تقارير
موقع بلقيس يتتبع أساليب التسوّل الإلكتروني في زمن الحرب.. معاناة واستغلال لقيم التكافل

يعاني اليمن كبقية الدول من ظاهرة التسوّل الإلكتروني، بل يعتبر من الدول التي اُستخدم اسمه من أجل الحصول على الكثير من الأموال والمعونات في ظل الحرب التي دخلت عامها الثامن.
وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي حالة من الانتشار المتزايد للحسابات الوهمية، ورسائل SMS، التي تستهدف المجتمع، وتخاطب عواطفهم طلبا للمعونات.
وتستند الكثير من الرسائل لمخاطبة المستهدفين باسم الإنسانية على ادعاءات مختلفة، منها: النزوح، إيقاف المرتبات، وارتفاع الأسعار. ويعمل المتسوّلون على استخدام حيل إبداعية لكسب التعاطف العام، وجذب الانتباه عبر النساء والأطفال.
- الاستهداف العشوائي
عمل معد التحقيق على التواصل مع 30 فردا، تبيّن أن 20 منهم تعرّضوا لتلك الرسائل، إما عبر الرقم الخاص أو على مواقع التواصل الاجتماعي، وكل تلك الرسائل يدّعي أصحابها أنهم لا يملكون أي شيء: لا ماء ولا غذاء، ولا مصدر دخل، ويحتاجون إلى المساعدة العاجلة.
- مناشدات مكررة
وتم رصد العديد من الفيديوهات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي، التي تم إعادة نشرها من قِبل حسابات بمعرِّفات مختلفة، وبالنص نفسه، وأظهرت عملية البحث والمسح أن الكثير من تلك الحسابات استخدمت أسماء نساء، لكسب مزيد من التعاطف.
أيضا تم تتبع العديد من الحسابات، التي نشرت فيديوهات لحالات إنسانية، وحاول معد التقرير التواصل معهم للحصول على ردود شخصية منهم، لكن الكثير منهم اكتفى بإرسال اسم ورقم الهاتف للحصول على المبلغ المالي؛ بحجة أن حالة التعفف التي تعيشها الأسرة لا تسمح لهم بالظهور والتعريف بأنفسهم، رغم أن الفيديو يدّعي أنه من قِبل الأسرة التي أطلقت تلك المناشدة العاجلة.
وفي وقت سابق نشرت "منصة صدق" اليمنية للتحقق من الأخبار فيديو يظهر جانبا من تلك الحسابات المشبوهة، التي تقوم بنشر الفيديوهات نفسها بحسابات مختلفة وبرقم الهاتف نفسه.
- استغلال
صهيب جابر (اسم مستعار) وقع ضحية تقديم التبرعات لأحد الحسابات المجهولة، عقب تلقيه رسالة عن طريق "فيسبوك" من حساب يحمل معرِّف "فاطمة" – نازحة من غربي اليمن - تدّعي أن أمها مريضة، وتتلقّى العلاج، نتيجة معاناتها الشديدة مع مرض السرطان، وقدّم لها الكثير من الدعم المالي للقيام بعلاجها.
يقول "جابر": "تلقيت الرسالة بشكل خاص على فيسبوك، تطلب المساعدة، وبدأت تحكي قصتها بطريقة عاطفية، لعجزها عن مساعدة أمها، لأنها يتيمة الأب، وقدّمت لها معونة أولية لنقل والدتها إلى صنعاء ليتم استكمال بقية العلاج".
ويضيف: "بعد يومين تلقيت اتصالا بنبرة البكاء والتبرير؛ وأن المبلغ الذي سلمته أنفقته لشراء بعض الاحتياجات الأساسية لأسرتها، التي لا تمتلك أي مواد غذائية في المنزل".
وتابع "قمت بتحويل مبلغ مالي آخر، وبعد أيام تكرر الاتصال وبصوت غاضب: بتحول لنا أو لا؟ يا أخي أنا تعبت، ووضعي صعب، لو سمحت أنا منتظر عند محل الصرافة.. حاولت الحديث معها للوصول إلى مكان الأسرة لغرض مساعدتها، لكنها أغلقت الهاتف، وبهذه الكلمات انتهت القصة التي بدأت بيننا لتقديم العلاج لتلك الأسرة".
-ظاهرة مقلقة
يرى الكثير من المختصين في علم الاجتماع والنفس أن الأمر لا يقتصر على التسوّل الإلكتروني فقط، بل صارت ظاهرة مجتمعية دخيلة على البيئة اليمنية، معتقدين أن البطالة لها دور بالغ وجديد مرتبط بالثورة الإلكترونية، التي غيّرت أنماط المجتمع، وجعلته يتّجه نحو التكنولوجيا والتقنيات المرتبطة به، ومنها التصوير الرقمي، حيث لقيت رواجا في المجتمع، بسبب مخاطبتها للعاطفة.
وللمتسوّلين كلمات مشتركة ومنشورات متشابهة، منها انتشار مقاطع فيديو وصور أثناء بكاء الأطفال، أو كبار السن، بسبب عدم القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية لهم من طعام وغذاء، وبعض الكلمات متداولة بكثرة مثل: "يا إخواني أنا بحاجة"، "احنا نازحين"، "بيتنا في مناطق الحرب"، وتتواجد بكثرة عبر المنشورات على فيسبوك وتويتر، وبمشاهدات عالية، عن طريق مقاطع فيديو تتسلل عبر العاطفة تصوّر في غرف مغلقة لا يتواجد فيها أي شيء من مقوّمات الحياة.
- القانون الغائب
يرى المتخصص في أمن المعلومات، محمد يحيى، أن غياب القانون يمثل إحدى أهم الركائز في استغلال الناس عبر حسابات وهمية، وأن تلك الخطوات مدروسة، وصارت هناك عصابات تسوّل متخصصة في استهداف بعض الأشخاص، والدليل وصول رسائل عن طريق رقم الهاتف لبعض الأشخاص.
وتطرّق يحيى إلى الجوانب القانونية وضرورة تغليظ العقوبات على العصابات، للحد من أشكال التسوّل الذي تطوّر ليصبح رقميا.
وأوضح "أن الجهات الأمنية لو قامت بدورها للحد من هذه الظاهرة فإنها ستكافحها سريعا، خصوصا أن أرقام الهواتف مسجّلة في شركات الاتصالات بأرقام يمكن للدولة الوصول إلى مالكيها".
ونصح جميع مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بالعمل على التحقق من تلك الحسابات قبل الوقوع في الفخ من خلال مجموعة من العمليات، ومنها تاريخ الصفحة، وعدم نشر فيديوهات أخرى لشخصيات غير الواردة في الفيديو، ووضع رقم الهاتف في خانة البحث، أو بطلب زيارة الأسرة، ومنحها تلك المساعدات.
-التسوّل الإغاثي
من جانب آخر، قالت الباحثة منال عبدالله إن المتسوّلين إلكترونيا يقومون بصياغة الكثير من القصص والحكايات المفبركة والكاذبة لخداع الناس، وذلك للحصول على الأموال بطرق غير شرعية عن طريق الحيلة والنصب، وتأتي بمسميات مختلفة، منها لغرض العلاج، والحصول على الغذاء وغيرها.
وتطرّقت عبدالله إلى حالة جمع التبرعات باسم الأوطان، مثلما حصل في سوريا واليمن، ولعلّ أكثر تلك الحملات التي لقيت روجا هي حملة اليوتيوبر أبو فلة عبر البث المباشر على يوتيوب لجمع مليون دولار، وفي اليمن حملة "اليمن تناديكم"، هي أحد أهم الأسباب التي شجّعت الناس للاتجاه نحو التسوّل الإلكتروني.
وأشادت الباحثة بالكثير من الناشطين في المجال الإنساني ممن عملوا على تقديم الدعم للعديد من الأسر في اليمن عبر جهود شخصية وموثّقة، ورأت أن تلك النماذج مشرّفة وإنسانية جدا، حيث تدعم الأسر المحتاجة بإقامة مشاريع صغيرة، وتوفير مصادر دخل بسيطة لهم، تكفيهم ذلّ السؤال، وتدعم مبدأ العمل الخاص، وتزيد من فعالية الفرد وعدم اتكاليّته للبحث عن الرزق السهل.



