تقارير
موقع "بلقيس" يلتقي تاجراً في مأرب صنع عُملة خاصة به

كُروت من ورق تُطبع في مطابع عادية في السوق، لتعود إلى الجيوب كأوراق نقديّة، أو عُملة خاصة ابتكرها التجار ليتداولها الناس في الأسواق المحلية، هرباً من ضائقة انعدام الفئات ما دون المئة ريال من العملة الوطنية.
كحلول مجتمعية طارئة أُجبروا على ابتكار حلول جريئة وصلت ذروتها، بطباعة عُملات كل بحسب رغبته، في مخاطرة قانونية غيّبت دورها الحرب التي تسببت بالانهيار الاقتصادي في البلد.
حيث أدى حظر وانقسام الأوراق النّقدية المحلية في اليمن إلى ازدهار تجارة العملات في السوق السوداء، وتهريبها عبر خطوط المواجهة، وظهور أسعار صرف متباينة بشكل متزايد في جميع أنحاء البلاد، أدى ذلك إلى انعدام الفئات الصغيرة (الفكّة) من العُملة المحلية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، ما خلق مشاكل لدى باعة وتجار التجزئة في ظل وضع معيشي واقتصادي متدهور يمرُّ به المواطن.
وحين غابت الفئات الصغيرة من العُملة (الفكة)، تدبّر بعض التجار في مناطق سيطرة الشرعية الأمر بطُرق مختلفة كل حسب ما يناسبه.
محمد أمين واحد من هؤلاء التجار ابتكر طريقة خاصة وجريئة بطباعة عملة خاصة به، حيث طبع كروتا كَتب عليها رقم خمسين ريالاً، فبات متعارفا بين زبائنه أن هذا الكرت قيمته خمسين ريالا، لمن بقي له هذا المبلغ، ليعيده إليه تحديدا في أوقات لاحقة، لشراء حاجته مجدداً.
ذهب محمد أمين (30 عاماً) - مالك بوفية للوجبات السريعة في أحد شوارع مدينة مأرب شرق اليمن- إلى إحدى المطابع طالبا طباعة كروت صغيرة من الورق الاعتيادي، كتب عليها خمسين ريالاً، وإلى جوارها اسم محله التجاري الصغير، وطباعة ختم محلّه في الوجه الآخر للكرت ذاته.
يقول أمين إنه طبع حينها 200 كرت فئة خمسين ريالاً، ليكون قيمة ما طبعه 10 آلاف ريال.
في أواخر عام 2017م، اختفت الفئات الصغيرة من العملة المحلية من أسواق المدن، فطرأت حينها على بال محمد أمين لتدبّر وحل مشكلة غياب الخمسين والعشرين ريالاً، وما سواها من الفئات الصغيرة، فكرة استبدال كروت الطلبات في بوفيته بكروت يتم تداولها كعملة نقدية بينه وبين زبائنه.
شرح أمين لموقع "بلقيس" ما قام به قائلا: "كان الكرت مسجلا عليه مثلاً حبة دجاج، أو نفر رز، نحنا غيّرناها إلى خمسين ريال، وعشرين ريال".
وأضاف: "لقد اضطررنا لإيجاد حلول لغياب الخمسين ريالا، والفئات الصغيرة، حيث إن غيابها يعيق المواطن، ويعيق التاجر، ويعيق العمل".
وأشار إلى أن غياب تلك الفئات أوجد الكثير من المشاكل بين العامل والزبائن، حيث إن البعض يريد حقه الباقي نقودا، وتحدث مشكلة، ولا يعي أنه لا توجد خمسون ريالا، ولا عملات معدنية.
ولفت إلى أنه لتفادي تلك المشكلة يضطر إلى أن يعيد للزبون مئة ريال، ويتحمل هو خمسين ريالا.
يقول محمد الجماعي -صحفي اقتصادي- إن المواطن اتخذ بدائل كثيرة لغياب الفئات الصغيرة من العملة منذ الانقلاب الحوثي على الدولة قبل سبعة أعوام، الذي أدى إلى تدهور العملة الوطنية، وغياب بعض فئاتها الصغيرة من الكثير من الأسواق في مختلف المحافظات اليمنية، وتحوّل السوق إلى بديل للمصرف المركزي، لتوفير العملات الأجنبية أو العملات المحلية.
مثل تلك البدائل، التي اتخذها المواطن أو التاجر، تثير تساؤلا لدى الجماعي، في حديثه ل"بلقيس"، مفاده: أين ذهبت الفكة الصغيرة من العملة والفئات المعدنية والورقية ما دون المئة ريال؟
ينبئ غياب الفئات الصغيرة وتوفّر الفئات الكبيرة أن هناك تدهورا في العملة وتدهورا في الاقتصاد المحلي، والعكس تماما، حسب الجماعي.
هذه الكروت تشبه مثيلاتها من أساليب بيع الشوكولاتة بالإكراه من قِبل بعض التجار، إلا أن ما يميز هذه الكروت أنها تؤخذ كسند، يستطيع المواطن أن يأخذ بقيمته الحاجة التي يريدها، يقول أستاذ العلوم الاقتصادية في المعهد الوطني للعلوم الإدارية بتعز، هشام الصرمي.
ويضيف الصرمي أن "مشكلة غياب الفئات الصغيرة مستمرة منذ بداية الأحداث الجارية في البلد، وكانت قد طرحت بشكل واسع سابقا، في حين غابت فئتا المئة والمئتي ريال، لكنها اليوم تعود بقوة مع غياب الفئات ما دون المئة، وكذا العملات المعدنية".
مثل هذه البدائل، وبهكذا أساليب -بحسب الصرمي- تشكّل خطرا على العملة، كما تشكّل خطرا قانونيا على فاعلها، حيث إنها تعتبر خطأ يعاقب عليه القانون اليمني، باعتبارها أحد أساليب التزوير، ولو بشكل أخفّ، ولكن لأن البلد في حالة حرب حاليا، ويعيش تدهورا اقتصاديا كبيرا، لن يلتفت أحد إلى هكذا مشكلة، لأنّها تعتبر ثانوية في ظل الأوضاع الراهنة.
وتابع: "لكن إذا حدثت في ظل وضع استقرار سياسي واقتصادي، فإنها تصبح أولوية للمعالجة".
التاجر أمين لا يدرك بنود القوانين الآن، فعملته الخاصة شكّلت فارقا، وأزالت الإشكالات التي كانت تحدث بينه وبين زبائنه، وعملت حلا نسبيا في مجريات تجارته اليومية، وهو ما يصبو إليه.
ويختم أمين حديثه لموقع "بلقيس" بقوله: "يهمني أن نعمل حل لنا كتجار، أو يوفروا لنا الفئات الصغيرة من العملة، ولن نوجد حلول اعتباطية".



