تقارير
موقع "بلقيس" يتتبع قصص تفخيخ عقول الأطفال في المراكز الصيفية بمحافظة إب

يوم بعد يوم، تزيد مليشيا الحوثي تضييقها على سكان محافظة إب (وسط اليمن)، وتفرض أجنداتها الطائفية على أمل تغيير الفكر العقائدي لأبناء المحافظة ذات الأغلبية الشافعية.
تعمّدت المليشيا في مناطق سيطرتها، ومن ضمنها مدينة إب ذات الكثافة السكانية، تشويه كل جميل وتلغيم الحياة ونشر الفوضى وتدمير التعليم، على أمل إقناع الشباب والأطفال، والزجّ بهم في جبهات القتال، في حرب ليست حربهم، ولم يكونوا فيها إلا وقوداً لفكر المليشيا الطائفي المقيت.
فظاهرةُ تجنيد الأطفال في اليمن من أخطر صور انتهاك حقوق الإنسان محلِّيا ودَوليا، وقد خلَّفت الحربُ الدائرة في البلاد، منذ سنوات، أوضاعا سياسية واقتصادية واجتماعية مأساوية، ألقت بظِلالها على الوضع العام في البلاد، ولا سيَّما الأطفال. وبسبب الفقر والجوع والنزاع الدائر؛ ترك الأطفالُ التعليم وفصول المدارس ليُقتادوا طَوعا وكَرها إلى المعارك، ويُستخدموا في الأغراض القتالية والأمنية.
وتستغل مليشيا الحوثي المراكز الصيفيةَ والمدارسَ في اليمن لتجنيد الأطفال، وذلك بعد منحهم تدريبا فكريّا طائفيا مدة تزيد عن الشهر، ثم يُساقون إلى محرقة الموت، في معارك محتدمة.
وتُوهم الجماعةُ أهاليَهم أنهم في دورات ثقافية، أو مراكزَ أمنية بعيدين عن خطوط التماسِّ، والمواجهات المباشرة.
وساعد التردِّي الكبيرُ للوضع الاقتصادي على ازدياد ظاهرة تجنيد الأطفال في اليمن؛ إذ تعمِدُ كثيرٌ من الأسر إلى الموافقة على تجنيد أطفالها للحصول على عائد مادِّي حتى لو كان ضئيلًا؛ ليُعينَها على تلبية بعض احتياجاتها المعيشيَّة، ولا سيَّما بعد ارتفاع الأسعار، وانقطاع المرتَّبات عن المدنيين والعسكريين لسنوات.
ومن خلال الاطلاع على المناهج التعليمية للمدارس، أجرت المليشيا تغييرا جذريا لغالبية مواد المنهج، في تعمّد منها تلغيم عقول الأطفال بالعنف والجهاد والقتال في صفوفها، بالإضافة إلى الأنشطة المدرسة من طابور وإذاعة مدرسية، كل ذلك سخرته لنشر فكرها الضال.
- أرقام صادمة
محافظة إب من المحافظات التي فيها كثافة سكانية تصلُ إلى ثلاثة ملايين نسمة، وفيها أيضا 400 ألف نازح من جميع المحافظات، وتصل نسبة الأطفال ما دون الـ18 سنة إلى 56 بالمئة من السكان.
وشملت المراكز الصيفية للمليشيا أغلب مدارسها الحكومية، التي تتجاوز 1100 مدرسة موزّعة على 20 مديرية، حيث يصل عدد الطلاب المستهدفين إلى ما يقارب 10 آلاف طالب من إجمالي 70 ألف طالب، أعلن عنهم يحيى الحوثي وزير التربية لما يسمى حكومة الحوثي (غير المعترف بها) أثناء تدشين المراكز الصيفية في صنعاء العام الجاري.
وتنظر مليشيا الحوثي إلى محافظة إب بنظرة دونية، كونها ذات الطابع المذهبي الشافعي بنسبة 95 بالمئة، المخالف لفكرها الضال، فهي تحاول الانتقام من أبنائها بأبشع صورة، وسخّرت كل إمكانياتها للنهب ونشر الفوضى والجريم، ومصادرة الممتلكات الخاصة والعامة، وتعمد تجريف الهوية اليمنية، والزج بأكبر قدر من أطفالها وشبابها في جبهات القتال.
مسؤول حكومي في مكتب التربية بإب، مطّلع على التغيير الجذري للمناهج التعليمية وعلى برامج المليشيا في مراكزها الصيفية، حذّر من تجريف مليشيا الحوثي للهوية اليمنية، والعمل على غرس فكرها القاتل في عقول الأطفال من خلال المناهج المحشوة بأفكار لا تتلاءم مع تفكير الأطفال، والمجتمع ككل.
في حديثه لموقع "بلقيس"، دعا المسؤول التربوي -فضّل عدم ذكر اسمه- الحكومة الشرعية والمنظمات الدولية المعنية بالتعليم إلى التحرّك الجاد وإيقاف مخططات المليشيات الخبيثة الرامية إلى ملشنة التعليم والعملية التعليمية في مناطق سيطرتها، والزج بالأطفال في جبهات القتال.
وعن برامج المركز الصيفية في معسكرات التجنيد الحوثية، يقول المصدر إن "مليشيا الحوثي تعمل على تلقين الشباب معنى الولاية، وملازم الصريع الهالك حسين الحوثي، والحوزات، والحسن والحسين وآل البيت، والجهاد، وعن المرتزقة والمنافقين في محاولة منها إلى استعطاف الأطفال، وتحسين صورتها، إلى جانب برامج عملية، منها فك وتنظيف السلاح، وكيفية استخدامه في القتال، وتقوم بفرز من هم في سن 14 عاما إلى 18 عاما، ويتم استدراجهم في المراكز الصيفية إلى رحلة خارج المحافظة، تسمى "النزهة"، حيث يتم نقلهم إلى محافظة ذمار، وهناك يذهبون في رحلتهم الأخيرة، حيث اللا عودة إلى أسرهم، إلا في توابيت".
- المال مقابل حياة أولادهم
وعن حال غالبية الأسر في المدينة، أمام ابتزاز وصلف المليشيا، "م .ح" -موظف في مصلحة الهجرة والجوازات في إب- تحدث بحسرة: "في دولة المليشيا أولادنا ليسوا لنا، نحن ننجب أطفالا للسيّد للقتال في الجبهات من أجل يحكمنا". (في إشارة إلى زعيم مليشيا الحوثي، ومطالبته الأسر بتجنيد أولادها إجباريا).
الكثير من موظّفي محافظة إب في كل القطاعات ممن التقى بهم موقع بلقيس يقولون إن المليشيا تساومهم، إن كانوا يريدون نصف راتب عليهم إحضار أولادهم إلى المراكز الصيفية، ومعسكرات التجنيد.
في حديثه لموقع "بلقيس" يشكو والد فلاح -الذي فضّل عدم كشف هويته- كيف تم استقطاب المليشيا فلذة كبده إلى جبهات القتال، وهو في سن 16 عاما، حيث قُتل بإحدى الغارات الجوية في معركة صرواح غربي مأرب قبل ثلاث سنوات، بعد مضي قرابة أربعة أشهر من تجنيده.
والد فلاح يقطن وسط مدينة إب، ويعمل بالأجر اليومي، ويعيل ستة أولاد أكبرهم فلاح، يقول: "عاقل الحارة، منذ مطلع الحرب، بين الفينة والأخرى يأتي ويطالب القاطنين في الحارة بدفع أبنائهم إلى الجبهات ومعسكرات التجنيد، والذي يرفض منهم يفرض عليه مبلغا ماليا، يتجاوز كل مرة 5 آلاف ريال، إن كان يخاف على أبنائه".
بألم وحسرة، يمضي والد فلاح بالقول: "مع وضعنا البائس، وتوقف الأعمال، وانعدام الدخل، وعجزنا عن دفع جبايات للمليشيا، وافقت على مضض بدفع ابني إلى معسكرات التجنيد، على الرغم من رفض والدة فلاح في بداية الأمر تجنيده، مشيرا إلى أن ذلك كان طمعا أيضا بالسلال الغذائية التي يمنحها عقال الحارات ومشرفو المليشيا على أسر من يسمونهم بالمجاهدين.
يتابع: "رغم مرور ثلاث سنوات على مقتل ابني، إلا أن فقدانه لا يزال غُصّة عالقة في حلقي، وأدرك أني مسؤول أمام الله ومشارك بجريمة قتله مذ سمحت له بالتجنيد مع المليشيا"، مشيرا إلى أن مشرفي مليشيا الحوثي وعناصرها لا يزالون يحاولون استقطاب أولاده المتبقين، ويأتون من باب الاستعطاف، وتحت مزاعم الانتقام لدم ابنهم، ممن يسمونهم "المرتزقة".
حال والد فلاح لا يختلف كثيراً في تفاصيله عن حال آباء آلاف الشباب والأطفال الضحايا الذين جنّدتهم المليشيا، مستغلة ظروف أسرهم المادية، وزجّت بهم في جبهات القتال في حرب ليست حربهم، ولم يكونوا فيها إلا وقودا لفكر المليشيا الطائفي.
وتفرض المليشيا جبايات على السكان إن لم يحشدوا أبناءهم إلى المراكز والجبهات، كما أن الهيئة العامة للزكاة، التي أنشأتها المليشيا القائمة على النهب والجبايات، استهدفت هذا العام بالدرجة الأولى التجنيد لجبهات القتال.
وتأتي محافظة إب في المرتبة الثالثة بعد العاصمة صنعاء وذمار من حيث ضحايا الأطفال، الذين يُزج بهم في جبهات القتال، وما يمر يوم إلى ونرى هناك جنازات لأطفال وشباب ممن غرر بهم، وفقا لإحصائية حقوقية.
- ماذا يتعلمون؟
على الصعيد ذاته، يقول عرفات حمران -رئيس منظمة رصد للحقوق والحريات- إن "المراكز الصيفية للمليشيا تبدأ طبيعية لاستقرار الطلاب وطابور الصباح، ثم تبدأ في تلقينهم بعض الدروس من ملازم الصريع الهالك حسين الحوثي، وشقيقه عبدالملك الحوثي، بعد ذلك يتم استقطابهم وتدريبهم على الفنون القتالية، وتدريبهم على تفكيك الأسلحة وتركيبها، وإنشاء مسابقة بين الأطفال من يفكك قطعة السلاح ويركبها سريعا".
يضيف حمران "يلقنونهم بعض المناهج، التي تسب الصحابة، وتدعو إلى القتال بين الجيل الواحد، التي تملأها الطائفية المقيتة، ويبدؤون بعد ذلك باستقطاب بعض الطلاب الذين يرون فيهم الفنون القتالية، ويعملونهم مجموعات أخرى، ليتم تدريبهم على السلاح، وبعد مرور أسبوع أو أسبوعين يتم تلقينهم الولاية، وأن زعيم المليشيا طاعته واجبة أهم من طاعة الأب والأم، وأنه ولي الله ونبي الله، حسب فكر الجماعة".
يتابع: "بعد ذلك بشهر، يتم أخذهم إلى أماكن أخرى من أجل الحصول على أرقام عسكرية ورواتب، ليتم بعد ذلك نقلهم إلى جبهات القتال، كما تقوم المليشيا بمنح أسرهم بعض السلال الغذائية، وتكذب على تلك الأسر أن أبناءهم في دورات خاصة، ومعسكرات بعيدة، وليسوا في جبهات القتال".
وأردف حمران: "بعد ذلك يعطونهم الشمة، إضافة إلى تعاطي نبتة القات وبعض الأشياء المخدرة، ومن هنا تبدأ رحلة الأطفال بين فقدان العقل وفقدان الطفولة إلى جانب غسيل الدماغ، وتلقينهم فكر المليشيا الخبيث، يجدون أنفسهم في الصفوف الأولى للقتال، ولا تعرف أسرهم إلا حين يعودون جثثا هامدة في توابيت"، لافتا إلى أن "كل الأطفال الذين يذهبون إلى القتال لا يعرفون أنهم سيذهبون إلى الصفوف الأمامية بقدر ما يعتقدون أنهم يحصلون على بعض الرواتب، ويكونون في نقاط أمنية بعيدة، ومعسكرات بعيدة عن جبهات القتال.
وأشار رئيس منظمة رصد إلى هناك فريق خبراء إيرانيين ولبنانيين من حزب الله هم من يديرون المراكز الصيفية والمعسكرات عن بُعد في العاصمة صنعاء، فالحوثيون -في نظره- لا يحملون أي مؤهلات، لكنهم يتلقون التوجيهات من أولئك الخبراء.
وبحسب حمران، فإن "عملية تجنيد الأطفال، ما دون سن 14 سنة، محرّمة دوليا في المواثيق الدولية، وفي القانون اليمني التجنيد محرم تحت سن 18 سنة".
وأكد أن كل المتورّطين في تجنيد الأطفال، سواء كانوا عقال الحارات أو مشايخ وكل من لهم صلة بذلك يعتبرون مجرمي حرب، طالما عملوا في الاستقطاب والتجنيد، مشيرا إلى أن ما يقارب 30 ألف طفل تم تجنيدهم في محافظة إب منذ بداية الحرب وحتى الآن، حسب إحصائيات حقوقية.
واعتبر صمت الأمم المتحدة الراعية لهذه الهدنة، التي تزامنت مع توقيت تدشين المراكز الصيفية، غطاءً لجرائم المليشيا. وسبق أن أعلنت الأمم المتحدة في بداية الهدنة، مطلع أبريل الماضي، أن الحوثيين وافقوا على عدم تجنيد الأطفال.
ويرى الحقوقي حمران أن إعلان الأمم المتحدة رسالة واضحة وصلت إلى المجتمع الدولي كتطمين أن الحوثيين أصبحوا ملتزمين بعدم تجنيد الأطفال، ثم دشنت المليشيا 70 ألف طالب مستهدفين للتجنيد، وسيخرج منهم ما لا يقل عن 10 آلاف مقاتل، يرفدون بهم الجبهات، وبذلك استطاعوا أن يقوموا بأكبر عملية تجريف وتجنيد للأطفال مذ بداية الحرب قبل سبع سنوات، وهذه عملية خطيرة وجريمة ضد الإنسانية تمارسها الأمم المتحدة بصمتها وعمل تغطية لهذه الجريمة، حد قوله.



