تقارير

"أحلام صعبة المنال".. معاناة المهاجرين الأفارقة في اليمن

"أحلام صعبة المنال".. معاناة المهاجرين الأفارقة في اليمن
المصدر : قناة بلقيس - خاص

تحت شمس مأرب الحارقة، يجلس "نوسان " على رصيف، وتحت ظل شجرة زينة، تعكس ملامحه رحلته الشاقة، التي خاضها، خلال الأيام القليلة الماضية، سيرا على الأقدام، متنقلا بين جنوب البلاد وشرقها وشمالها؛ بحثا عن تحقيق أمل بعيد المنال في ظل حرب تشهدها اليمن، وتجار البشر، وسجون خُصصت لابتزاز المهاجرين ونهبهم، وإن نجا من بعضها فإن مئات من المهاجرين الآخرين لازالوا يتضورون جوعا وعذابا وسط جدرانها دون منقذ.

- هرباً من الحرب والفقر والمعاناة

يقول "نوسان"  لـ"بلقيس" إنه قرر الهجرة، وغادر أثيوبيا نحو السعودية عبر البحر الأحمر إلى اليمن عبر قارب صيد، استمرت رحلته ستة ساعات حتى حطت رحاله تحت جنح الليل قبالة سواحل محافظة لحج، جنوب غرب اليمن؛ بحثا عن أمل للحياة، وكسب المال من خلال عمل في السعودية، ثم العودة إلى إثيوبيا لفتح مشروع يبني عليه مستقبله.

فكرة الهجرة وصلت إلى "نوسان" بسهولة ويُسر من قِبل مافيا تهريب البشر في إثيوبيا، فهي الفكرة ذاتها التي تراود الشباب في إثيوبيا، والكثير جرفتهم تيارات البحر نحو الطريق الشرقي للهجرة عبر اليمن، الطريق الأكثر خطورة على حياة المهاجرين من القرن الأفريقي.

وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، زاد عدد المهاجرين الداخلين إلى اليمن خلال عام  2023 الفائت أكثر من 97,000 مهاجراً.

انتقل "نوسان" من عدن إلى محافظة شبوة، شرق اليمن، مشيا على الأقدام، ومنها إلى محافظة مأرب عبر طريق صحراوي لاهب نهارا وبارد ليلا، عانا فيه ويلات من المعاناة دون طعام ولا شراب، طوال أربعة أيام من السفر الشاق، في طريق يخلو من الخدمات البسيطة.

- محطة تمويل

سبعة أشهر قضاها "نوسان" في محافظة مأرب، التي تعج بمهاجرين من القرن الأفريقي يعملون في مِهن مختلفة، منها: حقول الزراعة، وجني البرتقال، ومضيفي فنادق، ومنظفي مركبات ومكاتب، يعملون مدة ما يحتاجوه من المال الكافي مقابل التهريب نحو الحدود السعودية؛ بحثا عن الأمل صعب المنال.

شد "نوسان" على خاصره النحيل قطعة قماش، وأردف على كتفه قنينة ماء، لفّ عليها قطعة قماش مبللة لتحافظ على برودتها، وغادر مأرب مع ثلاثين آخرين على متن مركبة "دفع رباعي"، يقودها شاب مسلح يسمى "المهرب"،  بحسب "نوسان"، مشيرا إلى أن طريق نقلهم توقف في منطقة "سفيان"، الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي.

- محطة نهب

"حين وصلنا إلى سفيان، باشر مسلحو الحوثي بتفتيشي بشكل دقيق في كل نواحي الجسم، وكل أطراف الملابس، بما فيها الداخلية، ونهب كل ما أملكه من الأموال، التي كانت لديّ (700 ريال سعودي)، وجوالا وساعة يد، وطعاما وقنينة ماء، ثم تركونا نذهب باتجاه منطقة آل ثابت في محافظة صعدة (المنطقة الواقعة بالقرب من السياج الحدودي مع منطقة نجران السعودية)"، يتحدث نوسان  بلكنة مفهومة.

وعند وصول "نوسان" منطقة نجران، بعيدا عن الحدود السعودية،  تم القبض عليه وعلى عشرين مهاجرا آخرين، وتعرضوا لإطلاق نار واسع، قُتلت على إثر ذلك فتاتان مهاجرتان كانتا قد سبقتاه إلى الحدود، حسب وصفه.

وأضاف أنه تم إعادتهم من قِبل الجنود السعوديين عبر مركبات إلى الحدود اليمنية، وهو ما استغرب منه نوسان، مشيرا إلى أنه حسب معرفته أن القوات السعودية تلقي القبض على المهاجرين، وتعيدهم عبر رحلات جوية إلى إثيوبيا، حسب قوله، لكن إعادتهم إلى الحدود اليمنية كانت حدثا جديدا، مستدركا أنه عرف لاحقا بأن السجون السعودية مليئة بالمهاجرين، ولم يعد هناك متسع للمزيد، مما اضطر القوات السعودية إلى إعادة المهاجرين إلى الحدود اليمنية.

- سجون في طريق العودة

يقول نوسان إنه بمجرد عودته ورفاقه إلى صعدة، أُلقي عليهم القبض من قِبل مسلحين حوثيين، وقاموا بإيداعهم السجن، وإجبارهم على إجراء بصمة أصابع ووجه لكل منهم، ثم نقلهم عبر شاحنات إلى سجن في العاصمة صنعاء، الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي.

وبعد يوم قضاه "نوسان" في السجن، نُقل على متن شاحنة مزدحمة بالمهاجرين إلى آخر منطقة تسيطر عليها جماعة الحوثي، ثم تنقّل نحو عدن سيرا على الأقدام لمدة يومين.

- فدية مقابل حرية

المهاجرة الأفريقية زبرى شلاد (20 عاما)، التي التقتها "بلقيس" في محافظة مأرب أيضا، لها قول آخر، حيث تشير إلى أنه بعد إعادتها إلى السجن الحوثي في صنعاء، الذي وصفته بالكبير، أجبرت على دفع 2000 ريال سعودي، حوّلتها لها شقيقتها من السعودة إلى صنعاء، ودفعتها لأحد مسلحي الحوثي المشرف على السجن، مقابل إطلاق سراحها.

وبلسانها تقول: "جرونا، وذهبوا بنا على متن أطقم مسلحة، ونقلنا إلى صنعاء، وأدخلونا السجن، وجلست في السجن ثلاثة أشهر، وبعدها طلبوا عشان يفرجوا عنا ندفع فلوس، وحوّلت لي شقيقتي الأكبر ألفي ريال سعودي، وسلّمتها للمسلحين، وأخرجوني"، بحسب وصف الفتاة النحيلة.

وأوضحت أن السجن كان فيه الكثير من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة، عددهم حوالي ثلاثة آلاف سجين (ذكور وإناث)، ويقع في شمال العاصمة صنعاء (الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي).

وكشفت أنها تعرضت في السجن للضرب، قائلة: "كانوا يضربوني، وجروني من شعري".

وتحدثت الفتاة، التي تتقن اللهجة الخليجية: "إذا لم يدفع السجين فلوس سيبقى في السجن، ولو يبقى أكثر من سنة لن يخرج إلا بدفع فلوس للحوثيين، أو يظل بالسجن".

وأشارت إلى أنها عاشت في السجن أياما صعبة ومعاناة كبيرة، قائلة: "أحيانا يأتون لنا بطعام، وأحيانا يقولون ما في طعام، وننام دون طعام طوال اليوم".

وأضافت أنه في السجن لا تتوفر المياه النظيفة للشرب، ولا المياه الكافية للاغتسال، فيما تفتقر قاعة السجن للفراش والدفاء؛ مما عرضها للبرد الشديد، وأصابها بأمراض مُعدية، خلال مدة بقائها في السجن، حيث ظلت ثلاثة أشهر حتى وصلت حوالتها المالية إلى صنعاء، فدفعتها للمسلحين، الذين أطلقوا سراحها على الفور، بعد تسليمهم المبلغ المطلوب، وترحيلها إجبارا من صنعاء إلى عدن، حسب قولها.

ولفتت إلى أن هناك الكثير من رفاقها (ذكور وإناث) لازالوا في السجن بصنعاء، وقد مر على سجنهم أكثر من عام؛ كونهم غير قادرين، ولا أسرهم، على دفع مبالغ كبيرة يطلبها المسلحون، حد وصفها.

وقالت: "نجوت من السجن، لكنني عدت من عدن إلى مأرب بانتظار فرصة العودة إلى إثيوبيا، أو الذهاب إلى السعودية للعمل".

- حلم رغم المخاطر

لا يستسلم المهاجرون، ولا يتخلون عن الأمل الوحيد لهم في الوصول إلى السعودية، والهرب من الجحيم، الذي يلاحقهم في إثيوبيا، يقول عثمان فرج (22 عاما) -مهاجر إثيوبي ورفيق "نوسان" في رحلته- إنهم عادوا من عدن نحو محافظة شبوة للمرة الثانية، لكنه وقع في قبضة مسلحين.

- 5 آلاف ريال سعودي للنجاة

ويضيف فرج لبلقيس -بلغة عربية ركيكة: "في طريقنا من عدن إلى شبوة، استوقفتنا نقطة عسكرية على بُعد مسافة كبيرة من مدينة شبوة، يوجد فيها جندي واحد مسلح، وقام بتسليمنا لما قالوا إنه الدلال، الذي أخذنا نحو الصحراء، وسجنّا في حوش مكشوف في الصحراء، وطلب منِّي خمسة آلاف ريال سعودي؛ مقابل إطلاق سراحي، وبعد ثلاثة أشهر حوّل شقيقي المبلغ إلى شبوة، وتسلّمه الدلال، ثم أطلق سراحي، وعدت إلى مأرب".

ويشير إلى أنه نجا من الموت بدفع المال، ومن لم يدفع المال المطلوب يظل في السجن يتعرض للتعذيب، وقد يموت.

وقال إن السجن، الذي نجا منه، كان فيه أكثر من ثلاثين مهاجرا آخر، يتعرّضون كل يوم للضرب والتعذيب؛ لإجبارهم على دفع المال، ويتناولون وجبة واحدة فقط في اليوم دون دورات مياه، فيما مياه الشرب مالحة.

وأوضح أن "هناك في السجن مهاجرين لهم سنة كاملة لم يقدروا على دفع المال حتى اليوم، ولازالوا هناك".

- عنف وابتزاز

ووفقا لتقرير "اتجاهات الهجرة إلى اليمن"، الصادر عن المنظمة الدولية للهجرة، فقد وصل ما مجموعه 4,853 مهاجرا إلى اليمن خلال الربع الأخير من عام 2023.

وعلى الرغم من انخفاض عدد المهاجرين الوافدين شهرياً بشكل ملحوظ، بدءاً من أغسطس، إلا أن هذا الرقم يمثل زيادة كبيرة مقارنة بإجمالي الوافدين في عام 2022 (أكثر من 73.000 وافد).

وأكدت المنظمة الأممية، في تقريرها الدوري، أن المهاجرين الأفارقة في اليمن يتعرضون للعنف الخطير، والإكراه، والحرمان المتعمّد، وسوء المعاملة، بما في ذلك الاختطاف والابتزاز والوصم، والتحرش، والعنف الجسدي والجنسي.

وقالت المنظمة إنها عملت إلى إعادة مهاجرين من اليمن إلى بلدانهم الأصلية، مشيرة إلى أنه بعد أشهر من توقف رحلات العودة الطوعية للمهاجرين من اليمن إلى إثيوبيا، تمكنت من استئناف رحلات، في ديسمبر/كانون الأول. وبحلول نهاية ديسمبر/كانون الأول، عاد ما مجموعه 6,538 مهاجراً، بما في ذلك النساء والأطفال، إلى بلدانهم الأصلية خلال عام 2023.

وتتوقع المنظمة الدولية للهجرة أن ما لا يقل عن 15,000 مهاجر يحتاجون إلى مساعدة العودة الطوعية في عام 2024، مشيرة إلى أن النقص الكبير في التمويل يترك العديد من المهاجرين الأكثر ضعفاً، الذين يرغبون في العودة إلى ديارهم، عالقين في اليمن دون طريقة آمنة وكريمة للعودة.

- مفقودون

ووفق مشروع المهاجرين المفقودين، التابع للمنظمة الدولية للهجرة، توفي ما لا يقل عن 698 شخصاً، بينهم نساء وأطفال، على الطريق الشرقي، عبر خليج عدن من جيبوتي إلى اليمن؛ على أمل الوصول إلى المملكة العربية السعودية في عام 2023. وقد يكون هذا الرقم أعلى، مع الأخذ في الاعتبار أن بعض المآسي غالباً ما تمر دون أن يلاحظها أحد، في ظل توقع زيادة أعداد الهجرة، خلال العام الجاري 2024، من إفريقيا عبر اليمن.

تقارير

الإيكونوميست: السعودية تعرض حوافز وتهديدات على إيران لاحتواء التصعيد الحوثي ومنع المواجهة الشاملة

وأوضحت المجلة أن العرض السعودي تضمن استعداد الرياض وحلفائها لمناقشة ترتيبات أمنية إقليمية أوسع مع طهران في حال قدمت الأخيرة تنازلات تمهد لاتفاق مع الولايات المتحدة. وفي المقابل، حذرت من أن استمرار الرفض الإيراني واستئناف الهجمات على دول الخليج سيقابله استعداد من السعودية وتركيا وباكستان للرد بموجب اتفاق الدفاع المشترك الموقع في أغسطس الماضي، دون تحديد آليات الرد أو الالتزام بتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة.

الإيكونوميست-السعودية-تعرض-حوافز-وتهديدات-على-إيران-لاحتواء-التصعيد-الحوثي-ومنع-المواجهة-الشاملة
تقارير

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: على واشنطن التحرك لوقف انتهاكات الحوثيين وإدراج زعيمها ضمن قائمة الارهاب

ينبغي لوزارة الخزانة الأمريكية إدراج قادة الحوثيين المتورطين في الحصار أو الداعمين له على قوائم العقوبات، بموجب قانون ماغنيتسكي العالمي أو وفقاً لصلاحيات قانونية أخرى مناسبة.

مؤسسة-الدفاع-عن-الديمقراطيات-على-واشنطن-التحرك-لوقف-انتهاكات-الحوثيين-وإدراج-زعيمها-ضمن-قائمة-الارهاب
تقارير

دراسة حديثة تحذر من تحول الحوثيين إلى تهديد إقليمي وتقترح استراتيجية دولية طويلة المدى لاحتواء تهديدهم

شددت الدراسة ، على ضرورة دمج البعد الأفريقي ضمن استراتيجيات أمن البحر الأحمر لمواجهة التشابكات المتنامية بين الحوثيين وحركة الشباب في الصومال، إلى جانب بناء توازن عسكري وسياسي معارض في جنوب اليمن والحد من الترابط العملياتي بين الفصائل المتحالفة مع طهران إقليمياً.

دراسة-حديثة-تحذر-من-تحول-الحوثيين-إلى-تهديد-إقليمي-وتقترح-استراتيجية-دولية-طويلة-المدى-لاحتواء-تهديدهم

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.