تقارير
التعليم الجامعي.. حلم لا تبلغه فتيات الريف في اليمن

ما تزال الشابة العشرينية "أصال" تحلم بالالتحاق بالتعليم الجامعي، على الرغم من مرور خمس سنوات على تخرّجها من الثانوية العامة، وفشل كل محاولات إقناع أهلها، وتوسلاتها التي لم تلقَ سوى آذان صماء، وطرق مسدودة.
حياة "أصال" في قرية ريفية بضواحي مدينة تعز سبب حظها العاثر، وضياع حلمها، فليس من السهل عليها تخطي هذه العقبة، ولا يمكن لأسرتها نقلها تلك المسافة الطويلة لحضور المحاضرات كل يوم، والقدرة على تحمّل تكاليف مواصلات تزيد عن عشرة آلاف ريال يوميا.
ليست أصال وحدها من أُجهض حلمها في الدراسة الجامعية، فكل الفتيات، اللاتي تخرجن من الثانوية العامة في قريتها، اصطدمن بالقيود ذاتها، وتوقّفت إجبارياً مسيرتهن التعليمية.
- ضحايا الظروف والتهميش
الفتيات في أرياف المحافظات اليمنية يواجهن المعاناة ذاتها، إلا أن المشكلة لا تقف عند حدود البُعد المكاني وصعوبة الوصول إلى الجامعة، وتشكّل العادات والثقافات القبلية قيوداً أخرى لحرمنهن من التعليم العالي، حيث ترى كثير من المجتمعات الريفية أن زواج الفتاة أكثر أهمية من الدراسة التي يعتبرونها إهدارا للوقت وتضييع للفتاة، علاوة على مواقفها المتشددة من الاختلاط في قاعات الدراسة.
ولهذا فصل سفيان الفقيه بناته الثلاث من التعليم قبل أن يكملن المرحلة الأساسية، وهو على قناعة تامة بأن مواصلة الدراسة ليست إلا مضيعة للوقت، ويكفيها ما تساعد به أبناءها في دراستهم عندما تتزوج.
ويعتقد الفقيه أن التعليم الجامعي ليس فقط فضلا زائدا عن حاجة الفتاة، وإنما خطراً يهدد أخلاقها وقيم المجتمع، ويجعلها تشعر بالتحرر، وتطالب بالمساواة مع الرجل، وتعتنق الأفكار الغربية.
على العكس من ذلك، لا يعترض والد "مروى"، الذي تخرّجت من الثانوية العامة، قبل أكثر من 8 سنوات على دراستها الجامعية، لكن ظروفه المعيشية أجبرته على الاكتفاء بتعليم الأبناء الذكور وحدهم.
يقول والد مروى في حديثه لـموقع "بلقيس": "التعليم الجامعي ليس بالسهل، خاصة لمن يعيشون في القرى، ويحتاج الطالب إلى مسكن ومصاريف للأكل والشرب والتنقل وغيره، وبالنسبة للفتاة تحتاج إلى متطلبات أكثر، وتوفير بيئة آمنة من الصعب توفيرها، وأنت تعيش بعيدا عنها".
ليست مروى وحدها من دفعت ثمن الظروف، وهُمشت عند إجراء الاختبار، فكثير من الأسر تفضّل الكفاح من أجل تعليم الذكور حتى لو كانوا فاشلين، ويميل الأهل دائما إلى تعليم الأبناء، لأنهم يرون فيهم مستقبل الأسرة، والمعيلين لهم في المراحل العمرية القادمة، علاوة على أن الإناث سيتزوجن، وسيتحمل رجل آخر مسؤوليتهن.
- مستوى متدني
نسبة التحاق الفتيات في التعليم العالي متدنية حتى قبل اندلاع الحرب، إلا أنها في المناطق الريفية تكاد تكون لا تُذكر، حيث تشير إحصائيات -صدرت عن وزارة التربية والتعليم، بالتعاون مع البنك الدولي- إلى أنه كلما ارتفع المستوى التعليمي تدنت نسبة الفتيات الملتحقات بالدراسة.
وتوضّح البيانات أن نسبة التحاق الفتيات بالتعليم الجامعي تقدّر بـ5.7% مقابل 18% عند الذكور مقارنة بـ42% في التعليم الأساسي و84% لدى الذكور، و23% في المرحلة الثانوية مقابل 43% لدى الذكور.
ولا تضع القوانين اليمنية عراقيل أمام تعليم الفتاة، والقانون العام للتربية والتعليم رقم 45 لسنة 1992، يعتبر التعليم حقاً مكفولًا لكل أفراد اليمن، إلا أن الهيمنة الذكورية للمجتمع، وتقييد المجتمع بالتقاليد والعادات القبلية، تجعل الفتاة تنشأ لتودي أدواراً محددة، ولا يحظى التعليم باهتمام كبير حتى في المجتمعات الحضرية.
- قصة نجاح
وعلى الرغم من الإخفاقات، التي ترافق محاولة الفتاة الريفية للوصول إلى الدراسة الجامعية، إلا أن رانيا الصلوي استطاعت أن تسطّر قصة نجاح مميّزة، بعد سنوات طويلة من التخرّج من التعليم الثانوي، وبقائها في البلد تعمل بالزراعة.
تقول الصلوي: "كنت شغوفة بالدراسة، وأتمنّى أن أدرس الصحافة في الجامعة، لكن الأمر كان أشبه بالمستحيل، وجعلني حبي للإعلام أتابع الإذاعات المحلية، وأشارك في البرامج بشكل متواصل، حتى صرت معروفة لدى المذيعين والمذيعات".
وتضيف: "في إحدى المشاركات ربحت جائزة ببرنامج مسابقاتي، وكانت الجائزة منحة دراسية في إحدى الجامعات الخاصة بصنعاء، ففرحت كثيرا، وبذلت كل جهدي لإقناع أهلي، وانتقلت للعيش مع أحد الأقارب، ودرست واجتهدت، وحققت حلمي في دراسة الصحافة".
الصلوي تخرّجت من قسم الصحافة بتفوّق، لكنها لم تجد الوظيفة، وعادت إلى بلدتها، لتستقر وتتزوّج فيها، مقتنعة بالإنجاز الذي حققته، والتحدي الذي استطاعت اجتيازه".
- أهمية محورية
يمثل التعليم الجامعي أهمية محورية في تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للنساء بشكل عام، وتزويدهن بالأدوات الضروريّة للحصول على حقوقهن، وله آثار مباشرة وغير مباشرة على تحديد أنواع الأدوار التي يمكن للمرأة أن تؤديها خارج المنزل وإذا لم يزدد وصول الإناث إلى التعليم العالي، فإنّه مِنْ غير المرجّح أن تزداد المشاركة السياسية للمرأة اليمنية، بحسب المركز اليمني للسياسات.
ويؤكد المركز، في تقرير حول تعليم المرأة، أن التحاق النساء بالتعليم الجامعي لا يزال منخفضا للغاية، وطبقا لآخر بيانات صدرت، في العام 2011، فقد كان معدل التحاق الإناث بالتعليم العالي 6٪ فقط من إجمالي الإناث الواصلات إلى سن التعليم الجامعي، ومن المرجّح أن ينخفض المعدل خلال سنوات الحرب.



