تقارير
نازحون بلا وثائق هوية.. مجهولون داخل الوطن

قناة بلقيس - حسان محمد
على الرغم من مرور سنوات طويلة على نزوح بعض الأشخاص من المديريات والمحافظات التي تشهد مواجهات مسلحة بين قوات الحكومية الشرعية ومليشيا الانقلاب، إلا أنهم لم يستطيعوا الحصول على أوراق إثبات هوية بديلة، بعد أن فقدوا وثائقهم خلال رحلة نزوح قاسية، أو تركوها في منازلهم بالمحافظات التي غادروها.
وتسبب غياب أوراق إثبات الهوية في زيادة معاناة النازحين، وحرمانهم من حقوق ومساعدات خُصصت لهم، وجعلت ظروفهم المعيشية تزداد سوءاً، وعرضتهم لضغوط أمنية مستمرة، وتحديات لم تكن في الحسبان.
فقدان المواطنة
وبسبب ارتفاع إيجارات المنازل في مأرب، التي تكتظ بالسكان، والظروف المادية للأسرة، سكنت مريم مع عائلتها في بيت مكشوف السطح، ولم يكتمل بناؤه، وسعت للحصول على المساعدات الغذائية المقدمة من منظمات الإغاثة للنازحين، إلا أن عدم وجود الوثائق مثل عائقاً كبيراً أمام التسجيل في كشوفات المعونات، وجعلهم يقاسون ظروفاً لا ترحم.
ازادت معاناة الأسرة، وعاشت مجهولة الهوية داخل بلدها. ومثل الكثير من النازحين، الذين فقدوا وثائقهم، تعرض أفراد الأسرة للتوقيف والمساءلة مرراً في المعابر والنقاط الأمنية، وحرموا من حقوقهم المدنية وحق المواطنة.
وعجزت الأسرة عن استخراج أوراق هوية بديلة من محل إقامتها الجديد، فتعسرت أوضاعها يوماً بعد يوم، وضاقت بها الحال، وأحس أفرادها بمرارة المواطنة المنقوصة، وحاصرتهم المشاكل المترتبة عن غياب الوثائق.
تقول مريم: "عانيت كثيرا عندما أردت إلحاق أطفالي بالمدارس، وعندما آخذهم إلى مراكز الرعاية الصحية، وخلال البحث عن معونات غذائية، وواجهتنا أوقات صعبة عند التنقل وعبور النقاط الأمنية، حتى اسودت حياتنا وتحولت إلى جحيم".
وعلى الرغم من معاناة مريم إلا أنها كانت أفضل حالا من غيرها، حيث تمكنت من الحصول على المساعدة من "المساحة الآمنة" التابعة لصندوق الأمم المتحدة للسكان، وموظفيها الذين تفاعلوا مع قضيتها، وقدموا لها الدعم والمساندة في الحصول على وثائق جديدة.
يقول صالح محسن، منسق "مشروع حماية النوع الاجتماعي بالمساحة الآمنة للنساء والفتيات" في مأرب: "رافق الأخصائي القانوني بالمساحة الآمنة مريم إلى عاقل الحي، واستصدر منه وثيقة تعريف، ثم اتجهوا إلى المحكمة لتسجيل وإثبات الزواج، وفيما بعد استخرجوا الوثائق الشخصية من مكتب الأحوال المدنية".
ويضيف: "الوثائق جعلت الأسرة تحصل على حقها القانوني، وسهلت عليها كثيرا من أمور حياتها، وتحسنت أوضاعها بشكل أفضل".
حرمان من المساعدات وتوقيف
وتبرز ظاهرة عدم امتلاك الوثائق كواحدة من الإشكاليات، التي تضيف عبئا جديدا، وقيودا من نوع آخر، يصفها النازح بدر مسعود، الذي قضى شهورا طويلة وهو يحاول استخراج وثائق هوية جديدة "بالغربة داخل الوطن".
عاش بدر مسعود فترة صعبة بعد أن فقد مستندات الهوية، خلال نزوحه من الجوف إلى مأرب، لتستقر به الحال في مخيم للنازحين، ولم يستطع مسعود الحصول على حقوقه كنازح، مما جعله يعيش حالة من الفقر والحاجة، وصار التنقل هما ثقيلا يؤرق مضجعه ويقلق راحته.
يقول مسعود لـ"بلقيس": "شعرت بالغربة بعدما فقدت بطائقي، واحتجزت ساعات طويلة في النقاط الأمنية مرات عديدة، كنت مضطراً فيها للتنقل، وكان يخلى سبيلي بوساطات ومُعرّفين، وبعد أن تمكنت من استخراج وثائق بديلة شعرت كأني ولدت من جديد".
وفي بلد تشهد موجات نزوح متواصلة، ووصل فيها عدد النازحين نهاية 2019 إلى أربعة ملايين شخص، بما يعادل 12% من إجمالي تعداد السكان، بحسب توقعات منظمات الأمم المتحدة، تتداخل التعقيدات المعيشية على النازحين، ويعيشون ظروفا مأساوية في المخيمات وأماكن الإيواء، في ظل شحة المعونات والخدمات الأساسية وغياب الرعاية.



