجة على الدولة، وافتعال أزمات سياسية واقتصادية وأمنية تصل إلى حد الاختناق، وإجراء اختبارات للحلول السياسية للتأكّد من فاعلية مختلف خيارات التموضع السياسي والتوازن العسكري التي تضمن بقاء الأوضاع تحت سيطرة التحالف.

وشهدت سياسة التحالف في اليمن، منذ بدء الحرب، تحوّلات وانعطافات مهمّة تتغيّر وفقاً لتغيّر المعطيات على الأرض، وكان الهدف في البداية دعم مليشيا الحوثيين كجماعة وظيفية لاستخدامها كقفاز لسحق ثورة 11 فبراير 2011، والقوى السياسية والاجتماعية والعسكرية المساندة لها، غير أن خروج الحوثيين عن الخطة المرسومة لهم، ودخول إيران على خط الأزمة، وإعلان الرئيس السابق علي صالح تحالفه مع إيران والحوثيين، لابتزاز دول الخليج، كل ذلك جعل التحالف يعمل على تدمير مخازن السلاح، وتفكيك الجيش الموالي لعلي صالح والحوثيين، خصوصاً بعد تهديد الحوثيين باجتياح الأراضي السعودية، وإجرائهم مناورة عسكرية بالقرب من حدودها مع اليمن.

بعد ذلك، فخّخ التحالف العلاقة بين علي صالح والحوثيين، وانتهت الخلافات بالمواجهة بين الطرفين، وقتْل الحوثيين علي صالح في بيته، ثم تفكيك حزب المؤتمر إلى أجنحة منقسمة بين عدّة عواصم عربية، وبقاء جناح موالٍ للحوثيين، وإنهاك حزب الإصلاح باغتيال عدد كبير من قياداته، وجعل الحرب منحصرة بينه وبين الحوثيين في جبهات محدودة، بعد حملة إعلامية شرسة تتهمّه بالتحالف مع الحوثيين سراً لتوفير مبررات لتدخل دولي واسع للقضاء عليه وعلى الحوثيين معاً، لكن ذلك السيناريو لم يُكتب له النجاح، أما بقية الأحزاب فهي غير فاعلة على الأرض وليس لها ثقل سياسي أو عسكري، لذا يتعذّر تفكيكها وإضعافها.

وفي مقابل تفكيك الأحزاب السياسية، ظلّ التحالف يعمل على ملشنة البلاد، ودعم تشكيل عدّة مليشيات خارج سلطة الدولة وبدون معرفة وزارة الدفاع، يقابل ذلك دعمه لضخ إعلامي مكثّف يشيطن بعض الأحزاب، ويشيطن الجيش الوطني، ويفتعل أزمات اقتصادية وأمنية، ويعيق عودة السلطة الشرعية إلى البلاد، ويخدّر أعضاءها بالأموال ورغد العيش في الفنادق الفخمة، وإغراقها في الفساد المالي، وهكذا يسلك التحالف سياسات ومؤامرات لجعل البلاد في حالة حرب تحرق الدولة والأحزاب والأفكار والفئات الفاعلة في المجتمع، واستنزاف الجيش الوطني والقبائل والمقاومة الشعبية، إلى درجة جعل كل الأطراف تشعر أنها مستهدفة، وأنها ضحيّة مؤامرات الأطراف الأخرى عليها، ممّا يجعلها تشكك بوجودها أو بإمكانية استمرار بقائها.

- إلى أين؟

يعتقد التحالف السعودي- الإماراتي أن إضعاف كافة مكوّنات المجتمع اليمني وتفكيكها حتى تصل جميعاً إلى مرحلة "توازن الضعف" سيجعل مهمّة السيطرة وفرض الإملاءات عليها سهلة، وبالتالي إعادة تركيب المجتمع بصيغة قابلة للانفجار في أي لحظة، من خلال تسوية سياسية هشّة تقوم على المحاصصة المناطقية أو السياسية أو الجهوية أو القبلية أو الطائفية، أو مما سبق ذكره جميعاً، وذلك بعد أن ينجح (التحالف) في تعديل ميزان القوى بين مختلف الأطراف لصالح نوع الحل السياسي الذي يُراد رسمه في نهاية المطاف، وهو ما بدا في المحاصصة المناطقية والحزبية والمليشياوية في تشكيلة الحكومة الأخيرة وفقاً لاتفاق الرياض، والأهم -بالنسبة للتحالف- هو ألّا تشهد اليمن عملية تحوّل ديمقراطي ناجحة، ومصالحة وطنية راسخة، وتنمية اقتصادية مستمرة.

وهكذا يعمل التحالف السعودي - الإماراتي على تفكيك المجتمع اليمني والدولة اليمنية، بدلًا من تفكيك أزمات البلاد والوصول إلى حلول وسطية، ويعرقل التحوّل الديمقراطي والإصلاح السياسي لصالح ملشنة البلاد، وجعلها أرضاً سائبة يحكمها السلاح المنفلت، ويدعم الجماعات المتطرّفة والمليشيات التي تنتهج العنف بدلًا من دعم الدولة والأحزاب ذات الأفكار الوسطية المعتدلة، ويخلق تفاعلات معقّدة بين الأطراف اليمنية تبعدها مسافات طويلة عن المصالحة الوطنية، كما يعمل على تكريس العوامل المحفِّزة للحرب والخلافات ووأد أي مؤشرات على المصالحة الوطنية والاتفاق على مخرج للبلاد مما هو حاصل فيها.

تقارير

مؤتمر جنيف للقبائل اليمنية: جدل واسع حول التمثيل والجدوى وغياب آليات التنفيذ

جاء المؤتمر ليطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة المشاركين ومعايير اختيارهم، وما إذا كانت مخرجاته تقدم إضافة حقيقية للواقع اليمني أم تقتصر على كونها وثائق احتفالية.

تقارير

الإيكونوميست: السعودية تعرض حوافز وتهديدات على إيران لاحتواء التصعيد الحوثي ومنع المواجهة الشاملة

وأوضحت المجلة أن العرض السعودي تضمن استعداد الرياض وحلفائها لمناقشة ترتيبات أمنية إقليمية أوسع مع طهران في حال قدمت الأخيرة تنازلات تمهد لاتفاق مع الولايات المتحدة. وفي المقابل، حذرت من أن استمرار الرفض الإيراني واستئناف الهجمات على دول الخليج سيقابله استعداد من السعودية وتركيا وباكستان للرد بموجب اتفاق الدفاع المشترك الموقع في أغسطس الماضي، دون تحديد آليات الرد أو الالتزام بتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة.

تقارير

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: على واشنطن التحرك لوقف انتهاكات الحوثيين وإدراج زعيمها ضمن قائمة الارهاب

ينبغي لوزارة الخزانة الأمريكية إدراج قادة الحوثيين المتورطين في الحصار أو الداعمين له على قوائم العقوبات، بموجب قانون ماغنيتسكي العالمي أو وفقاً لصلاحيات قانونية أخرى مناسبة.

تقارير

دراسة حديثة تحذر من تحول الحوثيين إلى تهديد إقليمي وتقترح استراتيجية دولية طويلة المدى لاحتواء تهديدهم

شددت الدراسة ، على ضرورة دمج البعد الأفريقي ضمن استراتيجيات أمن البحر الأحمر لمواجهة التشابكات المتنامية بين الحوثيين وحركة الشباب في الصومال، إلى جانب بناء توازن عسكري وسياسي معارض في جنوب اليمن والحد من الترابط العملياتي بين الفصائل المتحالفة مع طهران إقليمياً.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.