تقارير
ارتفاع قياسي للأسعار.. سلاح الحوثي لإذلال المواطنين

"الموت أرحم لنا من هكذا وضع".. بهذه الكلمات يختصر المواطن علي الحُجري (42 عاما) الوضع المعيشي، الذي وصل إليه اليمنيون مع اقتراب شهر رمضان المبارك، ودخول الحرب عامها الثامن في اليمن.
يحمل بيده اليمني دبة "زيت" وعلى اليسرى كيساً من الأرز (10كجم)، وهو خارج من أحد المحال التجارية في مدينة إب (وسط اليمن)، الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، يصرخ الحُجري بصوتٍ عالٍ "هؤلاء بـ25 ألف ريال، ما الذي تبقى لنا كمواطنين من كرامة، فالموت بالنسبة لنا حياة، وأفضل حال من هذه المعاناة".
في حديثه لـ"بلقيس"، يقول الحُجري -يعمل في الأجر اليومي في مجال البناء ويعيل أسرة مكوّنة من خمسة أفراد-: "كنت أشتري الكيس الدقيق في العام 2015 بمبلغ 6 آلاف ريال، واليوم يتجاوز سعره 24 ألف ريال، بينما الدبة الزيت 4 لتر كانت بـ1600 ريال، واليوم سعرها يتجاوز 7 آلاف ريال".
يشكو الحجري وضعه السيئ مع توقف الأعمال وارتفاع الأسعار، وانعدام الغاز المنزلي، بالقول: "نعجز عن شراء وجبة واحدة في اليوم، ونبات أغلب الأيام نتناول وجبتين في اليوم، نسد رمق جوعنا، فالحبة الروتي بـ33 ريالا حجم صغير تعجز الألسن عن وصفه لهزالته وصغر حجمه"، حد قوله.
في محافظة إب، الخاضعة لسيطرة مليشيات الحوثي، ثاني أكبر المدن ازدحاما بالسكان، التي عادة ما ترتفع فيها وتيرة الحركة التجارية، وتزدحم بالمتسوّقين قبيل رمضان، ألقت التحولات والأزمات الاقتصادية والإنسانية بظلالها على حياة السكان إلى حدٌ كبيرٍ مع تأثر شريحة كبيرة من سكان المحافظة بفقدان مصادر دخلهم، وتوقف مصالح ومؤسسات وشركات في القطاعين العام والخاص.
ارتفاع الأسعار أصبح حديث الناس السائد في الأسواق وعلى متن الباصات، في ظل انقطاع الرواتب وتوقف الأعمال وانعدام الدخل، الكل يبدي تذمّره مما آلت إليه الأوضاع، بينما الغالبية يعجز عن توفير قوت يومه.
- أزمة مفتعلة
وما بين استمرار الحرب وآمال توقّفها، يستقبل اليمنيون شهر رمضان للعام الثامن في حالة أشد بؤسا من سابقه، خاصة مع تدهور العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية، وايقاف الحوثيين التعامل بالأوراق النقدية الجديدة، وانقطاع المرتبات عن الموظفين، وتقف الأعمال، وفرض المليشيا جبايات وإتاوات على التجّار.
يستذكر الحجري كيف كان يأتي رمضان قبل الحرب، وقد استعد الناس وملأوا مطابخهم بشراء حاجيات الشهر الكريم من كل ما لذّ وطاب، وكيف كانت الأسواق والمحال التجارية والشوارع منذ نصف شعبان تمتلئ بالناس في زحام كبير على شراء رمضان!! وكيف أصبح حال الناس اليوم لعدم قدرتهم على الشراء!! ويرى أن ارتفاع الأسعار، وتأزيم الوضع مفتعل من قِبل الحوثيين كعقاب للشعب حتى يشغلوا المواطن عن أي تفكير بمقاومتهم، ويجعل كل همّه كيف يحصل على إسطوانة الغاز، والكيس الدقيق!!
ومع استمرار الحرب، تستمر الأسعار في الارتفاع، حيث تستمر قيمة الريال اليمني في الانخفاض مقابل الدولار، وسعر الصرف قد تغيّر من 215 ريالا مقابل دولار واحد قبل الحرب إلى 1200 ريال يمني، في الأيام الأخيرة في المناطق المحررة، كما أدى الانقسام المصرفي بين عدن وصنعاء إلى فارق سعر بين العملة الجديدة والقديمة، في الوقت الذي يصرف الدولار في مناطق سيطرة الحوثي بـ600 ريال كاستقرار وهمي بينما أسعار السلع تتجاوز قيمتها 1000 ريال للدولار.
وتركت الحرب المستمرة تداعيات اقتصادية ومعيشية صعبة، أبرزها ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود، وزيادة معدلات البطالة، ومعاناة ما لا يقل عن 20 مليون نسمة من انعدام الأمن الغذائي، وفقا لتقارير الأمم المتحدة.
ومنتصف مارس الماضي، قالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن أكثر من 20 مليون شخص في اليمن -ما يعادل ثلثي السكان- ليس لديهم ما يأكلونه تقريباً، في ظل حرب مدمّرة دخلت عامها الثامن مع نهاية مارس الماضي.
وبشأن الارتفاع القياسي للأسعار في مناطق سيطرة الحوثي، بينما سعر الدولار مستقر عند 600 ريال منذ العام 2018، أرجع العديد من التجار ارتفاع الأسعار إلى أن المليشيا تفرض عليهم ضرائب مضاعفة وإتاوات وجبايات باهظة، تحت مسميات شتّى، الأمر الذي اضطرهم إلى رفع الأسعار، بينما يتحمّل المواطن كل هذه التكلفة، ويسدد فاتورة ذلك.
- استقرار وهمي
الصحفي المهتم بالشأن الاقتصادي وفيق صالح يقول: "ارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، على الرغم من ثبات الصرف، يفنّد أكذوبة استقرار سعر العملة الذي تتباهى به المليشيا بشكل متكرر، ويؤكد أن ثبات سعر العملة سعر وهمي وليس حقيقي، وفق اقتصاد السوق الحقيقي".
وفي حديثه لـ"بلقيس" يرى صالح أن "ثبات سعر العملة في صنعاء، وبقية مناطق الحوثيين، يخضع لإجراءات أمنية، وهو مثبّت بشكل رسمي غير معلن، ولا يخضع سعر الصرف هناك لآلية العرض والطلب في السوق، كما هو حاصل في مناطق الحكومة الشرعية".
وأكد أن "الاستقرار الوهمي لسعر الصرف لدى الحوثيين ليس نابعاً من إجراءات وإصلاحات حقيقية، وإنما يخضع للقبضة الأمنية، وهو ما يٌفسّر انفجار أسعار السلع والمواد الغذائية مؤخرا، وارتفاعها بنسبة 30% خلال فترة وجيزة".
وأشار إلى أن هناك عوامل أخرى تقف وراء ارتفاع أسعار السلع لدى الحوثيين، وهو أن عملية الاستيراد مرتبطة بسعر الدولار في مناطق الشرعية، كون التجار والمستوردين يحصلون على النقد الأجنبي اللازم للاستيراد من عدن، ومحافظات الشرعية وبالسعر نفسه في تلك المناطق، إضافة إلى مسببات أخرى تقف وراء هذه الفجوة في أسعار السلع، منها الازدواج الجمركي والضريبي، ومضاعفة فرض الجبايات المالية، وانتشار النقاط الأمنية بين المحافظات.



