تقارير
نفاد الوقود.. كابوس يهدد المستشفيات الحكومية في تعز بالإغلاق

قناة بلقيس - هشام سرحان
تعاني جميع المستشفيات الحكومية في مدينة تعز، والأرياف المحيطة، ومديريات الساحل، نقصاً حاداً ومزمناً في الوقود الذي يشكّل نفاده معضلة حقيقية وكابوساً مؤرِّقاً لتلك المرافق، إذ يهددها بالإغلاق ووقف خدماتها في غضون الأسابيع المقبلة، طبقاً لمصادر رسمية رفيعة، ذكرت في أحاديث متفرِّقة لموقع "بلقيس' أن الانقطاع المستمر لمادة الديزل عن المشافي العامة له تداعيات خطيرة على القطاع الصحي برمّته، ويهدد بكارثة صحيّة كبيرة في المدينة الواقعة جنوب غرب البلاد.
مشكلة ليست وليدة اللحظة، وإنما بدأت مع اندلاع الحرب في العام 2015، وتدمير منظومة الكهرباء العمومية، ما دفع المرافق الصحية الحكومية إلى توليد التيار الكهربائي من المولدات التابعة لها، باستخدام مادة الديزل، التي تعهّدت بتوفيرها العديد من المنظمات الدولية، واستمرت بذلك حتى مطلع العام الجاري، الذي خفّضت فيه كميات الوقود المُخصصة لبعض المشافي إلى النّصف، وأوقفت الدّعم عن أخرى، كما لم تعد تقدّم مساعداتها بانتظام كما كانت في السابق، تقول مصادر متطابقة لموقع "بلقيس".
فاقم ذلك معانات جميع المستشفيات الحكومية بشكل كبير، وجعلها مهددة بالتوقف عن العمل كلياً، وذلك خلال الأيام القادمة، وهو ما يُشير إليه مصدر مسؤول رفيع في مكتب الصحة العامة والسكان في المحافظة.
ظهرت بوادر التوقّف المرتقب في أوقات متفرّقة من العام الجاري، الذي شهد بين الحين والأخر توقفاً كلياً أو جزئياً لأنشطة وخدمات بعض المشافي العامة، ما تسبب بحرمان المئات من المرضى وجرحى الحرب من الرعاية الصحية، وهدد حياة المئات أيضاً.
* مؤشرات
توقّفت هيئة مستشفى الثورة العام، في مارس وأغسطس الماضيين، عن العمل، بسبب نفاد الوقود الذي يأتي على إثر تقليص كميات الديزل التي تتلقاها من منظمة الصحة العالمية، وذلك من 10 آلاف لتر إلى 5 آلاف لتر، وهو ما هدد جثامين الموتى في الثلاجة بالتعفّن والتحلل، وأخرج جميع الأقسام والمرافق عن الخدمة، بما فيها محطة الأكسجين، ومركز الغسيل الكلوي، الذي يقدّم خدماته ل300 مريض يومياً، فضلاً عن قسم الحاضنات، ما استدعى نقل الأطفال المتواجدين فيه إلى مستشفيات أخرى.
أطلقت العديد من المرافق الصحيّة الحكومية -خلال العام الجاري- نداءات استغاثة طالبت فيها بالتدخل لإنقاذها مع المرضى الرقود فيها والمترددين عليها، وذلك بتوفير مادة الديزل والحيلولة دون إغلاق مركز الأمل لعلاج الأورام السرطانية والمستشفى الجمهوري ومستشفى المظفر وسط المدينة، ومستشفى خليفة الريفي في التربة.
لا تتوقف تداعيات نفاد الوقود عند توقف الخدمات الصحية المقدّمة لآلاف المرضى بل تمتد نحو تعريض المئات للموت، خصوصاً الأطفال في الحاضنات والمصابين بسوء التغذية، وكذلك المرضى في أقسام الرقود والطوارئ والعمليات والعناية المركزة ومراكز العزل العلاجي لفيروس 'كورونا'، والنساء في قسم الطوارئ التوليدية وغيرها.
تشارف جميع المستشفيات الحكومية على إغلاق أبوابها، ويصعب تفادي ذلك لانقطاع الدعم بالوقود، وتقليص المنظمات الدولية كميات الديزل التي تقدّمها لبعض المرافق، والتأخر وعدم الانتظام في توزيعه، واستمرار انقطاع الكهرباء العمومية، وعجز السلطات المحلية عن تغطية العجز الحاصل في الوقود، وعدم قدرة إدارات المرافق الصحية العامة على شرائه، لتواضع ميزانياتها التشغيلية، وعدم توفّر اعتمادات مالية لشراء الديزل.
تشتد ضراوة أزمة الوقود في المرافق الصحية العامة مع غياب التدخل الحكومي، وتواضع تدخلات السلطة المحلية في المحافظة، التي زوّدت بعض المرافق الهامة والكبيرة بكميات متواضعة من الديزل، لا تغطّي سوى جزء يسير من الاحتياج الفعلي.
مدير مكتب الصحة العامة والسكان في المحافظة، الدكتور راجح المليكي، أشار -في حديثه لموقع "بلقيس"- إلى أن نقص ونفاد الوقود مشكلة تؤرّق جميع المشافي الحكومية، وتسبب العديد من المشاكل للقطاع الصحي في محافظة تعز، التي تفتقر للكهرباء العمومية، وتعد الوحيدة بين المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية.
* أسباب
منذ اندلاع الحرب في تعز، تدخلت العديد من المنظمات الدولية كالصليب الأحمر، ومنظمة الصحة العالمية، واليونيسف، ومركز الملك سلمان، ووفّرت الوقود للمستشفيات الحكومية، حسب احتياجاتها وطاقتها الاستيعابية، وهو ما لم تستمر في تقديمه، إذ قلّصت -مطلع هذا العام- كميات الوقود التي تقدّمها لتلك المستشفيات، حد تعبير المليكي.
بعد محاولات، وعدت تلك المنظمات بتعويض النسبة المخفضة من الديزل، وذلك خلال الأشهر المتبقية من العام 2021، لكنها لم تفِ بوعودها حتى الآن، رغم طرح الموضوع على ممثل مكتب الشؤون الإنسانية الأممي عند زيارته مؤخراً إلى تعز.
لفت المليكي إلى أن توقّف المرافق الصحية عن العمل جراء نفاد الوقود سيتسبب بانتكاسة خطيرة للقطاع الصحي، ويخلّف كارثة صحية كبيرة، كما كشف عمّا ورد مؤخراً في جدول توزيع الوقود التابع للصحة العالمية، التي استبعدت مركز الأمل لعلاج الأورام، ومستشفيي خليفة والمخا، ما ينذر بتوقفها.
المستشفى الجمهوري ليس بمنأى عن التداعيات الخطرة لشحة الوقود، إذ يتهدده الإغلاق، كما يتربص بغيره من المستشفيات الحكومية، التي يجزم مدير عام المستشفى الجمهوري، الدكتور نشوان الحسامي بأن جميعها مهددة بالإغلاق والتوقف عن العمل.
يتوجسّ من الفراغ الذي سيحدثه توقّف المستشفى الجمهوري المتوقع، الذي لا يتلقّى كميات من الديزل لا تغطي سوى 60% من احتياجه الفعلي، في حين يستقبل المرضى والحالات الفقيرة من الأرياف، ويقدّم الخدمات الصحية مجاناً، ويعد مرجعاً وحيداً في تعز، وذلك في مجالات: جراحة القلب، والأوعية الدموية، ووحدة الحاضنات، ومركزي الطوارئ التوليدية، ورعاية الأمومة والطفولة.
"يؤثّر نقص الوقود سلباً على خدمات المستشفيات الحكومية، ويهدد حياة المرضى في أقسام الفشل الكُلوي، والعناية المركّزة، والعمليات، ويعرّض عشرات المرضى للوفاة، خصوصاً الأطفال الخُدّج والمصابين بسوء التغذية، وكذلك النساء في قسم الولادة، كما يشكّل خطراً كبيراً على المصابين بكوفيد- 19، جراء توقّف محطات إنتاج الأكسجين، وندرة هذه المادة، يقول المسؤول الإعلامي في هيئة مستشفى الثورة عبد الكريم حيدر لموقع "بلقيس".



