تقارير
الأرز المطحون.. الهروب من شبح الجوع

انهيار اقتصادي، ومجاعة تلتهم الطبقة الدُّنيا والمتوسطة مع ارتفاع سعر العملات الأجنبية بشكل مستمر، جعل المواطنين في المناطق التابعة للحكومة الشرعية يبحثون عن حلول ووسائل تبقيهم على قيد الحياة، وابتكر الناس في أرياف تعز "طحن الأرز" الأمريكي، خاصة المقدّم ضمن المساعدات الغذائية.
علي عبدالله -أب لسبعة أبناء وعاطل عن العمل- لا يمتلك سوى أراضٍ زراعية محدودة في مديرية 'جبل حبشي'، لا تدرُ عليه إلا القليل الذي لا يغطي الجزء اليسير من احتياجات عائلته.
صار طحين الأرز، وخلطه مع القمح، روتيناً شهرياً لدى عبدالله، لجعل شوالة الدقيق تغطي أياما كثيرة لعائلته التي توشك أن تنجرف إلى هاوية الفقر، وتعجز عن سد جوعها.
يستلم عبدالله مساعدات غذائية من المنظّمات الدولية، لكنّها لا تغطي الشهر كاملاً، ويشتري ما ينقص الأسرة من السوق، إلا أن ارتفاع سعر القمح إلى أكثر من 40 ألف ريال جعله لا يستطيع توفير النَّقص، ويلجأ إلى الأرز المطحون.
يقول عبدالله لـ"بلقيس": "لولا الدعم المقدَّم من المنظّمات الإنسانية لكنت وكثير من الناس غيري نموت من الجوع منذ سنوات"
موظفون يشكون
يسخر التربوي عبدالجليل قاسم من الوضع الذي وصل إليه الناس، حتى ابتكروا خلط الأرز المطحون بالدقيق، وصارت ظاهرة يقوم بها والآخرون بدافع الحاجة الماسّة التي دفعتهم إلى البحث عن وسائل تبعِدهم عن المجاعة.
ويشكو قاسم من استبعاد الموظفين من المساعدات الإنسانية المقدّمة من برنامج الغذاء العالمي، ويرى أنهم كالبقية مهددون بالمجاعة في ظل تدهور الاقتصاد الوطني بشكل غير مسبوق.
المرتّبات بقيت ثابتة فيما أسعار السلع الغذائية ارتفعت إلى أضعاف مضاعفة، ولم يعد الموظف قادراً على مواجهة الاحتياجات، والسبعين الألف لا يستطيع بها شراء غير كيس قمح واحد - بحسب ما يقوله قاسم لـ"بلقيس".
ويضيف: "انتشار ظاهرة شراء الرز المطحون دليل واضح على مجاعة جماعية وشيكة، ستلتهم معظم اليمنيين، والغريب صمت ولا مبالاة الحكومة اليمنية أمام هذا الانهيار".
المجاعة تجتاح الجميع
أسعار الأرز المطحون ليست رخيصة، وصار سعر الكيس بـ19 ألف ريال بعد أن كان بـ17 ألفاً، نتيجة الإقبال المتزايد عليه من المواطنين.
لم يكن الناس في الأوضاع الطبيعية يقبلون بخلط الأرز بالدقيق، ولم يفكروا به، إلا أن الحاجة أم الاختراع، كما ترى آسيا- ربة بيت.
تؤكد لـ"بلقيس" أن الناس اعتادوا على هذا الواقع، وتقبلوا مذاق الخبز المخلوط المعد في تناوير الحطب أو العصيد.
الأمم المتحدة أكدت -في السنوات السابقة- أن اليمن يعيش "أسوأ مجاعة في التاريخ المعاصر"، بعد أن وصل الفقر إلى 80% من المواطنين، إلا أن هذه المؤشرات ارتفعت إلى مستوى قياسي هذا العام مع استمرار تردي الأوضاع المعيشية، وصارت النسبة أكبر مما كانت عليه.
الخوف من المجاعة جعل الناس يقبلون على أي وسائل تجعلهم يتمسكون بالحياة، وكان طحين الأرز واحدا من تلك الحلول، إلا أن هذه الطريقة لن تصمد طويلاً في أوضاع اقتصادية تنهار بشكل متواصل.
صارت المعاناة تمسّ معيشة كل الناس، وحتى التجار تضرروا، وعجز الكثير منهم عن الصمود، واضطروا إلى إغلاق متاجرهم حتى إشعار آخر، وأعلن بعضهم الإفلاس، كما يؤكد التاجر محمد علي.
عجز حكومي
وسط هذا الانهيار، تقف الحكومة الشرعية عاجزة عن وضع حلول ومعالجات لتدهور أسعار صرف الريال اليمني أمام العملات الأجنبية، ولم يضع البنك المركزي اليمني في عدن إجراءات جديّة لمواجهة التحدّيات الاقتصادية، مما جعل الناس يخرجون بتظاهرات في المدن التابعة للحكومة، لإسماع الجهات الرسمية أصواتهم ومعاناتهم، وحثها على إنقاذهم من المجاعة المحدقة.
وعلى الرغم من أن البنك المركزي أصدر وعوداً متكررة لوضع معالجات كان آخرها بيع العملات الأجنبية إلكترونياً، إلا أن تلك التدخلات باءت بالفشل، فأصدر رئيس الجمهورية قراراً بتعيين محافظٍ وهيئة إدارية للبنك المركزي.
مراقبون اقتصاديون يرون أن تغيير قيادة البنك ليس كافيا لتعافي الاقتصاد المحلي وتحسّن سعر الصرف، إذا لم تتبعه إجراءات صارمة لمحاربة الفساد، ورفد البنك بالعملات الأجنبية، وتحريك عجلة الاقتصاد.



