تقارير
الألغام كأخطر كوارث الحرب في اليمن.. من يوقف شبح الموت اليومي وحصد أرواح المدنيين؟

بشكل يومي لا تزال الألغام التي زرعتها مليشيا الحوثي في جنبات الطرق تحصد أرواح اليمنيين لتشكل بذلك واحدة من أكثر كوارث الحرب المستمرة منذ أكثر من ٨ أعوام.
وينص القانون الدولي الإنساني في مادته 83 على أن الألغام تجب إزالتها من قبل طرفي أي نزاع عند انتهاء الأعمال العدائية الفعلية، لكن في اليمن.
تقول راوية سومان، وهي مواطنة يمنية: "فجأة اهتزت الدنيا، ورفعني الانفجار في الهواء"، مضيفة "حاولت التمسك بكومة تراب، لكنني سقطت أرضا".
عبد الواحد الوافي، طفل يمني، فيقول: "ذات يوم، كنت أسير بأمان في القرية بجانب المزرعة، ولم أكن أعلم أنهم زرعوا ألغاما، فقدتُ قدمي اليمنى ويدي الاثنتين، وأصيب رأسي".
ومنذ ما يقارب عقدا كاملا من الزمن تحول اليمن إلى ساحة اقتتال، في حرب صنفتها الأمم المتحدة من بين أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. لكن ضحايا هذه الحرب، لم يقتصروا على قتلى ومصابي المعارك المسلحة وحسب، إذ يحوم شبح الموت فوق الأراضي والبيوت.
انتشار الموت
تفيد مؤسسة كارنيغي الأميركية للسلام الدولي في تقرير أنه "نتيجة لاستمرار الصراع بين جماعة الحوثي والحكومة زرع عدد كبير من الألغام في مناطق الاشتباك".
ويضيف التقرير أنه "للأسف، ما من خرائط واضحة تظهر مناطق زراعتها، ما يجعل محاولة نزعها في المستقبل أمرا غاية في الصعوبة".
ويعد اليمن الآن، من أكثر الدول المزروعة بالألغام المحظورة عالميا، بحسب التقرير ذاته.
ويقول سليم علاو، من الهيئة الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات: "نحتاج على الأقل من خمس إلى سبع سنوات من العمل المتواصل، بناءً على الأرقام لدينا، التي تشير إلى زراعة أكثر من مليوني لغم".
وتقول نيكو جافارنيا، باحثة اليمن في منظمة هيومن رايتس ووتش: "غالبا، وفي أثناء انسحابهم من خط المواجهة، كان الحوثيون يطوقون بعض المناطق تماما بالألغام الأرضية قبل مغادرتها".
وتوثق التقارير أعداد ضحايا الانتشار الكبير للألغام بينها التحالف اليمني لرصد انتهاكات حقوق الإنسان الذي وثق سقوط أكثر مِن 1929 قتيلا مدنيا خلالِ ست سنوات، بينَهم 357 طِفلا، و146 امرأة، كما وثق إعاقة وتشويه أكثر مِن 2242 مدنيا، و519 طِفلا، و167 امرأة في الفترة ذاتها بسبب استخدام الألغام المضادةِ للأفراد، أو المضادة للمركبات.
وعلى مدى ما يقارب عشرة أعوام من الاقتتال، اقتنصت الألغام ومخلفات الحرب ضحاياها من دون تفرقة.
يقول أحمد المروي، مواطن يمني، جاء أحد أصدقائي وقال: "ثبِّتْ قلبك"، قلتُ "كيف؟"، قال: "اتق الله"، قلت "لا إله إلا الله"، قال: "أحد أبنائك انفجر فيه لغم".
ويضيف المروي " لففت قطعا من جسده ببطانية وحملتها إلى المباحث الجنائية للتحقيق فيها، لم أغسله ولم أضعه في كفن، دفنت قطعا منه في كيس بلاستيكي".
وبينما لم تكتب الحياة لمراد المروي، نجا عبد الواحد الوافي من الموت قبل سبع سنوات في حادث مماثل بمدينة نهم، شرق صنعاء.
نجا الوافي، وهو طفل يمني، لكن إعاقة جسدية سترافقه إلى الأبد، يقول: "أرى الأطفال يلعبون وأتمنى اللعب معهم، لكن هذا صعب، أكثر ما أعانيه هو بسبب أطرافي العلوية، حين أحاول فتح عبوة مياه، لا أستطيع، الكتابة أيضا، إذا أردت قيادة سيارة، فلن أستطيع، أعاني صعوبة في الأكل والشرب، وفي الإمساك بأي شيء، وأواجه مشكلة، في المشي وارتداء الملابس".
والخطر القابع تحت التراب لم يصب المئات من الأطفال فحسب، بل استهدف النساء كذلك، خصوصا مع انتشار الألغام في مناطق حيوية، يتردد عليها المدنيون بانتظام.
تقول راوية سومان، وهي مواطنة يمنية: "ذهبتُ أنا ومجموعة من النساء إلى البيوت بجانب المزارع للاطمئنان على ممتلكاتنا وأغنامنا، ومعاينة الأماكن التي اعتدنا جلب الماء منها، وحين وصلنا إلى هناك، رأينا أجساما غريبة تشبه الإطارات، لم نعرف حقيقة تلك الأجسام كان هناك قنص وإطلاق نار، عدنا في اتجاه بيوتنا من الطريق حيث مجاري السيل، ولم نكن نعلم أن الألغام مزروعة تحت التراب لم نرها".
ووفقا لمشروع رصد الأثر المدني في اليمن التابع للأمم المتحدة، قتل وأصيب ما يقارب 2500 مدنيا نتيجة انفجار ألغام أرضية وبحرية، وعبوات ناسفة، وذخائر من مخلفات المعارك، في الفترة بين مطلع عام 2018 وأبريل 2023.
وبحسب تقرير الأمم المتحدة، فإنه منذ انطلاق المشروع، عامَ 2017، أُجريت عمليات مسح وتطهير للأراضي في 21 محافظة و233 مديرية، وطُهّر أكثر من 23 مليون متر مربع من الأراضي، وأزيل ما يقارب 635 ألف قطعة من الذخائر المتفجرة.
بالتوازي مع الجهود الأممية، ومع أنها طرف في النزاع، أطلقت السعودية مشروع "مسام" لإزالة الألغام في اليمن.
وفي تقرير لها، قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية: "قد تكون السعودية حريصة على لفت الانتباه إلى ألغام الحوثيين، ربما لصرف الانتباه عن الاتهامات لها وللإمارات العربية المتحدة بارتكاب جرائم حرب، ومسؤوليتهما عن مقتل مئات المدنيين، في غارات جوية انتقامية، واستخدام مفرط للذخائر العنقودية".
جهود إزالة الألغام
على الرغم من استمرار العمل لتطهير الأرض من الألغام، تبدو المهمة أكثر تعقيدا وصعوبة، إذ دار قتال عشوائي لم يُلتزم خلاله بأي من قوانين الحروب.
يقول ليون لوي، كبير مستشاري مكافحة الألغام لبعثة الأمم المتحدة، إن "الألغام تنتشر في أنحاء اليمن، وتظهر سجلاتنا أنها ليست مزروعة وفقًا لأنماط محددة وبالتالي لا تتوافر خرائط محددة لمواقعها".
وبسبب الوضع الأمني نكافح للحصول على خرائط ومعلومات دقيقة من الطرفين المتحاربين، تظهر أماكن تواسع الألغام.
عوامل أخرى
فضلا عن ذلك، ساهمت عوامل طبيعية في اتساع رقعة تواجد الألغام، ما صعب رصدها وإزالتها.
ويقول تقرير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، إنه يمكن للأعاصير والفيضانات وغيرها من الكوارث الطبيعية أن تغير مواقع الألغام الأساسية، ونتيجة لذلك، قد نجدها على طول الطرق الرئيسة وفي ساحات القتال، فضلاً عن المنازل والآبار، والمراحيض كذلك.
يقول ليون لوي، كبير مستشاري مكافحة الألغام التابعين لبعثة الأمم المتحدة، "أتوقع بقاءنا في اليمن عقودا، قبل أن نتمكن من إعلان أن هذا البلد آمن من جميع أنواع الألغام ومخلفات الحرب القابلة للانفجار".
في أنحاء اليمن، تكتظ مراكز العلاج بالمصابين، بينهم أطفال ونساء وشيوخ، أتوا بحثا عن أطراف صناعية علها تكون بديلا لما فقدوه، فـ 75 في المئة من ضحايا الألغام، باتوا من ذوي الإعاقة أو مشوهين بشكل دائم.
يقول محمد جياش، نائب رئيس مركز الأطراف الصناعية في صنعاء: "لدينا زيادة غير طبيعية للحالات في المركز، هناك زيادة في عدد الحالات تقارب 300 في المئة، وذلك بسبب الحرب في اليمن، وبعضها ناتج عن مخلفات الحرب، والألغام الأرضية والانفجارات.
وزادت حوادث الألغام بعد توقيع اتفاق الهدنة الأممية بين الحكومة اليمنية والحوثيين ثمانية أضعاف، لأن مدنيين كثيرين سمعوا بأن هناك هدنة، وأن الحرب توقفت نوعا ما، ليعودوا إلى ديارهم، لكنهم فوجئوا بالألغام المزروعة بكثافة، ما ساهم في ارتفاع عدد الضحايا.
ووفق تقرير منظمة "أنقذوا الأطفال" الحقوقية، قُتل أو أصيب طفل واحد في المتوسط كل يومين في اليمن، خلال عام 2022، بسبب الألغام الأرضية، أو غيرها من العبوات الناسفة، وهو أعلى معدل منذ خمس سنوات.
يأمل اليمنيون أن تزال الألغام التي لا تزال تحصد الأرواح. تقول اليمنية، راوية سومان: "تمنيتُ الموت بدلا من المعاناة، أصبحت معاقة، وفقدت إخواني وأبي".
أما الطفل عبد الواحد، فيتمنى أن تتوقف الحرب، ويطالب المنظمات، والدولة بنزع الألغام، كي لا يقع أطفال آخرون ضحايا.



