تقارير
هدنة بلا هوية.. لماذا يفضِّل اليمنيون الحرب على السلام؟

مطلع أبريل الماضي، ارتفع سقف توقّعات اليمنيين مع بدء الهدنة الأممية الأولى لمدة شهرين، وفتحوا نوافذ للأمل بعودة الحياة إلى طبيعتها تدريجيا، والتخفيف من تبعات الحرب، التي أنهكتهم، خاصة بعد إعلان المبعوث الأممي، هانس غروندبرغ، أن الهدنة تشمل فتح مطار صنعاء والطرق والممرات في تعز والمحافظات المحاصرة، والتهيئة لتطبيع الأوضاع، وصرف مرتبات الموظفين المنقطعة منذ سنوات.
ومع مرور ما يقارب 8 أشهر على الهدنة الأولى، تلاشت أحلام اليمنيين وأمنياتهم في انفراج الأوضاع، وفقدوا ثقتهم بتصريحات المبعوث الأممي حول مساعي السلام، وبوادر جهوده الإيجابية، التي لم يرَ منها المواطن اليمني البسيط شيئا على الواقع.
- التخلّي عن الأمل
المتحمّسون لنتائج الهدنة، مثل عبدالباسط نعمان - موظف حكومي - بعد التفاؤل بحلحة الأوضاع المعيشية والإنسانية، واعتبار الهدنة بداية لصناعة السلام والحد من الصراعات والموت، أصيبوا بخيبة أمل، وتحطّمت أحلامهم على صخرة الواقع المُر.
ظل نعمان، طوال الأشهر الأولى للهدنة، يبني الآمال، ويسوق المبررات لانتكاسات المشاورات المتوالية، ويسوّف تحقيق السلام، إلا أنه في الوقت الحالي تخلّى عن تفاؤله وقناعاته بجهود السلام ونتائج الهدنة، كما يقول لـ"بلقيس".
وبحسب نعمان، فإن التفاؤل بالهدنة، وإنهاء الحرب، أمر مستحيل، في ظل وجود مليشيات الحوثي التي تعيش على الحرب، وتتاجر بمعاناة الناس وجوعهم، وشرعية عاجزة عن اتخاذ قرار الحرب والسلم، وسلّمت زمام الأمور لدول التحالف، وغرقت أدواتها في الفساد.
اعتقد نعمان أن الهدنة لن تؤدي إلى رفع الحصار عن المدن، وتحسين المستوى المعيشي للناس، وتسليم مرتبات الموظفين فقط، وإنما رأى فيها فرصة لتوحيد صفوف الجبهة الداخلية، والقوات المنضوية تحت غطاء الشرعية، والاستعداد لمواجهة الانقلاب ودحره، خاصة بعد تشكيل مجلس القيادة الرئاسي واللجنة العسكرية والأمنية، إلا أن التمزُق والخلافات وتضارب المصالح خدمت مليشيات الحوثي، واستبعدت خيار المواجهة.
- الهدنة خدمت الحوثيين
يسخر محمد هزاع - عامل بناء - من الهدنة وانعكاسها على واقع الناس وحياتهم، يقول في حديثه لـ"بلقيس": "لم تقدم شيئا للمواطن العادي، بل زادت معاناته، ورفعت جماعة الحوثي أسعار المواد الغذائية، بعد أن أحست بالأمان، على الرغم من ثبات سعر الدولار دون 600 ريال".
ويضيف هزاع: "إن كان هناك مستفيد من الهدنة الأممية فهي مليشيات الحوثي، التي ضاعفت إيراداتها من تجارة المشتقات النفطية، بعد رفع الحصار عن ميناء الحديدة، ودخول السفن، بالإضافة إلى فتح المجال الجوي للرحلات التجارية".
- المطالبة بالحرب
بعد التفاؤل الكبير بالهدنة من قِبل أغلبية الناس في اليمن، تبدلت القناعات، وصار من كانوا يتمنون السلام، يطالبون بعودة الحرب، وذلك للخروج من حالة الجمود، وبعد أن رأوا في الهدنة تثبيتا للأمر الواقع والأوضاع المأساوية، والمعاناة التي جثمت على صدورهم، واستنفدت خياراتهم في الصمود.
وتعد حالة اللا حرب واللا سلم بمثابة نفق مظلم، يصعب الخروج منه وتجاوزه، ومن الممكن أن يكون الحرب حلاً في نظر كثير من عامة الناس، على الرغم من الدّمار والقتل الذي سيخلفه، لكن في النهاية سنصل إلى طريق واضح ومفتوح، كما يعتقد التربوي يوسف نصر.
ويرى نصر أن "من يتخذون من الهدنة والحرب مكسباً ويجبون الإيرادات العامة، التي استولى عليها الطرفان، وحرموا المواطن منها، لا يمكن أن يحس بضيق العيش الذي يعانيه الناس المطحونون والمغلوبون على أمرهم، أو يسعى نحو السلام".
ويتساءل نصر في حديثه لـ"بلقيس": "ما فائدة الهدنة إذا لم يلمس المواطن أي تغيير أو تحسن في معيشته؟ ويُرفع عن كاهله عبء الحياة اليومية، وتتزحزح الأوضاع نحو إنهاء الحرب، وعودة الأمن والاستقرار للبلاد".
- هدنة المصالح
انتهت الهدنة الأممية الثالثة، مطلع شهر سبتمبر الماضي، ورفضت مليشيا الحوثي والحكومة الشرعية تجديدها بسبب تعنّت الحوثيين، ورفع سقف مطالبهم، وإدراج شروط جديدة، اعتبرها المبعوث الأممي -في إفاداته أمام مجلس الأمن الدولي- غير مقبولة، إلا أن الهدنة ما تزال سارية على أرض الواقع، وما تزال حركة الطيران وتدفق سفن مشتقات النفطية عبر ميناء الحديدة مستمرا علاوة على الهدوء النسبي في جبهات القتال.
ويرجع عبدالباسط نعمان استمرار الهدنة، بعد حوالي ثلاثة أشهر من انتهائها، إلى استفادة الطرفين من بقاء الوضع على ما هو عليه، وضمان المصالح الخاصة، بعيداً عن حسابات المواطنين ومطالبهم.



