بعد تشكيل مجلس حضرموت الوطني برعاية سعودية، تحدثت مصادر إعلامية عن بدء مشاورات واتصالات في محافظة عدن لتشكيل كيان سياسي جامع لأبناء عدن التي تسيطر عليها مليشيا المجلس الانتقالي القادمة من خارج المحافظة، ومن المحتمل تكرار التجربة لتشمل جميع المحافظات الجنوبية والشرقية، بعد خلق المخاطر والتصدعات وإيجاد المحفزات لتشكيل مثل هكذا كيانات دون أي مبررات ولا تتطلبها الحاجة لتوحيد الصفوف ضد انقلاب مليشيا الحوثيين واستعادة الدولة.
ويعكس تشكيل تلك الكيانات مدى مؤامرات التحالف السعودي الإماراتي لتفتيت اليمن، وعدم اكتفائه بحالة الانقسام الحالية التي غذاها منذ اندلاع عملية "عاصفة الحزم" في مارس 2015 وحتى اليوم، والآن يعمد التحالف إلى تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ، ليعيد اليمن ليس فقط إلى ما قبل عام 1990، ولكن إلى زمن السلطنات والمشيخات في جنوب البلاد، وإلى زمن الإمامة وصراعاتها البينية في شمال البلاد، وأيضا صراعاتها مع بعض المناطق التي كانت خارج نطاق سيطرتها.
- تقطيع أوصال اليمن
بدأت مخططات تقطيع أوصال اليمن منذ الأشهر الأولى لعملية "عاصفة الحزم"، وشملت عملية التفتيت كلا من الأحزاب السياسية والكيانات الاجتماعية والجغرافيا وأيضا الحكومة الشرعية. وإذا كانت هناك انقسامات كامنة عمل التحالف على إنعاشها، فإنه أضاف إليها انقسامات جديدة عبر الاستقطاب والمال السياسي والشحن الإعلامي، فكان لذلك أدوار مؤثرة في عملية التفتيت والإضعاف وضرب المكونات بعضها ببعض وإشغالها بقضايا جانبية وتافهة وليست من صميم هدف استعادة الدولة.
كانت البداية من إضعاف الأحزاب السياسية وإنهاكها كونها الإطار المنظم المعبر عن الشعب اليمني والحامل لقضيته، فحزب المؤتمر الشعبي العام الذي كان قد انقسم إلى جناحين، أحدهما مؤيد للسلطة الشرعية والآخر مؤيد للانقلاب الحوثي (جناح علي صالح)، لكن الجناح المؤيد للسلطة الشرعية، وتحت ضغط الاستقطاب، تشتت في ولاءاته بين الرياض وأبو ظبي وعواصم عربية أخرى، وهذا التشتت انعكس على دور القيادات المؤتمرية التي أصبح بعضها شريكا في عملية تفتيت البلاد، مثل تلك القيادات التي انضمت للمجلس الانتقالي وأيدت مشروع الانفصال وتخدم أجندة الإمارات والسعودية في اليمن.
وفي الوقت الذي كان فيه حزب المؤتمر يتعرض لعملية التفتيت، أنشأ التحالف عددا كبيرا من وسائل الإعلام لشيطنة حزب الإصلاح وبث الدعاية السوداء ضده واتهامه بالتحالف مع الحوثيين، وهي تهمة كيدية ولا تستند لأي دليل، ذلك أن الحزب عُرِف عنه بأنه كان من أكثر الأحزاب عداوة لمليشيا الحوثيين، وكانت بعض الأوساط الشعبية تصفه بأنه صمام أمان للوحدة اليمنية وللجمهورية باعتباره أقوى حزب سياسي عابر للمناطقية والطائفية، وبإمكانه مواجهة مليشيا الحوثيين وحشد الجهود الشعبية لاستعادة الدولة.
بيد أن ذلك كان يزعج التحالف السعودي الإماراتي، الذي موّل حملات إعلامية لشيطنة الحزب واتهامه بالتحالف مع الحوثيين، واغتيال عدد كبير من قياداته وناشطيه في مدينة عدن وغيرها، ثم اتهامه بالتحالف مع قطر وتركيا بعد أزمة حصار قطر، ثم اتهامه بالتخاذل في الحرب على الحوثيين، وأيضا اتهامه بالانسحاب من بعض المواقع وتسليمها للحوثيين، مع أن قرار الحرب على الحوثيين صار بيد التحالف تماما، وكان الأخطر في الأمر وضع حبل الإرهاب حول عنق الحزب لإذلاله ومنعه من أي اعتراض على سياسة التحالف في اليمن.
وعلى صعيد التحالفات الحزبية، فقد عمل التحالف على تفكيك تكتل أحزاب اللقاء المشترك، وكانت أبرز خطوة في هذا السياق عندما عملت الإمارات على تشكيل تحالف حزبي بديل عن تكتل اللقاء المشترك، أطلق عليه "التكتل المدني"، في أغسطس 2017، يضم ستة أحزاب هي: الحزب الاشتراكي اليمني، والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، وحزب العدالة والبناء، واتحاد القوى الشعبية، وحزب البعث العربي الاشتراكي، وحزب البعث القومي.
ورغم أن الهدف المعلن من ذلك التكتل هو مساندة السلطة الشرعية ضد الانقلاب الحوثي، لكن كان واضحا أن الهدف منه طي صفحة اللقاء المشترك ومناهضة حزب الإصلاح، أي أن فكرة التكتل كانت استنساخا لتحالف ما أطلق عليها الأحزاب المدنية في مصر، ليكون موجها ضد حزب الإصلاح، لكن تلك الخطوة لم يكتب لها النجاح، وتعثرت في بدايتها، ولعل سبب ذلك يكمن في أن بعض أحزاب التكتل هامشية وليس لها ثقل سياسي أو عسكري، وبعضها مستنسخة إلى أكثر من حزب، وبعضها كانت قد انقسمت بين مؤيد للسلطة الشرعية ومؤيد لانقلاب الحوثيين وعلي صالح على السلطة الشرعية وعلى العملية السياسية، وكان الخيار البديل للتحالف هو استمرار تهميش تكتل اللقاء المشترك وجعله خارج دائرة الفعل السياسي، وأن تحل المليشيات والكانتونات المستحدثة محل الأحزاب السياسية.
وتزامنت مع خطة تفكيك وإضعاف الأحزاب السياسية، تفكيك السلطة الشرعية والمجتمع والجغرافيا اليمنية، فبعد دعم مشروع الانفصال، ظهر مشروع تفتيت جنوب اليمن اجتماعيا ومناطقيا، من خلال إحياء الثارات القبلية والمناطقية القديمة، وصولا إلى تشكيل مليشيات مناطقية وكيانات سياسية محلية في بعض المحافظات، والعمل على تأجيج العداوات فيما بينها، بعد دعمها بالمال والسلاح، وجعلها في حالة من الترقب والاستعداد والتربص ببعضها.
وفي الشمال تعمد التحالف السعودي الإماراتي أن تكون المناطق المحررة أشبه بجزر متناثرة ومقطعة الأوصال، فالمناطق المحررة في محافظات تعز ومأرب وحجة وصعدة والحديدة كلها معزولة عن بعضها بسبب ترك مليشيا الحوثيين تسيطر على مناطق تربط فيما بينها بل وتحاصر بعضها، وقد أثر ذلك على المناطق والمدن المحررة عسكريا واقتصاديا، وجعلها شبه مشلولة، وغير قادرة على التنسيق فيما بينها بسلاسة، بل فكل واحدة منها أصبحت أشبه بمنطقة حكم ذاتي وتدير مختلف شؤونها بنفسها، وسط غياب شبه كلي للحكومة الشرعية.
- الهواجس الأمنية وأطماع السيطرة
ظلت السعودية تنظر لليمن كتهديد أمني منذ نشأتها وحتى اليوم، وعلى هذا الأساس رسمت سياستها في اليمن وتدخلها في مختلف شؤونه، لدرجة تعيين رؤساء وعزل آخرين أو اغتيالهم، وظلت تدعم الفوضى واستمرار انفصال جنوب اليمن قبل الوحدة ودعم مشروع الانفصال بعدها، كل ذلك خشية من استقرار اليمن وازدهاره والخوف من تحوله إلى نموذج ملهم لشباب الخليج فيما يتعلق بالتحول الديمقراطي وحقوق الإنسان، وتأثير ذلك على العوائل الحاكمة.
يضاف إلى ذلك مخاوف أخرى تتمثل في أن ينهض اليمن اقتصاديا ويصبح قوة عسكرية لا يستهان بها، فيستعيد أراضيه التي استولت عليها السعودية في عهد الإمامة عام 1934، وينافس دول الخليج تجاريا بفضل موقعه الإستراتيجي، واستناده إلى حضارة عريقة، وقدرته على التحرر من مختلف القوى الاستعمارية قديما، ولم يسبق له أن اعتمد على الحماية الأجنبية، وتمتعه بعناصر قوة ذاتية لا تتوفر لدى السعودية والإمارات، علما أنه حتى قبيل اندلاع عملية "عاصفة الحزم"، كان عدد أفراد الجيش اليمني (450 ألف جندي) يقارب عدد أفراد جيوش دول الخليج الست (500 ألف جندي).
إذن ينبع عداء السعودية والإمارات لليمن كدولة وشعب من واقع أنهما تبحثان عن دور إقليمي، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا في ظل ضعف وتفتيت دول أخرى في الإقليم، ذلك أنهما، أي السعودية والإمارات، وأيضا بقية دول الخليج، تعد دولا صغيرة مكشوفة أمنيا، ويحيط بها عدد من القوى الإقليمية العدائية، وبالتالي فهي تعيش حالة من التوتر وعدم الثقة بالنفس بسبب الاختلال العميق في توازن القوى الإقليمي بينها وبين جيرانها.
هذه العقدة الأمنية تعاني منها دول الخليج منذ نشأتها، ومنذ الانسحاب البريطاني من منطقة شرق السويس عام 1968، وهذه الدول تعتمد على الولايات المتحدة الأمريكية التي تتولى مهمات حمايتها والدفاع عنها وضمان أمنها واستقرارها واستمرار أنظمة الحكم القبلية والعائلية فيها، مقابل الحصول على امتيازات ومعاملة تفضيلية في ما يتعلق بالنفط، والوجود العسكري، وحق إقامة القواعد العسكرية على أراضيها، ولذا فالسعودية والإمارات تفتقران لمصادر القوة القومية لمواجهة جيرانها الأقوياء، وبالتالي فهما تعملان على تفتيت اليمن وإضعافه حتى لا ينهض وينضم إلى نادي الأقوياء في الإقليم.
- فرصة تاريخية لا تتكرر
وتعد اللحظة الراهنة التي يشهدها اليمن بمنزلة فرصة تاريخية للسعودية والإمارات لمواصلة تفتيت البلاد وتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ، والإنفاق على ذلك بسخاء. ومما شجع الدولتين المذكورتين على العبث في اليمن: أولا، استجابة قيادات الأطراف المحلية للتعاطي مع تلك المؤامرات أو العمل بمقتضاها أو الانخراط المباشر فيها، على أمل الحصول على مكاسب خاصة. وثانيا، أن السعودية والإمارات تتسابقان على النفوذ في الإقليم، ولم تعد توجد أمامهما ساحة لاستعراض القوة والنفوذ سوى في اليمن، بعد الانسحاب من التدخل في ملفات أخرى، مثل الملف الليبي، وعدم قدرتهما على التدخل في ملفات معقدة وأكبر منهما.
ويتسم التدخل السعودي الإماراتي في اليمن بأنه تدخل عدواني، ينتهك سيادة البلاد ويشكل المليشيات والكانتونات ويقسم الأرض فيما بينها ويمنح كل طرف منها القوة الكافية لتأمين نفسه وتأمين مصالح داعميه الأجانب، وعادة ما يكون تقسيم وتجزئة أي بلد في العالم بهدف السيطرة عليه بسهولة ومن دون مقاومة تذكر، وهو ما تطمح إليه السعودية والإمارات في اليمن، ولم يعد ذلك مجرد تكهنات، ولكنه يتجسد واقعا على الأرض، فالقوات السعودية والإماراتية تتقاسمان السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي اليمنية، تشمل الموانئ والجزر والمطارات والمدن الحيوية.