تقارير
هل بالإمكان تحقيق تسوية سياسية في اليمن؟

قنا بلقيس - خاص - عبد السلام قائد
عادت جهود إحلال السلام في اليمن مؤخرا بشكل متزامن من قِبَل كل من الأمم المتحدة ومجلس التعاون الخليجي، فبعد أيام من المشاورات التي جرت في العاصمة الأردنية عمان حول الأزمة اليمنية، برعاية الأمم المتحدة، أعلن مجلس التعاون الخليجي استضافة مفاوضات يمنية - يمنية في العاصمة السعودية الرياض، ستبدأ نهاية مارس الجاري وتستمر حتى السابع من أبريل المقبل، وقال أمين عام المجلس، نايف الحجرف، إن المشاورات ستناقش ستة محاور بينها محاور عسكرية وأمنية، وتهدف إلى إطلاق عملية سياسية شاملة تحقق السلام المنشود، موضحا أن أي مشاورات لا يشارك فيها الجميع -بمن فيهم الحوثيون- لن تحقق السلام.
لكن ما مدى نجاح الجهود الحالية في إنهاء الحرب وإحلال السلام؟ وهل هناك مؤشرات استجابة للحل السياسي من قِبَل مختلف الأطراف يمكن البناء عليها لتحقيق السلام؟ وهل وصلت الأزمة اليمنية إلى "اللحظة المواتية"، أي مرحلة الألم والمعاناة المتبادلة التي تجعل كل الأطراف مستعدة للدخول في عملية تسوية سياسية سلمية؟ وهل معادلة القوة تدفع أطراف الصراع إلى تقديم تنازلات تفضي إلى التسوية الجذرية للأزمة؟ وهل الفاعلون الأجانب لديهم جدية في تحقيق السلام في اليمن أم أن تلك الجهود ليست سوى استهلاك للوقت حتى تكتمل الترتيبات والسيناريوهات التي يُراد إيصال البلاد إليها؟
- صراع متجذر وأخطاء منهجية
بالعودة إلى أدبيات الأكاديميات المتخصصة في تحليل وتفسير الصراعات والبحث عن حلول لها، يمكن وصف الصراع في اليمن بأنه شكل من أشكال الصراعات العنيفة يُعرف بـ"الصراع المتجذر أو الممتد"، ويقول الأب الروحي لنظرية هذا النوع من الصراعات، العالم الأمريكي اللبناني الأصل إدوارد عازار (مؤسس مركز التنمية الدولي وإدارة الصراعات في جامعة ميرلاند الأمريكية)، يقول في تعريفه للصراعات المتجذرة إنها "عبارة عن تفاعلات عدائية مستمرة، بين أطراف معينة، عبر فترة زمنية طويلة، يترافق معها تصعيد دوري على هيئة حروب، تتغير أو تتباين من حيث حدتها أو شدتها ومدى تكرارها، وفي كل الأحوال تستمر هذه التفاعلات ما بين صعود وهبوط، ولا يظهر لها بوادر حل أو تسوية في المدى المنظور".
يدرك دعاة التسوية في اليمن، وفي مقدمتهم الأمم المتحدة، طبيعة الصراع في البلاد كصراع "ممتد أو متجذر"، لكن الأفكار التي تُطرح من حين إلى آخر لإحلال السلام لا تتناسب مع طبيعة ذلك الصراع، وهي غالبا تركز على الأشكال الظاهرة أو المعلنة للصراع، وتتجاهل المعالجة الجذرية للمشكلات الأساسية، وتفتقد إلى الإطار المنهجي المستند إلى أسس علمية راسخة.
بمعنى أنه إذا كان هناك جدية في تحقيق التسوية السياسية السلمية، فإنه يجب تشكيل فريق من الأكاديميين والباحثين المتخصصين في مجال إدارة الصراعات والسلام، والبدء في إعداد علمي ومنهجي لممارسة عملية المفاوضة والوساطات، وذلك بعد تلقي استجابة وإرادة مشتركة لأطراف الصراع في التسوية.
لكن الحاصل أن المبعوثين الأمميين إلى اليمن ليسوا من الأكاديميين أو الباحثين المتخصصين والضليعين في إدارة الصراعات والسلام، ويطغى على أدائهم الطابع الدبلوماسي. أما مبادرات الحل السياسي التي تطلقها السعودية باسمها أو باسم مجلس التعاون الخليجي، تبدو وكأنها تريد التغطية على مساوئ إدارتها للمعركة، ومنطقيا فالوساطات يقوم بها طرف ثالث مقبول لدى كل الأطراف وليس أحد أطراف الصراع.
وقبل الشروع في أي عملية تسوية سياسية سلمية، يجب أولا تحديد "لحظة النضج" التي يُبدي فيها جميع أطراف الصراع استعدادهم للدخول في حل سياسي سلمي، ومن مؤشرات "لحظة النضج": التغير في معادلة القوة، مثلا الطرف القوي يبدأ بالضعف والطرف الضعيف يزداد قوة، أو الطرف المسيطر أكثر على الأرض يبدأ في التراجع لصالح الطرف الآخر، ثم تبدأ مرحلة الألم والمعاناة المتبادلة، ويدرك كل أطراف الصراع أنه ليس بإمكان أحدهم تحقيق الانتصار النهائي على الآخر، لكن في الحالة اليمنية لا توجد مؤشرات على وصول الصراع إلى "مرحلة النضج" لتحقيق التسوية السياسية.
وقد يكون الوضع الميداني في حالة مراوحة بين الجمود العسكري أحيانا والانتصار الناقص لطرف والهزيمة غير المكتملة لطرف آخر، أو انتصار طرف في جبهة وانتصار الطرف الآخر في جبهة أخرى، وهذه الحالة تكون مرهقة ومملة لأطراف الصراع، وتتغير المعادلة من توازن القوة إلى توازن الضعف، مما يثير فزع كل الأطراف، وخشية كل طرف أن يزداد ضعفا أكثر من الطرف الآخر، فتبدأ رغبة كل الأطراف بتحقيق تسوية سياسية لإنهاء الصراع، لأن استمرار ضعف كل الأطراف لا يشجع على استمرار الصراع، عكس تنامي القوة لدى الجميع الذي يشجع على استمرار الصراع.
ووفقا لمنهجية إدارة الصراعات والسلام التي حددتها الأكاديميات المتخصصة في ذلك المجال، فإن التسوية السياسية الناجحة تبدأ بتشكيل فريق من الأكاديميين والباحثين المتخصصين في إدارة الصراعات والسلام، وهذا الفريق يبدأ بتجميع بيانات كمية وتحليلها لكل الصراعات السابقة في بلد/بلدان الصراع والصراعات المشابهة في المنطقة/الإقليم، وبعد ذلك يقارن الفريق بين الحلول النهائية للأزمات السابقة، وما هي الحلول التي صمدت مدة زمنية طويلة لدراستها ومحاولة إعادة تطبيقها وتجاوز ثغراتها، مع مراعاة مبدأ العدالة وضمان الحقوق والرضا المتبادل وفق معادلة القوة وعقد تسوية على أساس من التنازل والحل الوسط المستند إلى معادلة القوة.
وما عدا ذلك فإن أي تسوية لا تستند إلى إطار منهجي فلن تكون تسوية دائمة وإنما تسوية مرحلية، سيعود بعدها الصراع من جديد بعد تغير معادلة القوة، أي أنه إذا تمت تسوية سياسية في اليمن مثل التسوية السياسية في لبنان بموجب "اتفاق الطائف"، فستظل البلاد في أزمة سياسية دائمة، وإذا جاء يوم وقد امتلكت مليشيا الحوثيين قوة تمكنها من ابتلاع كل اليمن فإنها ستفعل ذلك بلا تردد، وبذلك سيعود الصراع من جديد، وستتكتل مختلف الأطراف ضد مليشيا الحوثيين، وسيكون الصراع أشد عنفا من الصراع الحالي، وستكون مدته الزمنية أطول، والسبب أن التسوية لم تحل جذور الأزمة ولم تخلق بيئة طاردة للصراع وجهاز إنذار مبكر في حال عودته لأجل تحصين التسوية وضمان ديمومتها.
- الأزمة اليمنية من منظور النظرية البنائية
لا شك أن فهم جذور صراع أي أزمة سيساعد على حلها، وقد ظهرت كثير من النظريات في العلوم السياسية وحقل العلاقات الدولية والصراعات بين الدول أو الفاعلين من غير الدول، تفسر تلك الصراعات وأسبابها وطرق تسويتها، ومن أهمها "النظرية البنائية"، ورغم أنها إحدى النظريات الأساسية الحديثة في علم الاجتماع، لكنها دخلت مجال العلاقات الدولية واهتمت بدور الفاعلين من غير الدول، وأصبحت من أهم النظريات في هذا المجال، وتركز مفاهيمها الرئيسية في تفسير الصراعات على الهوية والمصلحة ودور الفاعلين من غير الدول إلى جانب الدور الرئيسي للدولة.
وبتطبيق مفاهيم هذه النظرية على الصراع في اليمن، ودور الفاعلين الأجانب فيه، ودور الفاعلين من غير الدول، فإنها تفسر الصراع وتفاعلاته المحلية والإقليمية بأنه صراع هوياتي يدور حول الهويات الدينية والمذهبية والقومية، وبسبب تلك التفاعلات الهوياتية فإن الفوضى تعم البلاد، ومن الصعب تصور الخروج منها ما دام الصراع قائما في اليمن والمنطقة عموما، لأنه صراع يتسم بالطابع العقدي والهوياتي والقِيَمي.
- الحل.. بين المثالية والواقعية
وبعيدا عن النظرة التشاؤمية وترسيخ الاعتقاد بأن الأزمة اليمنية معقدة وأنها غير قابلة للحل السياسي ولا للحسم العسكري، فما هو أسهل الحلول وفقا للبيانات الكمية للصراع؟ وهل الحسم العسكري هو الحل أم التسوية السياسية؟
هناك جدل بين النظريتين المثالية والواقعية بشأن إدارة الصراعات والسلام، فالمدرسة المثالية تشدد على ضرورة تسوية الصراعات بالطرق السلمية، والاهتمام بمنع الصراعات وتحقيق السلام الإيجابي، بينما المدرسة الواقعية تدعو إلى ضرورة الاهتمام بالقوة واستخدامها عند الضرورة لتعمل على تسوية الصراعات أو منع حدوثها، فما هو الحل الأقرب بالنسبة للصراع في اليمن؟
عند التأمل في البيانات الكمية للصراعات السابقة، فجميع الصراعات في اليمن يتم حسمها عسكريا، خصوصا الصراع مع الإمامة العنصرية التي يمثلها اليوم الحوثيون، ولم تشهد اليمن مرحلة استقرار وتنمية -ولو كانت محدودة- إلا بعد ثورة 26 سبتمبر 1962، أي مرحلة الحسم العسكري ضد الإمامة، ولم تعد الصراعات العنيفة إلا بعد أن امتلكت الإمامة -بنسختها الجديدة- أدوات القوة والعنف.
كما تؤكد جميع الصراعات السابقة أنه لا حلول وسط مع الإمامة، لانعدام قواسم مشتركة بينها وبين مختلف فئات المجتمع اليمني، خصوصا أنه في الصراع الحالي اتسعت الفجوة أكثر بين الإمامة (الحوثية) والمجتمع اليمني، فالإمامة ترى أن السلطة والثروات العامة والخاصة هي حق مقدس لها، ولا تؤمن بالحزبية والديمقراطية وحرية التعبير والتداول السلمي للسلطة، أي أنه لا وجود لقواسم مشتركة يمكن البناء عليها لتحقيق تسوية سياسية سلمية تضمن مصالح الجميع، وبالتالي، فالاستقرار لن يتحقق إلا بالحسم العسكري، وفق المدرسة الواقعية.



