تقارير
إرسال بريطانيا جنودا إلى المهرة.. حنين استعماري أم مهمة جديدة؟

قناة بلقيس - عبد السلام قائد
لم يكن مقنعا مبرر بريطانيا إرسالها 40 جنديا إلى محافظة المهرة، في 7 أغسطس الجاري، بذريعة تعقب مقاتلين حوثيين متورطين في استهداف ناقلة نفط إسرائيلية، في 30 يوليو الماضي، ومقتل اثنين من طاقمها أحدهما بريطاني الجنسية، ذلك أن هذا المبرر أعاد للأذهان مبرر بريطانيا لاحتلال عدن عام 1839 بذريعة أن سكان عدن هاجموا سفينة هندية تحمل العلم البريطاني ونهبوا بعض حمولتها عام 1837، ثم حادثة غرق سفينة بريطانية قرب شواطئ عدن في وقت لاحق، فزعمت بريطانيا أن صيادين يمنيين نهبوا تلك السفينة، وطالبت من سلطان سلطنة لحج محسن العبدلي بالتعويض أو تمكينها من السيطرة على ميناء عدن، ولما رفض تمكينها من السيطرة على الميناء ووافق على دفع تعويض، عدلت عن المطالبة بالتعويض واحتلت مدينة عدن، أي أنه كان يهمها السيطرة على عدن وجنوب اليمن وليس التعويض.
- غضب شعبي
أثار إعلان بريطانيا إرسالها جنودا إلى محافظة المهرة، الواقعة شرقي اليمن، غضب المواطنين اليمنيين، وفي مقدمتهم أبناء المهرة، الذين يطالبون برحيل كل القوات الأجنبية المتواجدة في محافظتهم، وفي مقدمتها القوات السعودية التي يصفونها بـ"الاحتلال"، ويطالبون برحيل الجنود الأمريكيين والبريطانيين المتواجدين في المحافظة بذرائع أمنية واهية، مثل مكافحة الإرهاب ووقف تهريب السلاح من إيران للحوثيين.
وبشكل عام، يثير التواجد العسكري الأجنبي في بعض المحافظات والجزر اليمنية حفيظة المواطنين اليمنيين، خصوصا المحافظات البعيدة عن مسرح العمليات العسكرية (المفترضة) ضد مليشيات الحوثيين الانقلابية الموالية لإيران، وتتزايد المطالب الشعبية برحيل تلك القوات، كون تواجدها ينتهك سيادة البلاد ويضيف تعقيدات جديدة للأزمة اليمنية ومتاعب إضافية أمام الحكومة الشرعية، بعد تعمد إضعافها من قِبَل التحالف السعودي الإماراتي، ويزداد الغضب الشعبي أكثر كلما ازداد التواجد العسكري الأجنبي متعدد الجنسيات في البلاد.
بدأ التواجد العسكري الأجنبي في البلاد حصريا بالقوات السعودية والإماراتية، في محافظات بعيدة عن مسرح العمليات العسكرية (المفترضة) ضد الحوثيين. ولمواجهة المطالب الشعبية برحيل قوات الدولتين من تلك المحافظات، فإنهما استقدمتا دولا عدة ليكون لها حضور عسكري استخباراتي أو لوجستي رمزي للاحتماء به، ويكون بمثابة "غسيل" لانتهاك الدولتين للسيادة الوطنية وبالتالي التنصل من القانون الدولي الذي يجرم الانتهاكات التي تطال سيادة الدول.
- دلالات عودة بريطانيا إلى اليمن
رغم أن عدد الجنود البريطانيين المعلن إرسالهم إلى محافظة المهرة قليل جدا (40 جنديا، وقد يكون العدد أكثر من ذلك)، لكن ما لفت الأنظار هو تشابه ظروف احتلال بريطانيا لعدن عام 1839 وظروف إرسالها جنودا إلى محافظة المهرة قبل أيام، فاحتلالها لعدن وجنوب اليمن كان في وقت اشتد فيه النشاط الفرنسي في المنطقة، فسارعت بريطانيا إلى احتلال عدن خوفا من أن تسبقها فرنسا في السيطرة عليها، واستغلالا للصراع حينها بين محمد علي باشا والدولة العثمانية، واستغلال ضعف السلطة المركزية في اليمن، في حين كان هناك نفوذ لإيطاليا في شمال اليمن.
أما إرسالها، أي بريطانيا، جنودا إلى المهرة قبل أيام، فقد أتى في وقت تنشط فيه دول عدة في سواحل وموانئ اليمن، ويشهد نزاعا إقليميا بين المحورين السني والشيعي وسباقا دوليا وإقليميا للسيطرة البحرية بالقرب من مضيق باب المندب ومضيق هرمز، بالإضافة إلى ضعف السلطة اليمنية الشرعية، ونفوذ إيران القوي في شمال اليمن، بينما تسلك السعودية سياسات في البلاد خارج نطاق أمنها القومي، ولا تواجه إيران وأدواتها في المنطقة بجدية، ففي حين يهاجم الحوثيون أراضيها بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، ويشنون هجمات في حدودها مع اليمن من حين لآخر، فإنها ترسل قوات عسكرية إلى المهرة، وأوكلت مهمة حماية حدودها الجنوبية لجنود يمنيين، وتعيق حسم المعركة ضد الحوثيين.
توصف بريطانيا بأنها حامل قلم القرارات الخاصة بالملف اليمني في مجلس الأمن، وكان اثنان من المبعوثين الأمميين إلى اليمن يحملان الجنسية البريطانية وهما: مارتن غريفيث، وجمال بن عمر (مغربي الأصل)، وهي مورّد رئيسي وثابت للأسلحة للسعودية، وكانت قد ساعدت، في يناير 2010، في تشكيل مجموعة "أصدقاء اليمن"، الهادفة إلى حل أسباب عدم الاستقرار في البلاد.
وأما أخطر أدوارها في اليمن، بعد احتلالها لعدن وجنوب البلاد وشرقها الذي دام 129 عاما، أنها دعمت الملكيين (الأئمة) في شمال البلاد خلال الحرب التي اندلعت بعد ثورة 26 سبتمبر 1962، كما أنه بسبب معاهدة عام 1914 بين بريطانيا والدولة العثمانية لترسيم الحدود بين شمال اليمن (العثماني) وجنوب اليمن (البريطاني)، تعرضت اليمن لأول انشطار في تاريخها إلى شمال وجنوب، وهو الانشطار الذي ما زال يلقي بظلاله الكئيبة على وحدة البلاد حتى اليوم. لكن، هل تواجد بريطانيا عسكريا في اليمن يحركه الحنين للعهد الاستعماري أم أن هناك مهمات جديدة فرضتها المستجدات الراهنة؟
يعد التواجد العسكري البريطاني في اليمن، رغم محدوديته، جزءا من تواجد عسكري واستخباراتي أجنبي متعدد الجنسيات في البلاد، وبالتالي فالأهداف من ذلك التواجد متشابهة، وتتركز حول أمن البحار، ومحاولة ملء الفراغ الذي خلفه الصراع في البلاد وتغييب السلطة اليمنية الشرعية عن أداء دورها في الإسهام بحفظ الأمن البحري في مياهها الإقليمية ومضيق باب المندب، إضافة إلى احتدام النزاع الإقليمي والدولي في إطار ما يعرف بحروب البحار، وظهور محاور واستقطابات إقليمية ودولية في هذا السياق. أما التواجد العسكري السعودي الإماراتي، فإنه نابع من نوايا تآمرية لإنهاك البلاد وتمزيقها وإضعافها وتعطيل جغرافيتها الحيوية والسيطرة على الجزر والموانئ والسواحل اليمنية.
ويتركز التواجد العسكري الأجنبي متعدد الجنسيات في اليمن في الساحل الغربي للبلاد وفي المحافظات الشرقية، وتحديدا في محافظات المهرة وسقطرى وحضرموت، بالإضافة إلى التواجد في العاصمة المؤقتة عدن. وبما أن منطقة الساحل الغربي، التي تسيطر عليها مليشيات وتشكيلات مسلحة موالية لدولة الإمارات، أصبحت خارج سيطرة اليمنيين، بعد تحولها إلى وكر للمخابرات الأجنبية متعددة الجنسيات، فإن شرقي البلاد يبدو وكأنه في طريقه ليصبح نسخة من الساحل الغربي، أي تحوله إلى وكر للمخابرات والتواجد العسكري الأجنبي، خصوصا بعد وصول 40 جنديا بريطانيا إلى محافظة المهرة، بالإضافة إلى التواجد العسكري (الأمني) الأمريكي في ذات المحافظة، والتواجد الإسرائيلي (المخابراتي) في جزيرة سقطرى.
- عجز السلطة الشرعية
ويأتي تمدد التواجد العسكري والاستخباراتي الأجنبي في اليمن نتيجة لطول أمد الحرب وضعف السلطة الشرعية وتعدد الانقسامات وتبعية بعض الأطراف المحلية لأطراف خارجية، بسبب الإدارة التآمرية للمعركة من قبل التحالف السعودي الإماراتي في البلاد منذ سبع سنوات تقريبا واستغلال حالة الانقسام للسيطرة على أجزاء واسعة من البلاد، حيث استباحت الدولتان الأراضي اليمنية وانتهكتا سيادة البلاد من خلال التواجد العسكري غير المبرر في محافظات بعضها بعيدة عن مسرح العمليات العسكرية ضد الحوثيين، مثل محافظات المهرة وسقطرى وحضرموت.
ونتيجة لعجز السلطة الشرعية عن عمل أي شيء إزاء ذلك، أو رضوخها لضغوط وإملاءات خارجية، فإن تنامي الغضب الشعبي كفيل بملء ذلك الفراغ الذي أحدثه غياب السلطة الشرعية، خصوصا بعد تلويح بعض المكونات المجتمعية بإمكانية القتال ضد التواجد العسكري الأجنبي غير المبرر في البلاد، لكن تحرك السلطة الشرعية في هذا الإطار مهم، كونها المعبر الحقيقي عن إرادة الشعب، والقادرة على اتخاذ مواقف وطنية رافضة للانتهاكات التي تطال سيادة البلاد ولفت أنظار العالم لدسائس الجيران وكسب التعاطف الدولي الضاغط إزاء ذلك، وستكون تلك المواقف وعاء للاحتشاد الشعبي حول السلطة الشرعية وإكسابها قوة وتأثيرا.



