تقارير
"نقل الدّم".. قاتل صامت يمكن أن تكون أنت ضحيته القادمة

قناة بلقيس - خاص
لم يكن يتوقّع محمد عبده (50 عاماً) أن يكون دخوله المستشفى لإجراء عملية بسيطة، سببا في تغيير حياته بشكل جذري، بدأ مسلسل معاناته بسبب مرض خطير أصابه، واكتشفه بعد ذلك بأسابيع.
يقول عبده لـ"بلقيس": "دخلت أحد المستشفيات بعد تعرضي لحادث، وكنت بحاجة لعملية جراحية بسبب كسور تعرّضت لها، وتم نقل دم لي من هناك، وظننت أن الأمور كلها ستمضي على خير، لكن ذلك لم يحدث".
فبعد خروج عبده من المستشفى بشهرين، بدأ يعاني من ارتفاع درجة حرارة جسمه، وإرهاق متواصل، فخضع لكثير من الفحوصات، ليتبين أنه مصاب بفيروس نقص المناعة المكتسبة "الإيدز".
لا يبدو أن عبده هو الضحية الوحيد لبعض المستشفيات في اليمن، فكثير منها كانت السبب بنقل أمراض معدية لعديد من مرتاديها، بسبب عدم دقة بعض أجهزة الفحص التي لديها.
- استهتار وإهمال
يخضع المريض، الذي سيتم إجراء عملية جراحية له، لفحوصات عديدة، منها الخاصة بالفيروسات، كونها معدية، والأمر كذلك بالنسبة للمتبرعين بالدم للذين يحتاجونه، كمرضى الثلاسيميا أو الفشل الكلوي والسرطان أو عقب الحوادث، ومن هناك تظهر المشكلات المتعلّقة بنقل العدوى.
تعليقا على ذلك، تقول الدكتورة أحلام عبدالملك، وهي أحد العاملين في المركز الوطني لنقل الدم وأبحاثه في تعز: "إن فحص الفيروسات الأليزا والبي سي آر تكون نتائجها دقيقة بنسبة تفوق 90%، بعكس الفحوصات السريعة التي تستخدم "كيدز" عادي".
وإلى جانب عدم دقة بعض أجهزة الفحص، تشير أحلام، في حديثها لـ"بلقيس"، إلى تعامل المتبرّعين بالدم، سواء لأصدقائهم أو معارفهم أو أهلهم باستهتار، وتقليلهم من أهمية الفحوصات قبل قيامهم بالتبرع بالدّم، فضلا عن عدم تصديق البعض منهم لنتائج فحوصاتهم، كونهم لا يعانون من أي أعراض، وذلك لأن الفيروس لديهم يكون خاملا، وقد ينشط في حال ضعفت المناعة لديهم.
وبحسب الدكتورة سرور فكري، التي تعمل في المركز، فإن بعض من يتبرعون بالدّم -من وقت لآخر- بشكل طوعي غالبا لا يهتمون بنتائج فحوصاتهم، وقليل منهم فقط هم من يعودون لمتابعتها، مؤكدة خطورة ذلك، كون البعض منهم يكونون حاملين فيروسات خطيرة كالإيدز وغيره، دون أن يعلموا، فينقلوا العدوى لأشخاص آخرين.
وتقترح سرور، في حديث خصّته "بلقيس"، أن تكون رسوم فحص الفيروسات في أي مستشفى بأسعار رمزية ومدعومة من مكتب الصحة أو الوزارة، لتقليل فرص انتقال العدوى بين اليمنيين، موضحة أن المريض الذي يتضح أنه مصابا بأي فيروس خامل يتم إتلاف قربة الدم التي تبرّع بها، لأنها ستكون مصدر عدوى.
- كرهت المستشفيات
خضع عبده لفحوصات قبل إجراء العملية في مختبر مستشفى آخر، وتم التأكيد له بأنه سليم ولا يعاني من أي أمراض معدية، ثم اتضح بعد خضوعه للعملية أنه أصبح مريض بالإيدز، فقد تم نقل دم له أثناء العملية الجراحية.
بعد تعرّضه لذلك، عاش عبده في حالة صدمة، تجاوزها بعد أشهر طويلة، لأنه لم يكن أمامه سوى التكيّف مع وضعه الجديد هو وأسرته، التي أصبحت معرّضة لخطر الإصابة بالفيروس، إن لم يكن حذراً أثناء التعامل مع الأمور، التي قد تتسبب بنقل الفيروس لهم.
ويؤكد عبده أنه، من ذلك الحين، يكره دخول أي مستشفيات ولا يذهب إليها إلا لضرورة قصوى، ويرفض حتى أن يخبر أهله المقرّبين منه بمرضه، خوفا من وصم المجتمع له.
- معايير واضحة وتأهيل
وبسبب استمرار ظهور حالات مصابة بفيروسات معدية، خاصة في الحالات التي تم نقل دم إليها، يطالب الدكتور هاني عبدالسلام ملهي -مسؤول المخازن فيزالمركز الوطني لنقل الدم وأبحاثه في تعز- وزارة الصحة باتخاذ سياسة واضحه لعمليات نقل الدّم وإصدارها في كُتيب، أو تفعيل الدور الإشرافي لمركز نقل الدّم على بنوك الدّم في المحافظات.
وفي حديثه لـ"بلقيس"، يرى أن الإهمال في بعض بنوك الدّم بالمستشفيات لا يكون متعمداً، وإنما قد يعود إلى الاستعجال أو لقلة التدريب، ولعدم تقدير خطورة نقل الدّم الذي لا يكون هناك تأكّد من مأمونيّته بالدرجة الأولى، مؤكداً على أهمية فحص الدّم بطرق وأجهزة حديثة، ومعايير واضحة، وكادر لديه خبرة.
وينتقد ملهي ثقافة "الدّم الطازج"، التي طغت على أساسيات العمل في بنوك الدّم، دون الأخذ بعين الاعتبار ضيق الوقت لعمل الفحوصات الدقيقة على وحدات الدّم المسحوبة، للتأكد من خلوها من الأمراض.
ويرجع ملهي سبب ذلك -من وجهة نظره- إلى قلة الوعي لدى الناس، التي يغذيها سوء فهم الأطباء طريقة عمل مركز نقل الدّم، الذي يُعتبر المرجعية الوحيدة في المحافظة لمثل هذه الإشكاليات.
ويشير إلى أهمية عمل دورات -من وقت لآخر- للأطباء، لتغيير المفاهيم الخاطئة بخصوص نقل الدّم، حتى يصبح عمل المختصين في بنوك الدّم سلسلا.
- خطر يهدد الأطباء
لا يقتصر خطر نقل الدّم الملوث على المريض فقط، بل يمكن أن يصبح الطبيب والممرض أيضاً عُرضه للإصابة بأحد الأمراض، التي يمكن أن تنتقل عبره.
يوضح الدكتور محمد الشرعبي -أخصائي باطنية- أن زملاءه الجراحين يحرصون كثيرا على طلب فحوصات قبل العمليات الجراحية، حماية لهم بدرجة رئيسية.
وأضاف لـ"بلقيس": "في حال لم يهتم الأطباء بذلك، فهذا يعني أن مختلف الأمراض المعدية والخطيرة ستنتشر بينهم، والأمر سيكون كارثيا، خاصة أنهم قد يتعرّضون للوخز أو غيره أثناء العمليات".
ولفت إلى معاناتهم بسبب الفحوصات غير الدّقيقة، فيكتشفون لاحقا أن المريض مصاب بأمراض معدية، مؤكدا على أهمية أن يكون الطبيب على علم بأي فيروس مصاب به مريضه، حتى يحاول قدر الإمكان حماية نفسه.
وتعاني اليمن من تدهور كبير بالوضع الصحي، خاصة منذ اندلاع الحرب، جراء القصف الذي تعرّضت له -وما تزال- مستشفيات ومرافق صحيّة عديدة.



