تقارير
استعادة الدولة في اليمن.. الضمان الوحيد لأمن البحر الأحمر

لم تكن معضلة أمن البحر الأحمر في الوقت الحالي إلا نتاجا لغياب الدولة في اليمن وتقطيع أوصال البلاد بين مليشيات وجماعات مسلحة شكلتها ومولتها السعودية والإمارات على مرأى ومسمع من العالم، وترك معظم محافظات شمال البلاد تحت سيطرة مليشيا الحوثيين التابعة لإيران والمنخرطة ضمن أجندتها التخريبية في المنطقة.
وبدلا من أن تدعم الأطراف الإقليمية والقوى الدولية الحكومة اليمنية الشرعية للقضاء على الانقلاب الحوثي واستعادة السيطرة على جميع أنحاء البلاد لما من شأنه الإزالة التامة للمخاطر التي تهدد أمن البحر الأحمر في الوقت الحالي، ذهب الجميع بعيدا عن لب الأزمة، فالسعودية مثلا تدفع باتجاه رعاية اتفاق هش بين الحكومة اليمنية ومليشيا الحوثيين للالتفاف على أي أعمال انتقامية قد تطاول الحوثيين وتؤثر على وضعهم العسكري وتضعفهم أمام خصومهم، بينما تبحث الولايات المتحدة تشكيل تحالف دولي لحماية أمن البحر الأحمر، والتهديد بتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، ثم التهديد بالرد العسكري عليهم.
ويثير الحديث عن تشكيل تحالف جديد لحماية أمن البحر الأحمر التساؤلات عن مصير التحالف الذي شكلته السعودية قبل نحو خمس سنوات لحماية أمن ذلك البحر، ولماذا لم يقم ذلك التحالف بدوره حاليا؟ ولماذا تحولت السعودية من طرف يقود تحالفا إقليميا مفترضا لحماية أمن البحر الأحمر إلى طرف راعٍ لمليشيا الحوثيين التي تمثل المصدر الوحيد حاليا لتهديد أمن ذلك البحر خدمة لإيران بذريعة نصرة القضية الفلسطينية؟
وكانت السعودية قد أعلنت، في 12 ديسمبر 2018، عن الاتفاق على إنشاء كيان يضم الدول المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن، يضم السعودية ومصر والأردن واليمن والسودان والصومال وجيبوتي، بهدف تعزيز الأمن والاستقرار والاستثمار والتنمية، ومنع القوى الخارجية من القيام بأي دور سلبي في المنطقة، في إشارة إلى إيران والمليشيات الطائفية التابعة لها.
وأعلنت المملكة عن إنشاء ذلك الكيان في الكلمة الافتتاحية لوزير الخارجية السعودي حينها، عادل الجبير، التي ألقاها في مؤتمر الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن، الذي عقد في العاصمة السعودية الرياض، وأوضح الجبير أن فكرة الكيان مبادرة من العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، بهدف تعزيز الأمن والاستقرار والتنمية والاستثمار في المنطقة، لكن يبدو أن فكرة ذلك التحالف تبخرت فور الإعلان عنها.
- محاولات فاشلة
لا يمكن لأي تحالف دولي أو إقليمي أن يحفظ أمن البحر الأحمر، على الأقل في الظروف الراهنة، كما أن زيادة الإجراءات الأمنية لحماية السفن التجارية ستكون نتائجها محدودة، فمرافقة السفن الحربية للسفن التجارية عملية مرهقة ومكلفة ماديا، وهي قد تحمي السفن التجارية من الاختطاف لكن لن تصد عنها الهجمات بواسطة الطائرات المسيرة أو الصواريخ قصيرة المدى أو الزوارق المفخخة.
ويزيد من حجم المعضلة أن مليشيا الحوثيين تُعد من الأطراف التي يمكن وصفها بأنها لا ترتدع، ولن تجدي معها الهجمات الانتقامية المحدودة، كونها مليشيا لا تبالي بالخسائر، وبنفس الوقت فقد اكتسبت خبرة كبيرة في إخفاء أسلحتها وانتشار مقاتليها في أوساط الأحياء السكنية واختفاء قياداتها في مبانٍ سكنية مجهولة وتنقلاتهم الدائمة في مبانٍ منهوبة، وأيضا زيادة المسافات بين مسلحيها المرابطين في الجبهات، بما يمكنها من امتصاص أي هجمات محدودة عليها والتقليل من حجم الخسائر التي ستنجم عنها.
ولذا فإن أي عمليات عسكرية انتقامية على أهداف للمليشيا الحوثية لن تكون مؤثرة كثيرا، ولن تبالي المليشيا بأي هجمات على المدنيين كما يفعل الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، وليس مستبعدا أن تلك المليشيا تتمنى أن تشن الولايات المتحدة أو الاحتلال الإسرائيلي هجمات على أهداف لها أو على أحياء سكنية في مدن تسيطر عليها، لتوهم المجتمع أنها في حالة حرب مع أمريكا وإسرائيل، واستثمار ذلك سياسيا، وتحويله إلى عصا غليظة في وجه المجتمع المتذمر منها والرافض لاستمرار سيطرتها على مساحات واسعة من البلاد، بالإضافة لشرعنة انقلابها على السلطة الشرعية، بتقديم نفسها كطرف مدافع عن قضايا الأمة.
- أين دور الإمارات والسعودية من الدور الإيراني؟
التهديدات الأمنية في البحر الأحمر حاليا مصدرها الحقيقي إيران، بينما الحوثيون مجرد وكيل منفذ لها وإن تذرعوا بأنها نصرة لفلسطين، وتنظر إيران بغبطة وسرور لمليشيا الحوثيين كوكيل مغامر لا يمكن ردعه ولا يبالي بالخسائر المحتملة، وبنفس الوقت بدت السعودية والإمارات عاجزتين عن فعل أي شيء إزاء تهديدات الحوثيين لأمن البحر الأحمر، بصرف النظر عن مدى فاعلية تلك التهديدات، لكنها تضع على المحك القواعد العسكرية التي أنشأتها الإمارات في بعض الجزر اليمنية بالقرب من مضيق باب المندب بذريعة حماية الملاحة الدولية، وأيضا تمركز قوات سعودية في أراضٍ يمنية مطلة على البحر العربي وخليج عدن.
لكن عندما حانت لحظة الاختبار الفعلي لصدق نوايا التحالف السعودي الإماراتي وتمركز قوات للدولتين في الجزر والسواحل اليمنية، لم تنفذ الدولتان أي إجراء يحفظ أمن البحر الأحمر. وفي حين تحاول السعودية تجنيب الحوثيين أي ردود أفعال انتقامية من جانب الولايات المتحدة ومطالبتها بـ"ضبط النفس"، فإن دولة الإمارات دفعت بأتباعها، المجلس الانتقالي ومكون طارق صالح، لتقديم أنفسهم لدى المجتمع الدولي بأنهم قادرون على حماية أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وما يحتاجونه هو الدعم العسكري وغيره.
والمسألة هنا تبدو ترويج سياسي متعمد لأتباع الإمارات وتقديمهم كطرف مناهض للحوثيين، وتعمد تغييب الحكومة اليمنية الشرعية، في محاولة لشطبها من التفاعلات المتعلقة بأزمة أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، وبالتالي شطبها من ترتيبات مستقبل البلاد، وهذا يخدم مشروع الإمارات في اليمن، وقد يثير مزيدا من التوترات بينها هي والسعودية، بينما تعد إيران الرابح الأكبر من تعميق الانقسامات وشطب الحكومة اليمنية الشرعية لتحل محلها المليشيات والمكونات غير القانونية.
وبنفس الوقت إذا كانت الإمارات والسعودية غير قادرتين على حفظ أمن البحر الأحمر، فكيف بأتباعهما في الداخل اليمني أن يتولوا تلك المهمة، بينما مصدر التهديد ما زال قائما، أي مليشيا الحوثيين، التي تسيطر على الأرض، ولديها صواريخ بالستية وطائرات مسيرة وزوارق مفخخة، وتتلقى الدعم اللوجستي من إيران، وترى في الأمر فرصة لا تعوض لتحقيق مكاسب سياسية في الداخل وحضور إعلامي إقليمي، واستغلال القضية الفلسطينية لتبييض صفحتها السوداء وسجلها الظلامي، وأيضا التشويش على وضعها كمليشيا انقلابية عنصرية، وتضليل الجماهير بشأن صراعها مع مختلف مكونات المجتمع اليمني.
- الضمان الوحيد لأمن البحر الأحمر
لم يظهر أي تهديد أمني من اليمن للبحر الأحمر وخليج عدن إلا عندما غابت الدولة وحضرت المليشيات والتشكيلات العسكرية المختلفة ذات الولاءات المتعددة بين إيران والسعودية والإمارات، وبالتالي فإنه لا يمكن حفظ أمن البحر الأحمر في الظروف الراهنة إلا باستعادة الدولة في اليمن، والقضاء على الانقلاب الحوثي، وتسليم أسلحة جميع المليشيات والتشكيلات العسكرية للدولة.
وما عدا ذلك فإن صراع إيران المفتوح مع جيرانها ومع المجتمع الدولي، واستمرار سيطرة الحوثيين على معظم محافظات شمال البلاد وانخراطها ضمن المحور الإيراني، سيجعلان التهديدات لأمن البحر الأحمر مفتوحة، حتى بعد انتهاء العدوان الصهيوني على قطاع غزة، إذ ستظل إيران تبتز المجتمع الدولي من خلال التهديدات المستمرة بإغلاق مضيق هرمز ومضيق باب المندب وخنق التجارة الدولية، كلما وصلت أزمتها مع المجتمع الدولي بشأن برنامجها النووي إلى طريق مسدود، ولن تتورع عن استهداف ناقلات النفط والسفن التجارية في البحر الأحمر عبر وكلائها الحوثيين كلما اقتضت الحاجة ذلك، كدليل على جدية تهديداتها.
وبصرف النظر عن القانون الدولي المتعلق بالملاحة الدولية والوضع القانوني للبحار والمحيطات والمضائق البحرية، يظل البحر الأحمر ملك أهله، أي الدول المشاطئة له، واستقرار هذه الدول هو الضمان الوحيد لأمن ذلك البحر الإستراتيجي، وفي مقدمتها اليمن، وقد ارتبطت التهديدات الأمنية فيه إما بصراع القوى الاستعمارية قديما أو بالتوترات الإقليمية حاليا، فضلا عن انهيار أو غياب الدولة في بعض البلدان المشاطئة له أو لمضيق باب المندب وخليج عدن، كالصومال واليمن.
فالقرصنة الصومالية ظهرت عندما كانت الدولة في الصومال ضعيفة للغاية، وتهديدات الحوثيين برزت بسبب فراغ الدولة/السلطة في اليمن، وكذا حرص إيران على استمرار سيطرة الحوثيين على مساحات واسعة من اليمن، لأن ذلك سيمنحها مركز صراع متقدم في منطقة شديدة الحساسية على صعيد الإستراتيجية الدولية، لقرب الحوثيين من مضيق باب المندب، وهو الممر الحيوي للتجارة الدولية، والورقة المؤثرة في الحسابات الدولية والإقليمية.
إن محاولات إيران مد نفوذها إلى مضيق باب المندب والبحر الأحمر، في سياق صراعها مع المجتمع الدولي وبعض دول الإقليم، يعيد التذكير بمرحلة حقبة الحرب الباردة عندما منح مضيق باب المندب الاتحاد السوفييتي ورقة مؤثرة في صراعه مع المعسكر الغربي بفضل تحالفه مع النظامين الماركسيين في جنوب اليمن وإثيوبيا، واللذين كان بقدرتهما خنق البحر الأحمر ومضيق باب المندب في حال طلب منهما الاتحاد السوفييتي ذلك.
وفي غضون ذلك، ازدادت حدة التهديدات الأمنية للبحر الأحمر، بعد أن برزت أهمية مضيق باب المندب على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي، وذلك عندما أغلق اليمن مضيق باب المندب أمام السفن الإسرائيلية أو المتجهة إلى إسرائيل أثناء حرب أكتوبر 1973، من خلال التنسيق مع جمهورية مصر، والسماح للقطع البحرية العسكرية المصرية بالتواجد في المضيق خلال الحرب وإغلاقه كعامل ضغط إضافي على إسرائيل وحلفائها.
وجراء ذلك، بدأ الكيان الصهيوني، بعد انتهاء الحرب، يهدد بالسيطرة على مضيق باب المندب والبحر الأحمر لتأمين حركة سفنه، ودفع ذلك الرئيس اليمني حينها، إبراهيم الحمدي، لمحاولة إنشاء كيان سياسي قادر على الدفاع عن مضيق باب المندب والبحر الأحمر، لكن التوجهات المتباينة لبعض دول المنطقة المطلة على البحر برزت كعوائق أمام توجهات الحمدي لحماية السيادة الإقليمية في البحر الأحمر من التهديدات الأجنبية.
واليوم، مع بروز تحديات جديدة عبر وكلاء إيران في اليمن، مليشيا الحوثيين، فالضمان الوحيد لأمن البحر الأحمر هو القضاء على مصدر التهديد، واستعادة الدولة في اليمن، وليس الإبقاء على مصدر التهديد، وتشكيل تحالفات دولية جديدة بذريعة حماية أمن البحر الأحمر، لا سيما أن إيران تخوض صراعا مفتوحا مع بعض دول المنطقة وبعض الدول الكبرى، وسيظل البحر الأحمر بؤرة توتر تؤرق المنطقة والعالم، حتى القضاء على الانقلاب الحوثي واستعادة الدولة في اليمن.



