تقارير
موارد مبددة.. كيف تعثّرت الحياة الاقتصادية في اليمن؟
بين عدم وفاء التحالف بالتزاماته وبين شِحة الموارد والفساد المالي تتعثر الحياة الاقتصادية في اليمن.
موارد اليمن الاقتصادية شحيحة، وهذا هو حال الكثير من بلدان العالم، لكن الأمر المختلف في اليمن هو أن مواردها الشحيحة تتعرّض للنَّهب، فتتعثر الحياة الاقتصادية التي لا تحتمل الكثير من العبث، ومع ذلك تتعمّد دولتا التحالف السعودي - الإماراتي تعطيل الكثير من مصادر تمويل الخزينة العامة للدولة، وتمتنعان -في الوقت ذاته- عن الوفاء بتعهداتهما في دعم الاقتصاد اليمني، بل وتضعان بين يدي المساعدة المؤجّلة شروطا سياسية.
بعد تشكيل المجلس الرئاسي اليمني، في مايو الماضي، أعلنت السعودية والإمارات عن دعم الاقتصاد اليمني بأكثر من 3 مليارات دولار، وهو الإعلان الذي ساهم بصمود الريال اليمني بالقرب من حاجز الألف ريال مقابل الدولار الواحد، إلا أن الحفاظ عنه في هذا المستوى يبدو أمرا صعب المنال، في ظل استمرار شحة الإيرادات والفساد المالي.
- أزمة مركّبة
يقول رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، مصطفى نصر: "لا توجد إجابات واضحة حول مسألة تأخير الدعم السعودي - الإماراتي، غير تكهنات بأن هناك المزيد من الشروط السياسية، التي قد تكون اشتراطات من قِبل مليشيا الحوثي بعدم دعم الحكومة الدعم الكبير في ظل ما يتم من مفاوضات وحوارات، من تحت الطاولة، وهذا برأيي أحد أسباب التلكؤ المستمر بتنفيذ الوعود التي أعلنوا عنها".
وأوضح أن "الأزمة في اليمن مركَّبة ولها أبعاد متعددة، ويأتي على رأسها الفساد السياسي، والعسكري والأمني، وهذا يضع تداعياته على الملف الاقتصادي، وعلى الملف الإنساني، وجميع الملفات الأخرى".
وتابع: "العملية مترابطة، فعندما يكون هناك هشاشة في سلطة الدولة وحالة من الانقسام، إلى جانب ما نعرفه عن الحرب المستمرة منذ 8 سنوات وما وضعته من تأثير، ناهيك عن مسألة فقدان البلد لأهم مواردها، الموارد الاقتصادية، موارد النفط وغيرها، ومؤخرا أضيف عبء جديد وهو ما تتعرّض له موانئ تصدير النفط من تهديد، وهذا ربما يعد تحدٍ إضافي يعيق ما تبقى من أداء الحكومة على الأقل فيما يتعلق بالتزاماتها بصرف المرتبات وغيرها".
وقال: "نحن أمام وضع معقّد للغاية، وأمام سلطات هشّة، مقابل تشكيلات خارج إطار مؤسسات الدولة الرسمية، وأمام أجهزة تقوم بدور الجباية خارج نطاق المنظومة المالية".
وأضاف: "هناك محاولات للحفاظ على نوع من استقرار العملة تمت خلال الأيام الماضية، وكما نلاحظ تحسن كميات الصادرات من النفط وتحسنت أسعارها، الأمر الذي عاد على استقرار العملة، وإن لم يكن استقرارا كاملا إلا أنه جعل البنك المركزي يستقطب ما بين 300 - 400 مليار ريال يمني من السوق، لكن هذا التحسّن طفيف، كون الوعود الخارجية لم يتم الالتزام بها، وكذلك الملف الاقتصادي لا يحتل أولوية لدى الحكومة".
ويرى أنه "إذا أردنا معالجة مشكلة الاقتصاد، أولا مسألة الالتزامات السعودية - الإماراتية -التي قطعت- يجب أن تنفذ بأقرب وقت ممكن، واستعادة إمكانية الحكومة من تصدير النفط والغاز، وإيواء وحشد الموارد الذاتية، وعلى الصعيد الآخر بناء مؤسسات الدولة وفق معايير الحكم الرشيد".
- تحوّل الفساد إلى مؤسسة
من جانبه، يقول نائب رئيس تحرير موقع المصدر أونلاين، الصحفي علي الفقيه: "إن هناك فساد كبير قمنا بنشره وفضحه للرأي العام، لكن نيابة الأموال العامة لم تتحرّك حتى الآن، ولا اعتقد بأنه سيكون هناك تحرّك -للأسف الشديد- في ظل الانفلات الجاري من قِبل بعض المؤسسات الحكومية، وتحول الفساد إلى مؤسسة أكثر قدرة وإمكانية من المؤسسات الحكومية ذاتها".
وأضاف: "نحن نشاهد -من خلال متابعتنا للأحداث في البلاد منذ سنوات- أن هناك حرصا كبيرا على عدم عودة أي مؤسسات رقابية لممارسة عملها، سواء جهاز الرقابة والمحاسبة، أو هيئة مكافحة الفساد، أو مجلس النواب، أو حتى نيابة الأموال العامة، وهذه كلها مؤسسات معنيّة بمكافحة الفساد، إلا أنها معطّلة كليا، كون الفساد أصبح له مؤسسات، وكتائب، والوية تحميه".
وتابع: "الفساد يستفيد من ظروف الحرب، والظروف الإقليمية بشكل عام، كونها تتيح له حرية أكبر، ففي ظل الحرب وغياب الدولة والحكومة خلال السنوات الماضية، وغياب الرئاسة عن العاصمة المؤقتة عدن أتيح المجال للفساد لأن يتوحّش، وأن يتمكّن من التهام أي مبالغ مالية تصل إلى الخزينة العامة".
وزاد: "الانهيار الحاصل اليوم في الاقتصاد اليمني، إلى جانب أنه بسبب الحرب، هو أيضا بسبب الفساد وسوء الإدارة وتعطيل الموارد وتبديد وصرف الأموال بطريقة غير خاضعة للرقابة، وبعيدة عن العمل المؤسسي، وقسائم أوامر الصرف المتعارف عليها في تقاليد الدولة، بل والأهم من ذلك هو تعطيل مؤسسات الدولة من خلال تشكيل لجان، ولا حظنا في السنوات الماضية تشكيل لجان اقتصادية، ومالية، وعسكرية".
وأردف: "ليس هناك تفريق بين مهام مجلس القيادة الرئاسي، وبين مهام الحكومة، فإن يجتمع رئيس مجلس القيادة بمسؤولين من المفترض ألا يجتمع معهم رئيس الحكومة، ويفترض أن تكون الاجتماعات بهم على مستوى وزراء، ومدراء مؤسسات، كأن يناقش مثلا آليات استيراد النفط أو شراء مولد كهربائي فهذه أمور صغيرة، فقد اختلطت أمور، وتداخلت صلاحيات، بحيث إنه يمكن للفاسدين أن يتحرّكوا بالطول والعرض دون أن يكلمهم أحد، فمثلا من يستطيع اليوم أن يحاسب محافظ عدن وهو محمي بالمجلس الانتقالي".



