تقارير
استحقاقات معطلة.. المجلس الرئاسي كوجه جديد للأزمة اليمنية

بعد ما يقارب الشهرين من تأسيسه، يبدو أن مجلس القيادة الرئاسي سيتحول إلى وجه جديد من أوجه الأزمة اليمنية، فالمجلس لم يقترب من الاستحقاقات المعطلة منذ الأشهر الأولى من الحرب وحتى الآن، مثل البدء في إنهاء الانقلاب الحوثي، وإيجاد حلول للأزمة المعيشية، وانهيار الاقتصاد والعملة المحلية، واستئناف العملية السياسية من حيث توقفت وفق مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل.
وتبدو أولويات المجلس، بحسب القرارات والتعيينات التي تمت حتى الآن، لا علاقة لها بالأولويات الملحة للمواطنين، وصارت تلك القرارات والتعيينات محل ريبة وتوجس وقلق، مثل تعيين نائب عام جديد للجمهورية بدون مؤهلات وخبرات كافية تسمح له بتولي هذا المنصب الخطير والحساس، ويُتهم بتأييده لمشاريع تمزيق البلاد، وأيضا تشكيل لجنة من شخصيات انفصالية ولها دور في ملشنة البلاد تكون مهمتها إعادة هيكلة وحدات الجيش والتشكيلات العسكرية غير النظامية والمليشيات الخارجة على الدولة.
- ماذا يكشف ترتيب الأولويات؟
لا يوجد في الأزمة اليمنية أي استحقاق أهم من إنهاء الانقلاب الحوثي، وأيضا إنهاء الوضع الشاذ الذي تبدو عليه البلاد، غير أنه منذ الإعلان عن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، في 7 أبريل الماضي، يبدو أن الأزمة اليمنية تتجه نحو مزيد من الجمود السياسي والعسكري والتعقيد والانحباس، وهي أوضاع صعبة جدا ولا يمكن مجابهتها بسهولة، فلا هي متغيرة أملا في فتح آفاق جديدة، ولا هي تتحرك إلى الأمام لكسر حالة الجمود، ويزيد من تعقد الأوضاع تداخل العوامل المحلية المتعددة مع الضغط الإقليمي المؤثر.
ولعل المتغير الوحيد في مسار الأزمة، منذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أن الأزمة خرجت من "جمود معتاد" إلى جمود آخر "غير معتاد"، وقد يستمر الجمود الحالي حتى حدوث متغير جديد آخر "غير متوقع".
وبعد بروز أولويات مجلس القيادة الرئاسي، انقشع الغبار الكثيف الذي برز أمام نسبة كبيرة من المواطنين الذين كانوا يعوّلون على المجلس في أن يتمكن من تحقيق ولو الحد الأدنى من طموحاتهم، لكن لم يتعدّ الأمر أن زاد من تأكيد المؤكد فيما يتعلق بأجندة السعودية والإمارات في اليمن، وأن تشكيل المجلس الرئاسي لم يكن لإنهاء أزمات المواطنين وإدارة البلاد بإخلاص، ولكن لإدارة الخلافات بين السعودية والإمارات، والتي لم تبرز إلى السطح بعد، وتتمحور حول النفوذ ومكاسب الحرب وترتيب أوضاع الحلفاء المحليين لكل طرف وضمان حصتهم من السلطة والثروة وتوزيع القوة والنفوذ والمال وغير ذلك.
وكان الترقب الشعبي الأهم، بخصوص أداء المجلس الرئاسي، يتركز حول موقف المجلس من المليشيا الحوثية وطريقة تعامله معها، باعتبار ذلك شوكة الميزان لتقييم أداء المجلس والتنبؤ بملامح المرحلة المقبلة، لكن ذلك كان مخيبا للآمال، فالمجلس الرئاسي قدم التنازلات تلو التنازلات للمليشيا الحوثية بدون الحصول على أي مكاسب منها، مثل فتح مطار صنعاء، واعتماد جوازات السفر الصادرة من المليشيا وإضفاء الصبغة القانونية عليها، والهدنة من طرف واحد لمدة شهرين تم الاتفاق على تجديدها شهرين إضافيين، رغم أن مليشيا الحوثيين لم تتمسك بالهدنة خلال الشهرين الماضيين، وواصلت شن هجماتها على مواقع الجيش الوطني في جبهات عدة، وقتل عدد كبير من المواطنين من خلال القنص والقصف المدفعي، كما حدث في تعز تحديدا، وأيضا استغلال الهدنة لحشد وتدريب مزيد من المقاتلين والدفع بهم إلى جبهات القتال.
وتُقابل الخروقات الحوثية للهدنة بصمت المجلس الرئاسي وعدم اتخاذه الإجراءات المناسبة حيالها، وهو موقف لا يمكن تفسيره إلا بأنه يعكس هروب المجلس الرئاسي من تبعات أي معركة شاملة مع مليشيا الحوثيين، لأجل التفرغ لأولويات أخرى تمثل مطالب ملحة للسعودية والإمارات يجب البدء بها بدلا من الانشغال بمعركة أخرى قد تعيق ما تريد الرياض وأبو ظبي الحصول عليه من المجلس.
كما أن مجلس القيادة الرئاسي فشل في اتخاذ إجراءات تجبر مليشيا الحوثيين على رفع الحصار عن مدينة تعز المستمر منذ سبع سنوات، وفتح الطرقات المغلقة، وكان بإمكان المجلس مقايضة مليشيا الحوثيين بأن فتح مطار صنعاء لا بد أن يتزامن مع رفع حصارها عن تعز، لكن ما حصل هو تقديم تنازلات مجانية بدون أي مكاسب، وهو ما يشجع الحوثيين على المزيد من التعنت والمضي في مشروعهم السلالي الانقلابي.
وهكذا يكشف ترتيب الأولويات، بالنسبة لمجلس القيادة الرئاسي، أن الحرب على الحوثيين وإنهاء الانقلاب واستعادة الدولة لا تتصدر اهتماماته في المرحلة الحالية، وكذلك الأمر بالنسبة للأوضاع المعيشية الصعبة وانهيار الاقتصاد الوطني والعملة المحلية فهي ليست من أولوياته، بدليل أن المجلس -منذ الإعلان عنه- لم يقم بأي خطوات عملية في هذا السياق.
واتضح أن التكهنات بشأن مهام المجلس، فور الإعلان عنه، كانت صحيحة، وتتمحور حول أجندة السعودية والإمارات في اليمن وتقاسم النفوذ بينهما، فالمجلس يمنح مكاسب لصالح المجلس الانتقالي (الانفصالي)، ويقدم تنازلات لمليشيا الحوثيين (الانقلابية)، وهو ما يلبي رغبة الرياض وأبو ظبي في إطالة أمد الحرب ودعم مشروع الانفصال حتى يتحقق.
- التنازلات وحرق الطبقة السياسية
هناك متغير جديد في الأزمة اليمنية منذ الإعلان عن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي فيما يتعلق بتقديم التنازلات لمليشيا الحوثيين ومنح المكاسب للمجلس الانتقالي المدعوم إماراتيا ولمليشياته، ويتمثل المتغير الجديد في أن التنازلات التي كان يقدمها ويتحمل وزرها الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي بمفرده، أصبحت الآن موزعة على جميع المكونات التي يتشكل منها مجلس القيادة الرئاسي، وتعتقد الأطراف الخارجية التي هندست المجلس الرئاسي أن ذلك سيُحد من ظهور أصوات كبيرة معارضة لمثل تلك التنازلات، وسيُحد أيضا من اتهام مكون لمكون آخر بتقديم التنازلات والعمل ضد الوطن.
في البدء، جرى الترويج لمجلس القيادة الرئاسي بأنه سيعمل على توحيد الصفوف ضد المليشيا الحوثية، لكن الذي اتضح أنه تم توحيد الصفوف لتنخرط كل المكونات في التماهي مع أجندة السعودية والإمارات في اليمن، وهذا قد يتسبب في تفكك المجلس الرئاسي وانهياره في وقت لاحق، خصوصا في حال استمر أداء المجلس كما هو عليه منذ تشكيله وحتى الآن، وبذلك تكون الرياض وأبو ظبي قد تمكنتا من حرق الطبقة السياسية في اليمن وتنفير المواطنين منها لتستمر مشاريعهما العبثية في البلاد.
وواضح أن تقديم التنازلات والأداء الرخو للمجلس الرئاسي لا يعني أن جميع المكونات الممثلة فيه مقتنعة بذلك تماما، لكنها تفضل الصمت خشية تأثر علاقتها بالسعودية أو الإمارات، وربما أن الرافضين لأداء المجلس يترقبون الفرصة المناسبة لاتخاذ الإجراءات المطلوبة، وربما يتشكل تحالف وطني جديد يخلط الأوراق على الجميع، وينضم إليه بعض أعضاء مجلس القيادة الرئاسي وإعلان انسحابهم منه، وبذلك يتفكك المجلس الرئاسي، هذا إن لم تقدم مليشيا الحوثيين على شن عمل عسكري كبير في جبهة ما ليكون بمنزلة اختبار للمجلس وحشره في زاوية ضيقة.



