تقارير
الاحتجاجات الشعبية.. هل تندلع ثورة جياع في اليمن؟

قناة بلقيس - خاص - عبد السلام قائد
في مشهد يُذكِّر بالاحتجاجات الشعبية التي شهدتها عدد من المدن اليمنية في أكتوبر 2018، بعد دعوات لثورة جياع ضد الحوثيين والتحالف السعودي الإماراتي والحكومة الشرعية، اندلعت خلال الأيام الأخيرة احتجاجات شعبية في محافظات عدن وحضرموت وتعز، تنديدا بتدهور الأوضاع الاقتصادية وتردي الخدمات العامة وارتفاع الأسعار جراء التدهور غير المسبوق في تاريخ العملة المحلية، حيث بلغ سعر صرف الدولار الأمريكي الواحد أكثر من ألف ريال يمني، وسط تفاقم معاناة المواطنين وتدهور الأوضاع المعيشية، وانخفاض قيمة رواتب كثير من الموظفين إلى أقل من مئة دولار.
يعد تدهور الأوضاع المعيشية من أبرز مآسي الحرب في اليمن وطول أمدها، ولا توجد إحصائيات دقيقة حول نسبة من يحتاجون إلى مساعدات غذائية عاجلة أو من يعيشون تحت خط الفقر، يضاف إلى ذلك غياب العدالة في توزيع المساعدات الإنسانية ووصولها إلى مستحقيها، وانعدام فرص العمل، وتفشي ظاهرة الفقر والجوع على نطاق واسع، وسط غياب شبه تام للسلطة الشرعية وسلطات الأمر الواقع (المليشيات) التي تسيطر على عدد من المدن، والتي تحولت إلى أعباء إضافية على المواطنين، فهي لم تكتفِ بتخليها عن مسؤوليتها الاجتماعية كسلطات أمر واقع، وإنما تحولت إلى كابوس إضافي يقض مضاجع المواطنين، جراء ما تمارسه من أعمال نهب وبلطجة وقمع أمني واستيلاء على الممتلكات العامة والخاصة، يستوي في ذلك مليشيات المجلس الانتقالي الجنوبي ومليشيات الحوثيين.
- هل تخلط الاحتجاجات الأوراق؟
بعد اندلاع الاحتجاجات والتظاهرات الأخيرة في عدن وحضرموت وتعز، أعرب سفراء أمريكا وبريطانيا والسعودية والإمارات عن قلقهم بشأن انخفاض قيمة الريال اليمني وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتأثير ذلك على الاقتصاد والوضع الإنساني. ودعا السفراء الأربعة، خلال لقائهم في العاصمة السعودية الرياض، الخميس الماضي، الحكومة اليمنية إلى اتخاذ الخطوات الضرورية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وأكدوا تقديم الدعم للحكومة اليمنية، داعين إلى تنفيذ اتفاق الرياض وعودة الحكومة إلى عدن والالتزام بالحل السياسي.
يعكس اجتماع سفراء الدول الأربع الفاعلة في الملف اليمني، أمريكا وبريطانيا والسعودية والإمارات، مخاوف حقيقية من اندلاع ثورة جياع تشمل كل المحافظات اليمنية، وخلق واقع جديد من شأنه خلط الأوراق وتحييد دور العامل الخارجي في الأزمة اليمنية أو تعطيله، وإفشال الخطط والسيناريوهات المرسومة لخارطة الصراع ومستقبله ومآلاته في البلاد، والمخاوف من احتمالات تأثير ذلك على حكومات عدة في المنطقة، خصوصا أن المخاوف التي أثارتها ثورات الربيع العربي ما تزال كامنة، وما يزال تعامل الحكومات المعادية لثورات الربيع العربي إزاء أي حدث في المنطقة ينطلق من تلك المخاوف.
هذه المخاوف سبقتها مخاوف مماثلة بعد اندلاع احتجاجات شعبية في أكتوبر 2018، وسط دعوات لإعلان ثورة جياع ضد التحالف السعودي الإماراتي ومليشيات الحوثي والحكومة الشرعية، وفي حين واجهت مليشيات الحوثي تلك الاحتجاجات في العاصمة صنعاء التي تسيطر عليها بانتشار مسلحيها بكثافة في أمانة العاصمة، واختطاف بعض المتظاهرين وسجنهم، فإن السعودية خففت من شروط السحب من الوديعة التي قدمتها للحكومة اليمنية في بداية العام 2018، والمقدرة بملياري دولار، وقد اندلعت تلك الاحتجاجات بعد ارتفاع سعر صرف الدولار إلى أكثر من 800 ريال يمني، وكان لتخفيف قيود السحب من الوديعة السعودية دور في إحداث تحسن محدود في قيمة العملة المحلية ولمدة مؤقتة، لكن ذلك الحل كان مسكنا مؤقتا لأزمة معقدة تتفاقم يوما بعد يوم حتى وصلت ذروتها خلال الأيام الأخيرة.
- دلالات الاحتجاجات ومدى تأثيرها
إذا كانت الاحتجاجات الأخيرة في عدن وحضرموت وتعز محدودة ولا ترقى مستوى إلى ثورة جياع، لكن ما اكتسبته من زخم وردود أفعال وقمع أمني يكشف أن ثمة مخاوف لدى العديد من الأطراف من إمكانية توسع تلك الاحتجاجات وتمددها في مختلف المحافظات، كما أن طريقة تعاطي ما يسمى المجلس الانتقالي الجنوبي مع الاحتجاجات، ومحاولة تجييرها لصالحه، وردود فعل الجماهير الساخطة، وفشل إعلانه حالة الطوارئ في المحافظات الجنوبية التي لم يسيطر على معظمها، كل ذلك قزّم "الانتقالي" وأظهر هشاشته، كونه لا يفتقد للتأييد الشعبي فقط، وإنما يفتقد للحاضنة الاجتماعية ويفتقد احتكار تمثيل الجنوب ويتحمّل الجزء الأكبر مما آلت إليه الأوضاع في المحافظات المحررة، خصوصا ما يتعلق بتدهور الخدمات العامة وانهيار العملة المحلية وتحوله إلى أداة طيعة بيد دولة الإمارات لتنفيذ أجندتها في اليمن.
وأظهرت الاحتجاجات أن الشعب هو صاحب القرار فيما يتعلق بتقرير مآل الصراع في البلاد، وبمجرد أن يتململ ويبدأ في التعبير عن سخطه تشعر الأطراف التي تتاجر بمعاناة الشعب بالتقزم والضعف وتصاب بالذعر، فتهرع إلى محاولة قمع الاحتجاجات أو تجييرها لصالحها وركوب موجتها، بينما تهرع أطراف أخرى ذات تأثير في الشأن اليمني إلى وضع حلول ليست سوى "مسكنات" للأزمة لامتصاص الغضب الشعبي وتخديره بحلول جزئية مؤقتة، حتى لا تتضرر خططها الهادفة إلى إنهاك البلاد في حروب وانقسامات لا نهاية لها، لكن توالي الاحتجاجات من شأنه إعادة ضبط بوصلة الصراع في اليمن، وإحباط بعض الخطط الهادفة إلى تمرير سيناريوهات خبيثة من قبل أطراف محلية وأجنبية ترى أن استمرار مصالحها يكمن في تمزيق البلاد وإفقار الشعب وتجويعه.
- تراكم الغضب وفشل الحلول الترقيعية
تراهن الأطراف المحلية والأجنبية المتآمرة على وحدة اليمن وأمنه واستقراره وسيادته على محدودية الغضب الشعبي وعدم وصوله إلى مرحلة الثورة الشاملة التي تقتلع كل من كان سببا في وصول الأوضاع في البلاد إلى ما هي عليه، لكن تلك الرهانات تعكس تقديرات خاطئة للمزاج الشعبي ومدى السخط والغضب الذي يزداد كل يوم، كما أن الحلول الترقيعية للأزمة المعيشية لا يمكنها تخدير حالة الغضب العام وبقاء الأوضاع هكذا إلى ما لا نهاية، وكل ما ينقص الشعب هو ظهور قيادة جديدة من بين صفوفه تعبر عن معاناته وتقوده بشكل منظم للخلاص من بؤس الواقع المر الذي يكتوي به منذ سنوات.
وتفيد دروس وحقائق التاريخ أن الثورات الشعبية لا تندلع فجأة بدون مقدمات ومسببات، وإنما تندلع بعد تراكم مسبباتها، وتراكم الغضب الشعبي إزاء الواقع المر الذي يكتوي به من قبل سلطات لا تؤدي وظيفتها الاجتماعية كما يجب، وبالتالي، فإن الاحتجاجات التي تشهدها بعض المدن اليمنية تعد إنذارا لمن تسببوا بالواقع المر الذي يعيشه المواطن، وتعد مؤشرا على اندلاع ثورة جياع في حال تراكم السخط الشعبي، وتراكمت الأزمات التي تعصف بالمواطنين، وازداد تعنت الأطراف المختلفة التي كانت سببا في تفاقم معاناة المواطنين، خصوصا التحالف السعودي الإماراتي والمليشيات الانقلابية كسلطات أمر واقع في صنعاء وعدن.



