تقارير
هكذا أصبحت فنادق عدن ملاجئ المرضى للهروب من حر الصيف

هرباً من جحيم الحرارة المرتفعة، والانقطاعات الطويلة والمتكررة للكهرباء في العاصمة المؤقتة (عدن)، عاد نعمان نقل والدته المريضة، التي أُجري لها تدخل جراحي مؤخراً، من المنزل إلى فندق وأجنحة السلام بمديرية "خور مكسر"، متحملا تكاليف الفندق.
تفاجأ نعمان بأنه ليس وحده من لجأ إلى الفندق، وأن جيرانه في الحيّ جاءوا بمريضهم أيضاً، ويسكنون الغرفة المجاورة، وكثير من الحالات التي حوّلت الفندق إلى مركز طبّي، حسب وصفه بمنشور على صفحته في "فيس بوك".
يقول نعمان لـ"بلقيس": "القصص الإنسانية المشابهة كثيرة ومتعددة، ومنتشرة على امتداد مساحة مدينة عدن، التي تغرق في الوجع والأنين، لكن البعض يسكته الخوف عن البوح بمعاناته".
ظاهرة تتوسّع
الدكتور صلاح العوذلي، أحد الكوادر الطبية الذين يتم استدعاؤهم من قِبل مرافقي المرضى، ويتنقل بين العديد من الفنادق للاهتمام، وتقديم الرّعاية الطبيّة للمرضى الذين تركوا منازلهم، هرباً من جحيم الحرارة التي عجزوا عن احتمالها.
ويتابع العوذلي -وهو طبيب مساعد- حالياً ما بين ست إلى ثماني حالات مرضية لأطفال وكبار سن، في فندقي "دار السلام" و"رويال عدن"، بالإضافة إلى حالات كثيرة من مرضى الجهاز التنفسي التي تحتاج إلى الأكسجين.
يقول العوذلي لـ"بلقيس": "الأطفال وكبار السنّ الفِئة الأكثر تضرراً من انقطاع الكهرباء، ويضطر أهاليهم إلى بيع مدخراتهم من الذهب ومقتنيات أخرى، وتسكينهم في الفنادق، للحفاظ على حياتهم".
ويضيف العوذلي: "الحالات التي كانت ترتاد الفنادق قليلة في السابق، لكن تفاقم مشاكل الكهرباء، في الوقت الحالي، جعلت الأعداد تتضاعف بشكل كبير، وأصبح سكن المرضى في الفنادق ظاهرة واسعة، تجعل المواطنين، الذين يعانون من ظروف معيشية صعبة، يتحملون أعباء إضافية فوق طاقتهم".
صيف قاتل
تجتاح مدينة عدن الساحلية موجة حر شديد خلال فصل الصيف، قد تزيد درجة الحرارة عن 37 درجة، مما يجعل الحاجة ماسة إلى وسائل التبريد ك: المكيّفات والمراوح، بيد أن الانطفاءات المتكررة للكهرباء جعلت الناس في المحافظة يعيشون واقعا مأساوياً، لاسيما المرضى وكبار السن.
الناشطة الحقوقية هدى الصراري تتفق مع ما طرحه نعمان، وتقول "أصبحت الفنادق في مدينة عدن وجهة وملاجئ لكبار السن والمرضى، هرباً من انعدام الكهرباء، وقيض الصيف الشديد، ولم تعد الناس تتحمّل ضغط الحر".
وتضيف، في تغريدة لها على "تويتر": "حكومات متعاقبة ومسؤولو مكونات سياسية كل همها من يثبت فشل الآخر، والولاء والعمالة للخارج".
ضعف التوليد وانعدام الوقود
تعيش مدينة عدن، أُولى المُدن اليمنية التي عرفت الكهرباء في عام 1926 عبر إنشاء الاحتلال البريطاني "محطة جحيف"، وضعا مترديا في قطاع الكهرباء، جعل المواطنين يكابدون صيفاً ساخناً، ويظهرون السخط على الحكومة والمجلس الانتقالي المدعوم إماراتياً.
بعد "محطة جحيف"، أٌنشئت عدد من المحطات خلال مراحل الاحتلال والاستقلال، وما بعد الوحدة اليمنية في العام 1990، إلا أن الطاقة التوليدية للمحطات مجتمعة تبقى محدودة، ولا تلبّي احتياجات المحافظة المتزايدة.
الحكومة والسلطة المحلية قطعت وعودا متكررة بتشغيل محطة كهرباء عدن الجديدة، التي بدأت شركة "بترومسيلة" بتمويل حكومي، تنفيذ المرحلة الأولى منها نهاية العام 2018، وبقدرة توليدية "264" ميجاوات، إلا أن المشروع ما يزال متعثراً حتى اليوم.
وليست الطاقة المحدودة للمحطات التوليدية هي المشكلة الوحيدة، فنفاد كمية وقود التشغيل يهدد بتوقف عمليات التوليد بين فترة وأخرى، وغالباً ما تلجأ الحكومة الشرعية إلى طلب الدعم من المملكة العربية السعودية لسد احتياجات قطاع الكهرباء.
وفي بداية شهر مايو الجاري، قدّمت السعودية منحة جديدة من المشتقات النفطية، وصلت دفعة أولى تقدّر ب 24 ألف طن عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، إلا أن مشكلة الانقطاعات الكهربائية تحتاج إلى حلول جذرية وليست مؤقتة، كما يرى المواطنون في عدن.
الملاذ الوحيد
المستشفيات والمراكز الطبية أكثر المرافق الخدمية التي تعاني من مشاكل الكهرباء، وتلجأ إلى استخدام معالجات بديلة، أو تضطر إلى توقيف بعض الخدمات، علاوة على أن بعض المرافق الطبية أغلقت أبوابها نهائياً في وجه المرضى، خاصة مع تفشّي فيروس 'كورونا'.
تقول آمنة -ممرضة في المستشفى الجمهوري- لـ"بلقيس": "إن المستشفى محظوظ، لأنه يرتبط بخطين كهربائيين، وكلما انقطع خط يتم ربط الآخر، وأحيانا يتم تشغيل مولد خاص بالمشفى".
يخرج المرضى من المستشفيات، فيجدون البيوت بمثابة أفران يستحيل العيش فيها، وتكون الفنادق القادرة على توفير الكهرباء دون انقطاعات الملاذ الوحيد للبقاء على قيد الحياة، على الرغم من أن إيجار الغرفة يتراوح ما بين 20 ألف إلى 30 ألف لليلة الواحدة.
تستقبل الفنادق عادة القادمين للسياحة، أو الزيارات من خارج المحافظة، لكنها حاليا تستقبل المرضى بشكل أساسي، بعد أن صارت الكهرباء تعود ساعتين، وتنقطع 4 ساعات ونصف، بحسب الإعلامية سحر الشعبي لـ"بلقيس".



