تقارير
ميدل إيست آي: محاولات الرومان للسيطرة على مأرب يكررها الحوثيون اليوم

في مشهد مماثل للقتال العنيف الدائر اليوم في محافظة مأرب اليمنية بين القوات الحكومية وحركة الحوثيين، سعى القادة الرومان -ذات مرّة- للاستيلاء على المدينة الغنية بالثروات. عالم الآثار الأمريكي "ويندل فيليب" قام بحملة استكشافية إلى مأرب لكنها توقفت بسبب غارات القبائل المحاربة في المنطقة.
يقول فيليبس عن هذه الرحلة: "كانت المشكلة الكبيرة الوحيدة، التي واجهتني، هي جعل الجميع يقبلون بالرحلة الاستكشافية ليبقى اليمن مستقرا وآمنا"، كما روى ذاك لاحقاً في مذكراته (قتبان وسبأ: استكشاف الممالك القديمة على طرق التوابل التوراتية في شبه الجزيرة العربية) (1955).
في هذا الكتاب، استعاد فيليبس مغامراته، التي شملت اختطافه، وإطلاق سراحه فجأة خلال فترة حكم الإمامة في اليمن.
على الرّغم من عدم اعترافه صراحةً بارتكاب مخالفات في مذكراته، إلا أنه من المحتمل جداً أن شجاعته وثقته بنفسه قد أثارت القليل من الشكوك محلياً.
مع الأخذ في الاعتبار العادات الراسخة المستخدمة منذ فترة طويلة للبحث عن مرور للسلع والأشخاص والأذونات والحماية. فبمجرد أن قطع الملك أحمد بن يحيى، الحاكم قبل الأخير للمملكة المتوكلية اليمنية، إمداداته، وانعدمت ثقة السكان المحليين بالأمريكيين؛ اضطر فيليبس لترك مشروع الرحلة الاستكشافية.
كانت المملكة هي الدولة الخلف للإمامة الزيديين، التي انفصلت عن الإمبراطورية العثمانية في أواخر القرن السادس عشر، وأصبحت فيما بعد القوة الرئيسية في شمال اليمن.
قام فيليبس برحلة علمية طموحة لمسح المواقع الأثرية في اليمن، على خطى عالم الآثار المصري أحمد فخري قبله.
قادتهم رحلتهم إلى مأرب، للبحث عن ملكة سبأ الأسطورية (بلقيس بالعربية)، وهي حاكمة مُشار إليها في الأديان الإنجيلية والإسلامية.
توصل عدد من العلماء إلى الاعتقاد بأن أرض سبأ القديمة، المذكورة في الكتاب المقدّس والقرآن، كانت موجودة في مأرب.
قام ويندال فيليبس وفريقه بالتنقيب حول المعبد المعروف باسم "ملاذ بلقيس" (معبد بلقيس أو معبد أوام)، على مشارف مدينة مأرب، وهي منطقة ليست بعيدة عن خط المواجهة في حرب الاستنزاف الأخيرة في اليمن بين الحوثيين والقوات الموالية للحكومة، حيث مازال الحوثيون يحشدون للسيطرة عليها.
حادثة فيليبس هي واحدة من حلقات عديدة تعزز النّظرة النمطية إلى اليمن على أنه مكان ليس آمناً.
تقول الباحثة ندى الدوسري - الزميلة غير المقيمة في معهد الشرق الأوسط- إن رموز القبائل القائمة على الشرف في اليمن يُساء فهمها إلى حد كبير من قِبل المراقبين والمحللين الخارجيين.
وكتبت: "القبائل حريصة على انتهاء الحرب، وإعادة السلام والاستقرار إلى مناطقها".
تعتبر مأرب غنية بالنفط والغاز، وتضم حقول نفط ومصفاة، واحتياطيات غاز، وخط أنابيب يمد البلاد بأكملها، وهذه الامتيازات، التي تتمتع بها، كفيلة بإغراء الآخرين للسيطرة عليها. كما أنها معقل الحكومة الأخير، ولديها إدارة محلية متجاوبة.
حتى مع هجوم الحوثيين الأخير، كان يُنظر إلى مأرب في كثيرٍ من الأحيان على أنها المدينة الوحيدة للتعايش والأمان والازدهار النسبي، وسط بلد تمزّقه الحرب منذ ست سنوات.
كما يعلم علماء الآثار واليمنيون، فإن مأرب يتردد صداها عبر غرف التاريخ.
في العصور القديمة، ما قبل الإسلام، كانت مأرب قد طوّرت بالفعل ثقافة غنية، وجذبت انتباه الإمبراطوريات الأخرى كعاصمة سابقة للسابئيين.
كان السبئيون شعبا ساميا متميزا سبق العرب في المنطقة.
ازدهرت مملكتهم لأكثر من ألف عام: منذ حوالي 800 قبل الميلاد.
يشهد على ذلك عدد من المواقع الموجودة، مثل: 'معبد أوام' والأعمدة الستة المتبقية من هيكل 'معبد باران'، التي صمدت لأكثر من 2700 عام من التاريخ المجيد، والمضطرب في بعض الأحيان.
تم تكريس المعبدين معاً لإله قمر ما قبل الإسلام (المقة). كان 'المقة' إله القمر الذكر الذي استعار أيضا سمات من إلهية الشمس التقليدية، وهي شخصية "أم بدائية".
كان المصلون يصلون 'للمقة' لكي ينزل عليهم المطر، فينتظرون الإجابة.
وقد فتنت مأرب المتسللين منذ ذلك الحين، ولا سيما الرومان.
عندما وضع حاكم مصر الروماني إيليوس جالوس عينيه على الأرض التي نحددها الآن على أنها "اليمن"، كان اليمن في الطرف الجنوبي غير المستكشف من شبه الجزيرة العربية مطمعا للرومان الذين كانوا يتخيّلون فيه المجد والانتصار والتقدم الوظيفي الكبير.
شبه الجزيرة العربية يتألف من ثلاث مناطق جغرافية:
-شبه الجزيرة العربية الصحراوية (تقابل تقريباً الجزء الشمالي الشرقي من المملكة العربية السعودية)،
- المقاطعة الرومانية للجزيرة العربية البتراء (مع البتراء باعتبارها الدولة (عاصمة مملكة الأنباط)
- العربية السعيدة (دولة اليمن).
في عام 31 قبل الميلاد، هزم ابن شقيق يوليوس قيصر (أوكتافيان) أسطول مارك أنتوني والملكة كليوباترا في معركة "أكتيوم".
مع خروج هؤلاء المنافسين الأخيرين عن الطريق، عزز النصر مطالبات أوكتافيان بعباءة عمّه الأكبر ودعوته للانتقام، واقتربت الجمهورية الرومانية من أيامها الأخيرة.
بعد بضع سنوات، في 25 قبل الميلاد، أمر أوكتافيان، الذي أصبح الإمبراطور في 27 أغسطس قبل الميلاد، حاكم مصر (إيليوس جالوس) بجمع القوات، والتخطيط لرحلة عسكرية إلى جنوب الجزيرة العربية.
أراد الرومان السيطرة على طرق التوابل، حيث كان جنوب الجزيرة العربية معروفاً ب: 'اللبان' و'المُر' و'القرفة' وغيرها من السلع الثمينة، وهي ضرورية للاحتفالات والتضحيات الوثنية، التي لا تعدُّ ولا تحصى.
قد يكون هدف الحملة الاستكشافية أيضاً هو وضع روما بشكل مفيد في منافسة مبكّرة على الأراضي والموارد مع 'البارثيين' في جنوب الجزيرة العربية.
ووفقاً للمؤرخ والجغرافي اليوناني (سترابو)، فإنه "تصور هدف كسب العرب لنفسه أو إخضاعهم".
إذا لم ينجح بإقناعه بالعظمة الرومانية، فمن المؤكّد أن القوّة ستنجح، كما يخبرنا سترابو، صديق إيليوس جالوس.
كانت روما، بحلول ذلك الوقت، إمبراطورية في كل شيء، ما عدا الاسم.
تحت قيادة جالوس، عززت القوات الرومانية والمصرية تحالفاتها مع 'الأنباط' واليهود. وانطلقوا معاً إلى الأراضي الصحراوية المغبرّة في شبه الجزيرة العربية، بجيش قوامه 10000 جندي.
استغرق الأمر ستة أشهر للوصول إلى منطقة 'الجوف' في اليمن اليوم.
وصف المستكشف البريطاني ويلفريد ثيسيجر، الذي أمضى خمس سنوات في منطقة 'الرّبع الخالي' مع البدو المحليين بين عامي 1945 و1950 (في كتابه "الرمال العربية" عام 1959) المناظر الطبيعية القاحلة، التي كان الرومان يقتربون منها، بقوله: "لقد تركت الأجيال الماضية أحجاراً ملطخة بالنيران في مواقع التخييم، وبعض الآثار الباهتة مصقولة على السهول الحصوية. في مكان آخر، تمحو الرياح آثار أقدامهم".
انطلق الجيش الروماني ومساعدوه من الجوف إلى البيضاء (عسقة سابقاً). سيطروا على المدينة، وتقدموا إلى براقش ("أثرولا" أو "يثل" سابقًا)، وأمّنوا المنطقة، تاركين حامية ومؤنًا لظهرهم.
بعد ذلك، ساروا إلى واحة مأرب الكبيرة المكتظة بالسكان، وحاصروا المدينة، على أمل كسر دفاعاتها.
لابد وأنهم شعروا بأن مأرب هي الجائزة النهائية في حملة سهلة نسبياً.
ومع ذلك، يقول سترابو إن المياه نفدت من الرومان قبل أن يتمكّنوا حتى من دخول المدينة، وإلقاء نظرة على حدائق السبائيين المرويّة جيداً. لقد استنفدوا معظم إمداداتهم وطاقتهم.
وعلى الرغم من قربه من أسوار مدينة مأرب العالية، إلا أن اليوس جاليوس Aeliu) Gallus( أدرك أنه لا يمكن أن يذهب أبعد من ذلك.
ولتجنّب مأزق أسوأ، أعاد جيشه إلى الإسكندرية. يُقال إنه فقد رجاله بسبب الإرهاق، والجوع، وضربة الشمس، والمرض، أكثر من القتال المباشر.
حاولت المصادر الأدبية الرومانية إلقاء اللوم في الكارثة على حلفاء 'الأنباط' "الخائنين"، الذين ضللوا تقدّمهم.
وبعد فوات الأوان، من السهل أن نرى سبب سُوء حظ الحملة وسُوء تصوّرها منذ البداية: أن الرومان لم يعرفوا الكثير عن الأشخاص الذين أرادوا غزوهم. كانت الجغرافيا والاستكشاف الروماني، خارج عالم البحر الأبيض المتوسط، والأراضي الساحلية، وطرق التجارة الرئيسية، لا تزال في مهدها نسبيًا.
الرحلة الاستكشافية إلى مأرب هي قصة انتقلت إلينا من مصادر رومانية، باستثناء 'نقش سبئي' مجزأ، تم العثور عليه في معبد 'أوام'، وتمّ تحليله مؤخراً، الذي قد يُلقي الضوء على المشهد السياسي في ممالك اليمن القديمة، أكثر مما يتفاعلون مع جيشAelius' Gallus'.
ويوضح الكاتب بالقول: "نحن -للأسف- نفتقر إلى مشاهد أكثر لمعرفة المزيد".
يختلف الخبراء حول عواقب الحملة الرومانية إلى مأرب. يقول البعض إنها كانت غير ذات أهمية، ويذهب البعض الآخر إلى أنها عجلت بسقوط عدة دول في مدنية الجوف (اليمنية).
بالنسبة لروما، مكّنت البعثة من رسم خرائط أكثر دقة للمنطقة.
زادت حركة النقل البحري بين مصر الرومانية وشرق إفريقيا والهند، حيث تعرّف البحّارة، الذين يعملون على طريق التوابل، على الرياح الموسمية، وتجاوزوا بشكل متزايد جنوب شبه الجزيرة العربية، التي لم يعودوا بحاجة إليها، التي ربّما كان الدافع لها -على وجه التحديد- التخفيف جزئياً من تأثير هزيمتهم الساحقة.
في حين شدد الرومان قبضتهم على أجزاء أخرى من شبه الجزيرة العربية (تم ضم سوريا بالفعل كمقاطعة رومانية، وستتبع المملكة النبطية حذوها في مطلع القرن الثاني الميلادي)، لم تطأ أقدامهم الجزء الجنوبي، مرّة أخرى أبداً، باستثناء التجارة أو تبادل المبعوثين أحياناً.
*سدود مأرب الكبرى
ماذا كان سيشهد الرومان؟ على الرغم من تضاؤل أيام مأرب القديمة بحلول عام 500 قبل الميلاد.. "استمرت مأرب في كونها مركزاً مهماً، وكانت تقع في وسط أكبر واحة في المنطقة، التي يمكن ريُّها بمساعدة السدود الشهيرة"، كما يقول هولجر هيتجن من المعهد الألماني للآثار، الذي غادر اليمن عام 2013، بعد عقدين من الزمان.
كان سد 'مأرب العظيم' أعجوبة هندسية، وقد شُيّد بالفعل قبل 700 عام من وصول الرومان.
إنها متطوّرة وفخمة، تجمع مياه الأمطار لريّ منطقة زراعية كبيرة، تكمّل الأمطار الموسمية.
استمر السد في العصر المسيحي قبل أن ينهار في القرن السابع الميلادي.
توسعت مملكة 'حِمير' المجاورة، وتغلّبت في النهاية على مأرب ودولة السبئيين. ظهرت الأعمدة الستة لمعبد 'باران' على طوابع البريد الوطنية، وكان من المقرر أن تكون شعار علم منطقة سبأ الجديدة، بموجب الخطة الفيدرالية، التي نُوقشت في مؤتمر 'الحوار الوطني'، في أعقاب ثورة 2011.
من المُغري إثبات البِنية بين الأزمنة القديمة والحديثة، لكن غالبا ما يكون الإزاحة والاندماج غامضين في الروايات.
في الآونة الأخيرة، أكد عرض الفرعون الذهبي المصري، الذي يستحق إنتاج "هوليوود"، الذي أُقيم في القاهرة، على خطر أن يكون التاريخ القديم ناقلًا للقومية، لصرف الانتباه عن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة.
ومع ذلك، فإن هزيمة الصابئة والرومانية تذكّر بإمكانية تحقيق أوقات مزدهرة لليمنيين، الذين يواجهون العديد من المصاعب، وللماربيين المعنيين بسلامتهم الفورية.
تقول ندى الدوسري: "هذا مجتمع يفخر بأنه كان ذات يوم صاحب حضارة.



