تقارير
نيويورك تايمز: إيران والسعودية خاضتا حربا مدمِّرة بالوكالة في اليمن

وأخيرا.. هناك اتفاق سلام من نوع ما في الشرق الأوسط؛ لكنه ليس بين إسرائيل والعرب، بل بين السعودية وإيران، اللتين كانتا تتصارعان معا منذ عقود.. والوسيط ليس الولايات المتحدة بل الصين.
يعد هذا "الاتفاق" من بين أكثر التطورات التي يمكن أن يتخيلها أي شخص، وأكثرها تقلبا، وهو التحول الذي ترك الرؤوس تدور في العواصم حول العالم.
لقد انقلبت التحالفات والمنافسات السياسية التي حكمت الدبلوماسية لأجيال، في الوقت الحالي على الأقل.
الأمريكيون، الذين كانوا الفاعلين المركزيين في الشرق الأوسط على مدى ثلاثة أرباع القرن الماضي، وهم دائما الموجودين في الغرف، يجدون أنفسهم الآن على الهامش خلال لحظة تغيير مهم.
أما الصينيون، الذين لعبوا لسنوات دورا ثانويا فقط في المنطقة، حوَّلوا أنفسهم فجأة إلى لاعب قوي جديد.
والإسرائيليون، الذين كانوا يغازلون السعوديين ضد خصومهم المشتركين في طهران، يتساءلون الآن أين موقعهم من كل ما يحدث.
تقول إيمي هوثورن -نائبة مدير الأبحاث في مشروع الشرق الأوسط للديمقراطية (مجموعة غير ربحية في واشنطن)-: "لا توجد طريقة للالتفاف حول الحقيقة؛ إنها صفقة كبيرة"، مضيفة "نعم، لا يمكن للولايات المتحدة أن تتوسط في مثل هذه الصفقة الآن مع إيران على وجه التحديد، حيث لا توجد لدينا علاقات، ولكن بالمعنى الأكبر فإن الإنجاز المرموق للصين يقفز بها إلى مرحلة جديدة دبلوماسيا، ويتفوق على أي شيء تمكنت الولايات المتحدة من تحقيقه في المنطقة منذ أن تولّى بايدن منصبه".
رحّب البيت الأبيض علنا بإعادة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، ولم يعرب عن قلق صريح بشأن دور بكين في إعادة العلاقات بينهما، لكن في السر أشار مساعدو بايدن إلى أنه ليس مؤشرا على اختراق كبير، مستهزئين من الاقتراحات بأن الصفقة تشير إلى أي تآكل في النفوذ الأمريكي في المنطقة.
وقال محللون مستقلون إنه لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى سيذهب التقارب بين السعودية وإيران بالفعل.
بعد عقود من المنافسة -العنيفة أحيانا- على القيادة في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي الأوسع، لا يمثل قرار إعادة فتح السفارات، التي أُغلقت في عام 2016، سوى خطوة أولى.
وهذا لا يعني أن سُنة الرياض وشِيعة طهران قد وضعوا جانباً كل خلافاتهم العميقة والباطنية.
في الواقع، من المتصوَّر أن هذه الاتفاقية الجديدة لتبادل السفراء قد لا يتم تنفيذها حتى في النهاية، بالنظر إلى أنها وُضعت في جدول زمني حذِر مدته شهران لوضع التفاصيل.
مفتاح الاتفاق -بحسب ما قاله السعوديون للأمريكيين- كان التزام إيران بوقف المزيد من الهجمات على السعودية، وتقليص الدعم للجماعات المتشددة التي استهدفت المملكة.
فقد خاضت إيران والسعودية فعليا حربا مدمِّرة بالوكالة في اليمن، حيث حارب المتمردون الحوثيون المتحالفون مع طهران القوات السعودية لمدة ثماني سنوات، وأدت الهدنة، التي تم التفاوض عليها بدعم من الأمم المتحدة وإدارة بايدن العام الماضي، إلى وقف الأعمال العدائية إلى حد كبير.
وقدرت الأمم المتحدة -أوائل العام الماضي- أن أكثر من 377 ألف شخص لقوا حتفهم خلال الحرب؛ بسبب العنف أو الجوع أو المرض، وفي الوقت نفسه، أطلق الحوثيون مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة على السعودية.
وسعت المملكة إلى وقف الأعمال العدائية مع إيران لسنوات، أولاً من خلال المحادثات التي عُقدت في بغداد، والتي لم تسفر في نهاية المطاف عن أي مكان، وقال مسؤولو إدارة بايدن إن السعوديين أطلعوهم على المناقشات في بكين، لكن الأمريكيين عبّروا عن شكوكهم في أن تفي إيران بالتزاماتها الجديدة.
ساعد ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان - الزعيم الفعلي للمملكة العربية السعودية، الذي كان له علاقات قوية مع الرئيس دونالد ترامب- في تأمين ملياري دولار من التمويل لشركة الاستثمار التي أنشأها جاريد كوشنر -صهر الرئيس السابق- كان يلعب لعبة دبلوماسية معقَّدة منذ أن تولّى السيّد بايدن منصبه.
تعهد بايدن -ذات مرة- بجعل المملكة دولة "منبوذة"؛ لتنظيمها عملية اغتيال جمال خاشقجي -كاتب عمود سعودي في صحيفة "واشنطن بوست" كان يعيش في الولايات المتحدة- لكنه وافق على مضض على زيارة المملكة، العام الماضي، حيث كان يسعى لخفض أسعار الغاز التي ارتفعت جزئياً، بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا.
وفي محاولة لتهدئة العلاقات مع السعوديين، تعرّض بايدن لانتقادات لاذعة بسبب ارتطامه بقبضة يده مع ولي العهد، الذي تم تحديده من قِبل وكالة المخابرات المركزية ليكون مسؤولاً عن مقتل السيد خاشقجي، وتقطيع أوصاله.
شعر بايدن وفريقه بالغضب عندما انتهك السعوديون في وقت لاحق -من وجهة نظرهم- الاتفاق غير المعلن، الذي تم التوصل إليه خلال تلك الزيارة، وأوقفوا زيادة إنتاج النفط في الخريف الماضي؛ لإبقاء سعر الغاز مرتفعا.



