تقارير
"التطبيع".. الجواد الخاسر الذي يراهن عليه الانتقالي

يُبدي ما يُعرف ب"الانتقالي الجنوبي" صراحة استعداده لإعلان التطبيع مع الكيان الصهيوني (إسرائيل)، وجاءت آخر تصريحات قياداته بذلك الشأن على لسان رئيس المجلس عيدالروس الزبيدي، مطلع الشهر الجاري.
مغريات كثيرة تحصل عليها الدول التي توافق على 'التطبيع'، مثلما حدث للمغرب والسودان، وعلى هذا الوتر يلعب الانتقالي كما يبدو، سعيا لتحقيق هدفهم المتمثل باستعادة الجنوب.
تُعد اليمن ذات موقع استراتيجي مهم، كونها إحدى الدول المشرفة على مضيق 'باب المندب'، ولأنها مطلة –أيضا- على 'البحر الأحمر' و'خليج عدن' و'بحر العرب'، ولذلك قد يكون الانتقالي طرفا مغريا بالنسبة ل'تل أبيب'، لوجوده في عدن القريبة من المضيق، لكن الأهم بالنسبة لها هو سيطرة الإمارات على محافظة 'أرخبيل سقطرى'.
فقد كشفت تقارير مختلفة، مؤخرا، عن توجه "إسرائيل" نحو بناء قاعدة استخباراتية في سقطرى، بالتعاون مع الإمارات التي كانت أول دولة عربية تعلن التطبيع معها.
أوهام الانتقالي
يرحّب الانتقالي بموجة التطبيع الحاصلة في المنطقة، ويؤكد رئيس المجلس أنهم سيقومون بذلك أيضا، ولكن بعد استعادة ما يسميه "دولة الجنوب".
وعن ذلك، يقول المحلل السياسي عبدالناصر المودع إن الانتقالي يتوهّم أن إعلانه التطبيع مع 'إسرائيل' سيساعده في الوصول إلى أمريكا والدول الغربية، مشيرا كذلك إلى أنهم بمواقفهم تلك يريدون أن يتماهوا مع موقف الإمارات التي ترعاهم وتموّلهم.
غير أن تلك التصريحات –كما يفيد ل"بلقيس"- لن تكون لها أي أهمية لدى الولايات المتحدة أو الدول الغربية؛ ويرجع السبب إلى أنها تدرك أن الانتقالي ليس إلا أحد الأطراف اليمنية الممولة من الخارج.
وحتى الإسرائيليون -يؤكد المودع- أنهم لن يهتموا لهذه التصريحات، فالزبيدي والمجلس الانتقالي لديهم دولة افتراضية، لا وجود لها على الأرض (يقصد دولة الجنوب التي يسعون إليها)، و'إسرائيل' لن تهتم بإقامة علاقة معهم، لكنه لا يستبعد أن تقوم 'تل أبيب' بتوظيفهم كعملاء يقدمون المعلومات في أحسن الأحوال.
ويوضح المحلل السياسي اليمني أن "الزبيدي والمجلس الانتقالي ليسوا مثل أكراد العراق مثلا، حيث لإسرائيل اهتمامات بشؤون العراق وإيران، ومن ثم عملت على التعاون معهم، كما أنهم كانوا يسيطرون فعليا على مناطقهم بقواهم الذاتية إلى حد كبير، أما المجلس الانتقالي فغير مسيطر فعليا إلا على مناطق محدودة في اليمن، ويعتمد بشكل كامل على الدعم الخارجي".
رهان خاسر
مع كل ذلك الاهتمام بالتطبيع الذي يحرص عليه الانتقالي في خطاباته المتكررة، بدءا من منتصف العام الفائت، برغم أن هذا موضوع يعد من الأمور الحساسة بالنسبة لكثير من الشعوب العربية من بينها اليمن، إلا أن الحديث عنه من قِبل المجلس يبدو للصحفي كمال السلامي لا قيمة له.
يبرر حديثه ذلك بقوله ل"بلقيس": "تصريحات الزبيدي هي محاولة للّعب على ورقة التطبيع علّ وعسى يحصلون على دعم هذه الدولة أو تلك، وهو ليس أكثر من مسايرة لموجة التطبيع الحاصلة".
اهتمام 'إسرائيلي' باليمن
بقيت عين 'إسرائيل'، طوال فترة الحرب، مفتوحة على اليمن، تراقب ما يحدث فيها بصمت، وأقامت مرصدا في إرتيريا لمراقبة قوات التحالف العربي، لكنها مؤخرا أصبحت تُبدي مخاوفها بشكل أكبر -عبر صحفها المختلفة- من جماعة الحوثي، خشية أن تتمكن ذات يوم من استهداف مُدنها.
وفي الصعيد ذاته، يذكر الصحفي السلامي أن الاهتمام 'الإسرائيلي' بالملف اليمني له علاقة بالنفوذ الإيراني بالمنطقة، فهي تعتقد أن ذلك يشكل خطرا على مصالحها التجارية والبحرية.
وبسبب تحول اليمن، بسبب استمرار الحرب وفشل التحالف في تحقيق أهدافه، إلى ساحة مفتوحة للاعبين الدوليين، يرى السلامي أن 'إسرائيل' لن تفوّت فرصة ممارسة دورٍ ما في بلادنا، تحت يافطة مواجهة نفوذ إيران، متوقعا أن لا يأخذ ذلك شكلا ماديا، بل سيقتصر -إن وُجد- على الجانب الاستخباراتي، ويعزز ذلك بعض الأحاديث في وسائل الإعلام عن تحركات 'تل أبيب' في سقطرى.
ومن وجهة نظره، لا يملك الانتقالي أي حق في التطبيع من عدمه، حتى 'إسرائيل' لن تهتم بتصريحات طرف لن يحقق لها ما تصبو إليه.
انتقادات وثغرات
قوبلت تصريحات الزبيدي الأخيرة بانتقادات كثيرة، أبرزها الصادرة من المجلس الأعلى للحراك الجنوبي، الذي اعتبر تطبيع الانتقالي مع إسرائيل نوعا من الغرور السياسي الهزيل، بل والغباء السياسي، مؤكدا أنه لا يمثل شعب الجنوب ولا المكونات السياسية هناك. كما سبق وأن جددت الحكومة اليمنية تأكيدها على ثبات موقفها من القضية الفلسطينية.
الحوثيون من جهتهم ركبوا الموجة، فبحسب وكالة "سبأ" التابعة للجماعة، قال محافظ لحج أحمد جريب إن تلويح الانتقالي بالتطبيع يأتي من أصوات لا تمثل أبناء الجنوب، وإنما تعبّر عن مدى السقوط الأخلاقي والقيمي لتلك الأدوات، وفق تعبيره.
ويجزم من جانبه الصحفي السلامي أن مجازفة الانتقالي، التي أطلقها قادة المجلس بينهم الزبيدي، ستؤثر على شعبيته في الأوساط الجنوبية، كما أنها ستفيد الحوثيين في توظيفها لتجييش اليمنيين، خصوصا مع صمت الشرعية على تلك التصريحات التي أطلقها الانتقالي الذي أصبح شريكها بموجب 'اتفاق الرياض'.
وتشهد المنطقة العربية موجة تطبيع، بدأت من الإمارات، وتلتها دول أخرى أغلبها خليجية، وتتجه الأنظار نحو السعودية، التي قال رئيس المخابرات 'الإسرائيلي' (الموساد)، يوسي كوهين، في تصريحات تلفزيونية، إنها في طريقها للتطبيع.



