تقارير

التنافس بين السعودية والإمارات وتأثيره على الأزمة اليمنية

التنافس بين السعودية والإمارات وتأثيره على الأزمة اليمنية
المصدر : قناة بلقيس - عبد السلام قائد

في البدء، تجدر الإشارة إلى أنه سواء اتفقت السعودية والإمارات أو اختلفتا، ففي كل الأحوال سيظل دورهما سلبيا في اليمن، وسيدفع اليمنيون ثمن توافقهما أو اختلافهما والتنافس بينهما، فالدولتان مهما اختلفتا لكن سياستهما إزاء اليمن ثابتة وتقريبا موحدة ومحسومة في كثير من الملفات، والخلاف بينهما، فيما يخص الشأن اليمني، هو خلاف على النفوذ والمكاسب، وتكمن خطورة تنامي الخلافات في احتمال اندلاع مواجهات مسلحة بين الفصائل والتشكيلات العسكرية الموالية لكل منهما، وأيضا تأثير تلك الخلافات على المكونات الرئيسية للحكومة الشرعية والحرب على الانقلاب الحوثي، واستمرار تفتيت البلاد وإنهاكها في صراعات عبثية إلى أجل غير مسمى.

وهكذا ستكون الأوضاع في اليمن الأكثر تضررا من تنامي التنافس السياسي والاقتصادي وسباق النفوذ الإقليمي بين السعودية والإمارات، وقد تزايدت خلال الآونة الأخيرة أعراض تأثير ذلك التنافس في اليمن، مثل تصعيد المجلس الانتقالي الأخير ضد الحكومة الشرعية والتلويح بمنع عودة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، إلى العاصمة المؤقتة عدن، والتراشق الإعلامي بين ناشطين سعوديين وآخرين موالين للمجلس الانتقالي، ولقاء وفد عسكري سعودي بقيادات من الجيش الوطني في محافظة شبوة ممن انسحبوا إلى خارج مركز المحافظة بعد قصف طائرات مسيرة للتحالف على مواقعهم وتسليم شبوة لمليشيا المجلس الانتقالي.

يضاف إلى ذلك تشكيل السعودية ما أُطلق عليها "قوات درع الوطن"، ونشرها في مناطق يسيطر عليها المجلس الانتقالي الموالي للإمارات، وأيضا رفض السعودية سيطرة المجلس الانتقالي على محافظة حضرموت، وعودة محافظ سقطرى، رمزي محروس، إلى المحافظة بعد نحو ثلاث سنوات من سيطرة الإمارات والمجلس الانتقالي عليها.

- خلافات متناسلة

تتفق السعودية والإمارات في أهداف تدخلهما العسكري في اليمن، لكنهما تختلفان في تقاسم المكاسب والنفوذ، كما تختلفان في التوزيع القسري لقوة ونفوذ المكونات اليمنية الموالية لكل منهما، سواء المكونات الرئيسية الشرعية التي تشكلت بموجب الدستور والقانون، كالأحزاب السياسية، أو المليشيات والفصائل العسكرية التي شكلتها الدولتان بطريقة مخالفة للدستور اليمني الذي يجرم تشكيل أي قوات عسكرية خارج إطار وزارة الدفاع وإشراف مجلس الدفاع الوطني، وبالتالي فكلما طوت الدولتان خلافا ما، ظهرت خلافات جديدة، وستظل الخلافات تتناسل وتتراكم أعباؤها على الشعب اليمني، مثل استمرار تشكيل فصائل عسكرية بطريقة مخالفة لدستور البلاد.

توجد عديد من التشكيلات العسكرية المخالفة للدستور اليمني أبرزها مليشيا المجلس الانتقالي، الذي يمثل أحد أعراض التوزيع القسري للقوة والنفوذ ومساحة السيطرة في اليمن، وقد حقق المجلس الانتقالي مكاسب عسكرية وميدانية بفضل الدعم العسكري والمادي الإماراتي، كما حقق مكاسب سياسية بفضل الوساطات السعودية التي منحته نصيبا كبيرا يتجاوز حجمه في حكومة المناصفة وفق اتفاق الرياض (نوفمبر 2019)، ومنحته الشراكة الفاعلة في مجلس القيادة الرئاسي وفق عملية تضليلية اتخذت من مؤتمر الرياض (أبريل 2022) غطاء لها، حيث أطاحت السعودية والإمارات بالرئيس عبد ربه منصور هادي ونائبه علي محسن الأحمر من منصبيهما، وشكلتا مجلس قيادة رئاسي مناصفة بين شخصيات ومكونات موالية لكل منهما، نتيجة لعدم رضى الإمارات عن الرئيس عبد ربه هادي ونائبه.



لقد كانت عملية تصفية السلطة اليمنية الشرعية، الحكومة والرئاسة، ضمن ترتيبات سباق النفوذ والمكاسب وتسوية الخلافات بين السعودية والإمارات، وبدأت تلك الترتيبات بإجراء تعديلات في تشكيلة الحكومة ثم تشكيل حكومة محاصصة وفقا لانتماءات مناطقية وسياسية، وانتهت بالإطاحة برئيس البلاد ونائبه، وتشكيل مجلس قيادة رئاسي وفقا لمحاصصات مناطقية وسياسية أيضا. وفي كلتا الحالتين، أي تشكيلة حكومة المناصفة وتشكيلة المجلس الرئاسي، فقد روعي فيهما التوازن بين حلفاء الإمارات وحلفاء السعودية، كما تمت الإطاحة بعدد من محافظي المحافظات الجنوبية والشرقية واستبدالهم بمحافظين موالين للإمارات.

ومع ذلك يبدو أن الإمارات غير راضية عن أن يكون رئيس مجلس القيادة الرئاسي ورئيس الحكومة من الموالين للسعودية، ولعل الفوضى الأخيرة التي اختلقها المجلس الانتقالي الهدف منها إعادة تشكيل حكومة المحاصصات المناطقية والسياسية أو الإطاحة برئيسها معين عبد الملك واستبداله بآخر من قيادات المجلس الانتقالي أو أي شخصية موالية للإمارات، وقبل ذلك تداولت وسائل إعلام محلية تسريبات تفيد باحتمال تقليص أعضاء مجلس القيادة الرئاسي، وربما أن ذلك كان بهدف إبعاد شخصيات غير فاعلة في المجلس أو الإخلال بالتوازن في تشكيلة المجلس الرئاسي لمصلحة طرف معين، مما تسبب بخلافات حالت دون تقليص عدد أعضاء المجلس.

لم تكن لعبة التعيينات والعبث القائم في السلطة اليمنية الشرعية، الحكومة ومؤسسة الرئاسة وغير ذلك من المناصب المدنية والعسكرية، إلا أحد أوجه الخلافات بين السعودية والإمارات، رغم اتفاقهما في إنهاك اليمن وتفتيته وإضعافه والمباعدة بينه وبين العودة للوضع الطبيعي للدولة وانتهاك سيادته واحتلال جزره وموانئه ومدنه الحيوية.

كما أن التوزيع القسري للقوة والنفوذ بين مختلف المكونات اليمنية يمثل قفزا على الواقع ويؤسس لشروخ وتصدعات ستتفجر لا محالة، لأن طريقة التوزيع تتعمد تهميش وإقصاء مكونات لها حضور شعبي أو قاعدة شعبية عريضة، وتمنح فصائل طارئة وغير مقبولة شعبيا هيمنة قسرية على مكونات أكبر منها بكثير.

علاوة على ذلك، فإن طبيعة المحاصصات التي تنسجها الرياض وأبوظبي في الحكومة ومؤسسة الرئاسة تهدد النظام السياسي للجمهورية اليمنية القائم على التداول السلمي للسلطة عبر الانتخابات، وتمهد لـ"اتفاق طائف" جديد يرسخ نفوذ عوائل سياسية فاسدة بلا مؤهلات إدارية وترسيخ فوضى شاملة، كما هو الحال في لبنان وإلى حد ما في العراق.

ويزيد من خطورة الوضع الانقسامات بين مختلف المكونات اليمنية وعدم الاعتراض على الدسائس والمؤامرات التي تحيكها الرياض وأبوظبي ضد اليمن واليمنيين، وانشغالهما بالتعيينات والإقالات والبحث عن الموالين المخلصين وإبعاد أي شخصية وطنية من تشكيلة الحكومة الشرعية، في الوقت الذي ما تزال فيه مليشيا الحوثيين تسيطر على مناطق الكثافة السكانية في البلاد، وصواريخها البالستية وطائراتها المسيّرة تصل إلى عمق أراضي السعودية والإمارات، وما زالت تواصل تهديداتها باستهداف الدولتين، والتهديد بإشعال المعارك في الداخل، والتلويح باستهداف الملاحة الدولية عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وأيضا التلويح باستهداف أمن الطاقة الذي برز كأهم الملفات الشائكة بعد حرب روسيا على أوكرانيا.

- تنامي نفوذ الإمارات على حساب السعودية

حتى قبيل اندلاع عملية "عاصفة الحزم" بقيادة السعودية في اليمن، لم يكن للإمارات أي نفوذ في البلاد، ولم يكن لها أي علاقة مع أي مكون من المكونات اليمنية، في حين كان النفوذ السعودي هو الطاغي والمؤثر في البلاد، بفعل الجوار وتفاعل المملكة وتدخلها في مختلف الأزمات والتحولات التي شهدتها اليمن منذ ظهور الدولة السعودية الثالثة وإلى اليوم.

بيد أنه في السنوات الأخيرة بدا أن النفوذ الإماراتي هو الطاغي في جنوب البلاد، وأن النفوذ الإيراني هو الطاغي في شمال البلاد. ومع أن السعودية بقدرتها دعم حلفائها الذين خذلتهم طوال السنوات الماضية وقلب الطاولة على الإمارات وإيران، لكنها مضت على خطى الإمارات في صناعة نفوذ جديد من الصفر، في عملية مرهقة ومكلفة وليست مضمونة النتائج، وستزيد من التصدعات بين الدولتين وبين المكونات اليمنية المتحالفة مع كل منهما، وهذا بالطبع سيكون لمصلحة إيران ومليشيا الحوثيين.

وبالرغم من أن العلاقة بين السعودية والإمارات ليست على ما يرام منذ تأسيس دولة الإمارات، بسبب استحواذ السعودية على مناطق إماراتية نفطية، اضطرت الإمارات للتنازل عنها لتحظى باعتراف السعودية وأن تقنع السعودية دولا أخرى بالاعتراف بها، لكن بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، وما أحدثته من زلازل سياسية في المنطقة تكشفت معها هشاشة الأنظمة العربية التقليدية، تحالفت السعودية والإمارات لتكونا القوة الدافعة والممولة للثورات المضادة لثورات الربيع العربي، خشية من تأثيرها على الحكم العائلي في كلا البلدين.

وعندما تبين للدولتين أنه صار بإمكانهما التأثير في بعض ملفات المنطقة، بفعل فراغ القوة الناجم عن غياب مراكز النفوذ العربية التقليدية نتيجة الغزو الأجنبي والأزمات السياسية والاقتصادية والحروب الأهلية، بدأ التنافس بينهما حول النفوذ السياسي والمكانة الاقتصادية وتوسيع دائرة الحلفاء لكل منهما وضرب الخصوم بعنف ووحشية.

ورغم أن الخلافات بينهما، أي السعودية والإمارات، حول النفوذ كانت غير مكشوفة، لكنها في الآونة الأخيرة بدأت تظهر للعلن، فكل طرف مثلا لا يحضر المؤتمرات الدولية المنعقدة في البلد الآخر، وكل طرف يحاول السير في اتجاه مختلف لتعزيز مكانته الإقليمية بأسلوب مستفز للطرف الآخر أو ليبدو متحررا من سياسات الطرف الآخر. وقبل أيام، أقر وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، بوجود تباينات بين بلاده والإمارات، خلال مؤتمر صحفي عقد في السفارة السعودية بالعاصمة البريطانية لندن.

- السعودية على خطى الإمارات

عندما وجدت السعودية أن الإمارات صار لها نفوذ كبير في جنوبي وغربي اليمن، لم تستطع فعل شيء سوى المضي على خطى الإمارات لاستعادة نفوذها في البلاد، فبعد أن شكلت الإمارات مليشيات وفصائل مسلحة موالية لها لتكون أدوات لنفوذها، تبعتها السعودية بتشكيل فصائل مسلحة موالية لها، مثل "قوات درع الوطن" والألوية المرابطة في حدودها الجنوبية مع اليمن، بدلا من تعزيز تحالفها مع الحكومة الشرعية. وفي حين اعتمدت الإمارات على الجماعات السلفية لتكون العنصر الفاعل في المليشيات والفصائل المسلحة الموالية لها، كذلك فعلت السعودية في الاعتماد على السلفيين ليكونوا العنصر الفاعل في التشكيلات العسكرية الموالية لها.

وعندما أعلنت الإمارات انسحابها من اليمن، في أواخر عام 2019، وبدأت بالانفتاح على إيران والحوثيين، لتحرج السعودية في الملف اليمني والتعبير عن تحرر سياستها الخارجية من التبعية للسياسة السعودية، تبعتها السعودية في الانفتاح على إيران والحوثيين أيضا، فأجرت حوارات مكثفة ومباشرة مع الحوثيين في العاصمة العمانية مسقط قبل تبادل زيارات لوفود سعودية وحوثية إلى صنعاء والرياض، ثم زيارة السفير السعودي لدى اليمن إلى العاصمة صنعاء للتفاوض مباشرة مع الحوثيين، وأيضا إجراء حوارات مباشرة مع إيران عبر وساطة عراقية.

إن مضي السعودية على خطى الإمارات للتعبير عن الخلافات بينهما والتنافس وسباق النفوذ، سيشكل أعباء إضافية على القضية اليمنية، وسيرهق السعودية في نفس الوقت، دون الوصول إلى نتائج حاسمة أو حتى وضع مريح للمملكة، كما أن ذلك سيغري الإمارات بمواصلة مضايقة السعودية وقد تصل تطورات ذلك إلى مرحلة يصعب على الرياض التعاطي معها.

والخيار الوحيد أمام السعودية لتوجيه ضربة قاصمة للنفوذ الإماراتي المنافس لها في اليمن يتمثل في دعم الحكومة اليمنية الشرعية ودفعها لإعلان طرد الإمارات من اليمن واعتبارها تعيق الحرب على الانقلاب الحوثي، ثم تبدأ السعودية بحشد مختلف المكونات اليمنية ودعم الجيش الوطني والمقاومة الشعبية بالسلاح وإعلان ساعة الصفر للتقدم نحو العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي، ثم مصادرة سلاح المليشيات الموالية للإمارات ومواجهتها عسكريا إذا رفضت ذلك، وفي هذه الحال ستكون السعودية وجهت ضربة قاصمة للإمارات وإيران معا، وسترفع من رصيدها السياسي والعسكري ومكانتها في الإقليم، وما عدا ذلك، فإنها ستظل تدور في مربع العجز والفشل.

تقارير

الإيكونوميست: السعودية تعرض حوافز وتهديدات على إيران لاحتواء التصعيد الحوثي ومنع المواجهة الشاملة

وأوضحت المجلة أن العرض السعودي تضمن استعداد الرياض وحلفائها لمناقشة ترتيبات أمنية إقليمية أوسع مع طهران في حال قدمت الأخيرة تنازلات تمهد لاتفاق مع الولايات المتحدة. وفي المقابل، حذرت من أن استمرار الرفض الإيراني واستئناف الهجمات على دول الخليج سيقابله استعداد من السعودية وتركيا وباكستان للرد بموجب اتفاق الدفاع المشترك الموقع في أغسطس الماضي، دون تحديد آليات الرد أو الالتزام بتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة.

الإيكونوميست-السعودية-تعرض-حوافز-وتهديدات-على-إيران-لاحتواء-التصعيد-الحوثي-ومنع-المواجهة-الشاملة
تقارير

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: على واشنطن التحرك لوقف انتهاكات الحوثيين وإدراج زعيمها ضمن قائمة الارهاب

ينبغي لوزارة الخزانة الأمريكية إدراج قادة الحوثيين المتورطين في الحصار أو الداعمين له على قوائم العقوبات، بموجب قانون ماغنيتسكي العالمي أو وفقاً لصلاحيات قانونية أخرى مناسبة.

مؤسسة-الدفاع-عن-الديمقراطيات-على-واشنطن-التحرك-لوقف-انتهاكات-الحوثيين-وإدراج-زعيمها-ضمن-قائمة-الارهاب
تقارير

دراسة حديثة تحذر من تحول الحوثيين إلى تهديد إقليمي وتقترح استراتيجية دولية طويلة المدى لاحتواء تهديدهم

شددت الدراسة ، على ضرورة دمج البعد الأفريقي ضمن استراتيجيات أمن البحر الأحمر لمواجهة التشابكات المتنامية بين الحوثيين وحركة الشباب في الصومال، إلى جانب بناء توازن عسكري وسياسي معارض في جنوب اليمن والحد من الترابط العملياتي بين الفصائل المتحالفة مع طهران إقليمياً.

دراسة-حديثة-تحذر-من-تحول-الحوثيين-إلى-تهديد-إقليمي-وتقترح-استراتيجية-دولية-طويلة-المدى-لاحتواء-تهديدهم

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.