تقارير
الابتزاز الإلكتروني.. حتى لا تكون أنت الضحية القادمة!!

تنامت بشكل لافت، وتحديدا خلال فترة الحرب في اليمن التي بدأت في مارس/آذار 2015، الجرائم الإلكترونية المختلفة، أبرزها: الابتزاز، وعمليات النصب والاحتيال المختلفة.
غالبا لم تظهر مثل تلك الجرائم إلى العلن، بسبب الكثير من الخطوط الحمراء التي يصعب تجاوزها في المجتمع اليمني، الذي يوصف ب"المحافظ"، والخوف من وصْم المجتمع لهم، ما أدى إلى استمرارها، خاصة في ظل غياب القانون والدولة.
أدت قضية عبدالله الأغبري، الذي قُتل نتيجة التعذيب، والتي أثيرت مؤخرا وما زال التحقيق فيها مستمرا، إلى ظهور الكثير من القصص المتعلقة بالابتزاز، وتم إغلاق بعض محلات صيانة الهواتف المحمولة المتورّطة بجرائم إلكترونية.
كما تزايدت الدعوات إلى التركيز على عمل محلات صيانة الهواتف وأصحاب شبكات الإنترنت، والتوعية بالمخاطر التي قد تلحق بالبعض إذا لم يقوموا بأخذ الاحتياطات اللازمة لتقليل فرص تعرضهم لأي ابتزاز، وضرورة قيام الأجهزة الأمنية بدورها في إيقاف تلك الممارسات.
فخ العصابات
يفتقر كثير من اليمنيين للثقافة الإلكترونية، لذلك وقع عدد منهم، من الجنسين، في فخ عصابات عديدة لجأت إلى العديد من الطرق للإيقاع بهم.
من بين الذين عانوا من ذلك، رقية (اسم مستعار حسب طلبها)، فقد تعرفت على شاب في مجموعة مختلطة ب"الفيسبوك" مخصصة للترفيه، وباسم الحب خاضت معه في أحاديث عديدة، ومع مرور الأيام طلب منها صورا لها فأرسلت له.
تذكر ل"بلقيس": "شعرت نحوه بالثقة، ظنا منّي بأني سأكمل معه ما تبقى من حياتي، لكن ما حدث أني وقعت في فخ عصابة كان عدد منهم أعضاء في تلك المجموعة".
اكتشفت رقية ذلك، بعد أن بدأ الشاب - الذي أرسلت له صورها- بتهديدها بإرسال تلك الصّور إلى أهلها، إن لم تعطه المال الذي طلبه، واستجابت لما يريد.
وعندما خسرت كل ما لديها، استعانت بشخص آخر في المجموعة، ووعدها بالمساعدة.
ما حدث -كما تفيد رقية- أن الشخص الآخر أخبرها أنه وصل إلى الذي يقوم بابتزازها وكسر هاتفه، وطلب منها مبلغا كبيرا من المال ليشتري له آخر، فوافقت، وعندما طلبت أن يثبت لها ذلك تهرّب.
شعرت رقية بأنها وقعت بفخ العصابة، وخشيت أن يتطّور الأمر أكثر، فأغلقت ذلك الموضوع بأن غيّرت رقم هاتفها، وأغلقت صفحتها في "الفيسبوك"، والآن تخاف أن يتم فتح ذلك الأمر مجددا من قِبلهم، وأن يصل الأمر إلى أهلها الذين لا يعلمون شيئا.
أما مها (اسم مستعار، حسب طلبها) فوصلها رابط من رقم غير محفوظ لديها، فقامت بالضغط عليه، وبعد وقت قصير، بدأ شخص آخر من رقم أمريكي مراسلتها.
تقول ل"بلقيس": "أرسل لي صورا من محادثاتي، وصورا شخصية كانت في هاتفي، وبدأ بطلب المال منّي، والتهديد بنشرها في صفحات الإنترنت، إن لم أفعل".
وتابعت: "كنت قد سمعت قصصاً مشابهة، لذلك لم أشعر بالخوف، خاصة أن الصور كانت عادية، وفورا قمت بتغيير رقم هاتفي، وحاولت التغلب على القلق الذي انتابني، ولم أخبر أحدا بذلك، لكن في حال تطور الأمر، سأتحدث مع خالي فهو أقرب إليَّ من أبي وإخوتي".
الفقر والجريمة
وبرزت الجرائم الإلكترونية بشكل خاص، خلال فترة الحرب في اليمن، ويفسر ذلك المتخصص بالأمن الرقمي، مختار عبدالمعزّ، بقوله: "ما يحدث هو ظاهرة دخيلة على المجتمع، بسبب الوضع الاقتصادي، وانقطاع رواتب الموظفين، وحالة الانقسام الحاصلة، ووجود حكومتين، فاقمها عدم وجود جهات أمنية تقوم بملاحقة المجرمين، ولا قانون ينظّم مواقع التواصل الاجتماعي"، مشيراً إلى تحول هذا الأمر إلى عادة لدى البعض.
وبحسب حديث عبدالمعزّ مع "بلقيس"، ركّز الذين يقومون بالجرائم الإلكترونية على المغتربين، الذين تضرر الكثير منهم، بعد تعرّضهم للابتزاز سواء باختراق هواتفهم أو ضغطهم على روابط غير آمنة أو فيديو وصور شخصية، ودفع بعضهم مبالغ وصلت إلى أكثر من مائة ألف دولار.
أما النساء فأكثرهن داخل البلاد، وقمن بدفع مبالغ كبيرة سواء ببيع ما يملكن من ذهب أو عن طريق لجوئهن إلى السرقة، وأخريات يذهبن وراء رغباتهم، ويستخدمن لابتزاز أشخاص آخرين، أو لممارسة الرذيلة، وفق عبدالمعز.
وحتى تستمر الضحية بالرضوخ لهم، يتم اختراق جهازها، والتوصل إلى معلومات شخصية عنها، كأرقام أهلها، ويتم تهديدها بهم.
وتعمل شبكات النّصب –كما يوضح عبدالمعز- على استدراج المرأة عن طريق قصص حب وزواج وسفر، فتتجاوب معهم، وحين تُرسل صورها، يبدأ ابتزازها، وإجبارها على ابتزاز آخرين.
ويذكر المختص بالأمن الرقمي أن بعض المواطنين يلجأون، بسبب حاجتهم إلى المال، إلى بيع هواتفهم أو أجهزة الكمبيوتر دون أن يعلموا خطورة ذلك، ثم تقوم شبكات النّصب باستعادة صورهم، والبدء بإرسالها لأصحاب الأجهزة وابتزازهم، فإضافة إلى المغتربين والنساء، يتم استهداف المشاهير، وأصحاب الأموال، ورجال الخير، ويقع البعض من كبار السن فريسة للشبكة دون أن يعلموا أن الفتاة الصغيرة التي تتعامل معهم هي طُعم للإيقاع بهم، حتى وإن كان دافعهم للتعارف معها هو الزواج.
حتى لا تصبح فريسة
وبسبب جهل الكثيرين بالجرائم الإلكترونية وطُرق تصيّدهم دون أن يعلموا، وجّه عبدالمعز عدّة نصائح، أبرزها: ضرورة رفع مستوى أمان حساباتهم الخاصة، والتحقق بخطوتين، والتأكد أن رقم الهاتف باسمهم ويعمل، وأن الإيميل (البريد الإلكتروني) ما زال يتبعهم، ومفعّل به "التحقق بخطوتين".
وأكد على ضرورة عدم قبول إضافة أسماء أشخاص غير معروفين، خاصة الحسابات التي بأسماء نساء، وعدم التجاوب مع أي رسائل أو أشخاص غير معروفين، فضلا عن عدم التعامل مع أي دعوات من الأصدقاء، مثل: طلب تصويت، أو المشاركة بمسابقات، كون حساباتهم قد تكون تعرّضت للاختراق، ويتم إرسال روابط ملغومة لهم.
وحذّر عبدالمعز من خطورة بيع أجهزة الكمبيوتر، وإن حدث فيكون بدون "الهارد" الذي يحتوي على كل البيانات والملفات، ويتم تشفير بياناته والاحتفاظ به، وكذلك التوقف نهائيا عن بيع الهواتف النقالة مهما كانت الحاجة إلى المال، لأنه يمكن استعادة البيانات منهم، وكذا الابتعاد عن شراء الجوالات التي بها ذاكرة خارجية، إذ أن ضياعه يمكن أن يجعل صاحبه عرضة للابتزاز، إذا تمت استعادة الملفات منها.
كما نصح بالتأكد من ضبط المزامنة في الأجهزة، وجعلها مقتصرة على أسماء جهات الاتصال فقط، إن كانت هناك حاجة لذلك، كون مزامنة التطبيقات الأخرى والصور وغيره، يعني أن مخترق الإيميل المرتبط بالجهاز يمكنه الوصول إلى كل ذلك.
ولكل من يقع فريسة لشبكات النصب، ينصحهم عبدالمعز بعدم الخضوع لهم أو تحديهم، والقيام على الفور بتغيير الجهاز والحسابات في مواقع التواصل الاجتماعي، والبقاء لبضعة أشهر بعيدا عنها، ثم الظهور بهوية جديدة، بحيث يتم إغلاق أي باب للتواصل بين الطرفين، مقترحا إبلاغ أقرب قسم شرطة، أو أحد الأقارب بما حدث.
وللحد من استمرار الجرائم الإلكترونية وإيقافها، يدعو المختص بالأمن الرقمي، في ختام حديثه، إلى تفعيل قانون ذلك النوع من الجرائم وتجريمها، وعدم التهاون بأي حوادث تقع، فضلا عن وجود رادع قانوني يحمي الجميع.
ويبذل كثير من الناشطين والمختصين بالأمن الرقمي جهودا حثيثة لحل كثير من قضايا الابتزاز، وتوعية اليمنيين حتى لا يكونون ضحية للعصابات التي تقوم باصطياد الكثيرين، وتم إغلاق عدد من الصفحات والحسابات التي تقوم بنشر صور الفتيات، ويبدو أن وعي الأهالي يتزايد، ما يعني أن فُرص صمت الأبناء -إذا ما واجهوا مشكلة من هذا النوع- لن تكون كبيرة، وسيصارحون آباءهم حتى لا يصبحون الفريسة القادمة.



