تقارير
"موقع بلقيس" يكشف استغلال الحوثيين للأطفال في صنعاء وتحويلهم إلى جواسيس ومُخبرين

كانت الساعة تشير إلى الواحدة والنّصف ظهر السبت (11 يونيو الفائت)، حين وصل المواطن الأربعيني "م. ع" بسيارته إلى أمام أحد المطاعم الشعبية المعروفة في منطقة 'مذبح' في العاصمة صنعاء، لتناول وجبة الغداء، حيث يعج المكان بالمتسوِّلين من مختلف الأعمار ذكوراً وإناثاً. يقول الرجل لبلقيس: "أول ما وقفت سيارتي أمام المطعم، جاءني طفل متسوِّل عمره حوالي 14 سنة، وطلبني مساعدة، لم أعطهِ بسبب أسلوبه المستفز، تلاسنت معه فيمن أوصل الناس لهذه الظروف الصعبة".
لم يدرْ في ذهن الرجل أنه سيكون ضحية ذاك الطفل المتسوّل الذي تم استغلاله وتجنيده للعمل كمخبر للمليشيات، بل كان مهموماً بإشباع معدته الخاوية بطبق "السلتة" الشعبي المفضّل لديه. مضيفاً لبلقيس: "بعد خروجي من المطعم، توجّهت إلى سيارتي، وإذا بالمشرف الأمني حق الحوثيين، مع مرافقيه في تلك المنطقة، كانوا قد تواجدوا واستدعوني للتحقيق بتهمة الإساءة لزعيم الجماعة، والعمل مع العدوان". لكن الضحية، الذي وقع نتيجة بلاغ كيدي كاذب لطفل متسوّل تم تجنيده أمنياً خارج نطاق الأعراف والقوانين السائدة، كان بعض أقاربه على معرفة بشخصيات اجتماعية مُقربة من قيادات حوثية. يقول لبلقيس: "أصحابنا تداركوا الأمر سريعا، ولا يوجد أي أدلة تثبت ادعاءاتهم الباطلة، وتم الإفراج عنّي بتعهّد بعد حوالي أسبوعين قضيتها في السجن". وتعمد مليشيات الحوثي الانقلابية إلى استغلال الأطفال وتجنيدهم إما عسكرياً أو أمنياً، كما لم تفعل أي أنظمة سبقتها في الحُكم.
الباحث القانوني "ع. د"، البالغ من العمر 45 عاماً، يقول لبلقيس: "الحوثيون يستغلون حاجات الأطفال، ويستقطبون الكثير منهم للعمل معهم مُخبرين دون مقابل، فقط يمنحونهم الوهم المعنوي أنهم رجال المستقبل، هناك ضحايا من المواطنين تعرّضوا للاعتقال والعنف بتُهم كيدِية، كان خلفها أطفال تستخدمهم مليشيات الحوثي".
صناعة الخوف
يخشى السكان في صنعاء من تزايد ظاهرة تجنيد الحوثيين للأطفال على المستوَيين الأمني والعسكري، الأمر الذي يبث الرهبة والخوف في نفوس المواطنين، خشية تجنيد أطفالهم عليهم كجواسيس أو مقاتلين لصالح الحركة الانقلابية.
يفضّل أحد العاملين في مجال حقوق الطفل عدم ذكر اسمه لدواعٍ أمنية، خلال حديثه لبلقيس: "يخالف الحوثيون جميع الاتفاقات الدولية بحقوق الطفل، جنّدوا آلاف الأطفال مقاتلين وجواسيس دون معرفة أُسرهم، مستغلين ظروفهم وحرمانهم من حقوقهم، كذلك اعتبارهم وسيلة الرعب الصاعدة للمواطنين، وفرض القيود على المجتمع". إذ يتجنّب غالبية السكان -في مناطق سيطرة الحوثيين- النقاشات المصحوبة بنقد ممارسات الحوثيين بحق المجتمع الذي يتعرّض لأقسى العذابات المختلفة والمتعددة. المواطن الستيني غالب الحرازي (اسم مستعار)، كان ضحية بلاغ كيدي لطفل من عائلته، جنّده المشرف الحوثي لمديرية مناخة (غرب صنعاء). يقول الحرازي لبلقيس: "بلّغ بي طفل من الأسرة لعند المشرف الحوثي، قال لهم إني أشتم الجماعة في المقيل، وهو ما يعجبهم، جاءوا شلوني للحبس حق مديرية مناخة للعشيَّة، وبعدا جاءوا الناس يراجعوا عليَّ، وقالوا لهم هذا رجل كبير في السجن، وأخرجوني، ووقّعت لهم تعهدا بعدم الكلام مرّة ثانية".
يصنع الحوثيون الرهبة للكفِّ عن توجيه أي انتقادات لممارساتهم وبطشهم المُريع بحق المواطنين، إذ تبدو مهمّة الأطفال هذه مجانية في خدمة المليشيات الانقلابية على طريق إرهاب المجتمع.
شهادات توثق الانتهاكات
استغل الحوثيون فترة الحرب الممتدة لأكثر من 6 أعوام، وحوّلوها إلى مرحلة استقطاب خصبة لآلاف الأطفال، وتجنيدهم بطُرق مختلفة، لأداء أكثر من هدف أمني أو عسكري، وفقاً لتقرير أممي صدر مؤخراً يُعرِب "عن القلق البالغ إزاء الزيادة المستمرة في عدد الانتهاكات بما في ذلك تجنيد الأطفال، ولا سيما من جانب الحوثيين".
"هيثم" طفل يبلغ من العمر 13 عاماً، يعمل بائعاً "للقات" في أحد أسواق صنعاء، استغل الحوثيون ظروفه، وجنّدوه كجاسوس، كونه غير مُلفت للأنظار، يقوم بإبلاغ المشرف الأمني للحوثيين في منطقة تواجده، عن أي شخص زلّت لسانه بكلام، وهو ما يعتقده الحوثيون تطاولا على رموز الجماعة، إذ يُصنَّف المتحدث أنه طابور خامس.
يقول أحد أقارب الطفل لبلقيس: "الولد هو يتيم، وما عاد حتى يدرس، المشرف الحوثي يضخ له فلوس خيرات قيمة القات، ويتواصل معه بشكل دائم، والولد ما يقصّر، يبلغ المشرف بأي واحد يتكلم عن الحوثي".
لا يدرك الأطفال حقيقة ما يصنعون بوشاياتهم، إذ يعتبر الجميع ضحايا مُمارسات المليشيات غير المألوفة.
"ر. و" ناشط حقوقي ثلاثيني، يعمل راصدا لانتهاكات الحوثي في صنعاء، أدلى بشهادته لبلقيس عن أحد الضحايا: "منتصف فبراير الفائت، وشى طفل يعمل في جمع العُلب البلاستيكية المستعملة بالمواطن الخمسيني أمين العمراني، الذي يسكن في منطقة قاع العلفي، وأودع العمراني السجن التابع لقسم شرطة العلفي لمدة 4 أيام، ليغادره بتوقيع تعهّد خطي بعدم تكرار الإساءة للمليشيات، لم يلبثْ الرجل سوى ساعات في منزله ليتم إسعافه إلى المستشفى الجمهوري، نتيجة تعرّضه لجلطة دماغية أودت بحياته فوراً، بسبب التعذيب، وإحساسه بالقهر والذّل".
ترافق التعذيب والشعور بالهزيمة ليضعا خاتمة مؤلمة لحياة الرجل، بسبب وشاية كيدية لطفل يعد هو الآخر ضحية للمليشيات التي تسعى إلى تقويض قِيم ومبادِئ وحقوق مجتمعٍ بأكمله.



