تقارير
الحزن يكسو قلوب اليمنيين بعد رحيل منارة اليمن وسفيرها الثقافي عبد العزيز المقالح
غادرنا، يوم أمس، الشاعر والأديب اليمني، الدكتور عبدالعزيز المقالح؛ منارة اليمن وسفيرها الثقافي، وعين العالم العربي عليها، والأب المؤسس لجيل كامل من الشباب والفتيات الذين كبروا ولم يجدوا أمامهم سوى الدكتور المقالح.
وُلد الدكتور المقالح عام 1937م، وتُوفي الأحد الماضي، عن عمر ناهز 85 عاماً، وما بين مولده ووفاته امتدت سيرته مناضلا وشاعرا وأديبا وأكاديميا وناقدا، وكاتبا، وحظي بثقة السلطة والناس، وحمل همَّ الإبداع اليمني، وأصبح أبرز أدبائه، حيث صدر له أكثر من 30 مؤلفاً في الشعر والأدب والنَّقد.
وبهذا الرحيل الأسيف، اكتست قلوب وصفحات اليمنيين بالحزن الكبير على أحد أعلام اليمن الجمهوري، تاركاً خلفه من الأدب والشعر والإسهامات الوطنية والثقافية على المستوى المحلي والعربي.
- نموذج حقيقي للنضال
الكاتب والباحث نبيل البكيري، يعزِّي برحيل الدكتور المقالح بقوله: "عزاؤنا لليمن وللأمة العربية بهذا المصاب الجلل والفقدان الكبير الذي خسرنا من خلاله واحدة من القامات الفكرية والثقافية والشعرية في العالم العربي".
وفي حديثه عن الدكتور المقالح، أشار إلى أنه "بالنظر إلى نهايات المقالح، وحدائقه الوارفة بظلال الإبداع والنضال والإنسانية، يقودنا مباشرة إلى البدايات الأولى التي صنعت هذا النموذج والمثال للمثقف الحقيقي الذي بكاه الناس جميعا، واجتمع في بكائه كل الفرقاء على امتداد العالم العربي".
وقال: "كان الدكتور المقالح أصغر فتيان الثورة والنضال، حيث كان مقارعا لنظام الحكم الإمامي، وفاعلا وناشطا ضمن خلايا العمل، أو الحركة الوطنية في بواكيرها الأولى، وكان متمرسا على العمل الإعلامي والإذاعي تحديدا آنذاك، وساهم بشكل كبير في التحضير للثورة، وهي بدايات تقودنا إلى استشراف مسيرته بعد ذلك، وكيف حافظ على تلك الروح الثائرة المكسوّة بالحكمة والهدوء والنُّبل والنَّقاء".
وأضاف: "للدكتور المقالح قُدسية ومكانة ورهابة في عيون من ينظر إليه، لما فيه من نقاء وصفاء، ولصدقيّته مع ذاته، فهو لم يكن من أولئك الذين يمتهنون فكرة الثقافة، أو يدَّعون الثقافة، ويكسوهم الغرور والانزواء، وإنّما كان فريدا وشخصية استثنائية، ولي تجربة معه، بينما كنت طالباً في جامعة صنعاء، أواخر أيام رئاسته للجامعة".
وتابع: "الفكر الجمهوري والثقافة والثورة والجمهورية في اليمن تُدين للدكتور المقالح، الذي ظل استاذا سابرا أغوار الثورة والتغيير على امتداد محطّاته، لم يتوانَ لحظة حتى آخر لحظات حياته وهو يجلس على كرسي مركز دراساته للبحوث اليمنية".
واعتبر "الدكتور المقالح الرجل الوحيد من الأوائل والنُّخبة الأولى والكوادر الأولى، الذي أعطى اليمن والجمهورية كل ما يمكن أن يعطيه، لكن الجمهورية ربّما لم تعطه شيئاً".
ويرى أن "الراحل الدكتور عبدالعزيز المقالح كان أكبر من كل المناصب التي تولاها، وظل بمثابة علَمٍ يهدي الناس بمواقفه وأخلاقه وقيمه وسلوكه ومكانته كمثقف، حيث قدَّم صورة عظيمة وحالمة أكثر صدقاً للمثقف الحقيقي، الذي يحمل قِيم التنوير والحريّة والعدالة والمساواة".
وأوضح أن "المقالح تحوّل إلى نافذة يَنظر من خلالها العالم العربي إلى اليمن، وبقدر ما حوّل صنعاء إلى مهرجان عربي مفتوح يستقبل دائما الكثير من الأدباء والشعراء والنُّقاد، من مختلف أقطار العالم العربي، بقدر ما كانت تمثل صنعاء محطة مهمّة في استقطاب كثير من الكوادر الأكاديمية والبحثية والعلمية، ومن مختلف أنحاء العالم العربي والجامعات العربية".
وقال: "أتذكّر الكثير من الكفاءات العلمية، التي درسنا على يدها في جامعة صنعاء، وكان وجودها في صنعاء بفضل الدكتور المقالح، ومن المفارقات التي يجب أن تُقال حينما كان هؤلاء أصحاب الكفاءات العلمية يأتون إلى جامعة صنعاء كانت أمامها فرص كبيرة، وبآلاف الدولارات، وربَّما لا تساوي شيئاً مقارنة برواتب جامعة صنعاء، لكنهم اختاروا جامعة صنعاء لأن لهم فيها شخصا يعني لهم الكثير".
وأشار إلى أن "الخوف اليوم من أن تطول الأزمة الحاصلة في اليمن، وخاصة في المناطق الواقعة تحت سيطرة مليشيا الحوثي، ففي هذه الحالة سيتم، أو في الحقيقة قد تم تغيير المناهج وأسماء المدارس والاتيان بكل شيء سافل وتافه، وحطّه في مناهج الدراسة".
- خسارة للأجيال
من جهتها، تقول الشاعرة ميسون الإرياني: "الدكتور عبدالعزيز المقالح كان معي منذ أول ديوان أصدرته في دار فراديس بالبحرين، بعنوان سأثقب بالعاشقين السماء، وهو من قدّم لي هذا الديوان، وأول من شهد لي ووقف معي، ودافع عنِّي وعن قصائدي التي كان يليها رعاية، وكتب أيضا مقدمة ديواني الثاني (مدد)، وفزت بجائزته في 2014، بديواني الموارب من الجنّة".
وأضافت: "المقالح خسارته لا تعنيني فقط، وإنما تعني فقدان الشباب الحالي للرجل الذي ربما يكون الوحيد من سيستمع إليهم، وسيراجع معهم، وسيقرأ لهم بكل رعاية وصدر رحب"، مضيفة، "بالنسبة لي شخصيا لم استوعب حتى الآن الخبر، بأن الدكتور عبدالعزيز المقالح لم يعد موجودا".
وأكدت أنه "يجب أن يعطى حق الدكتور المقالح من خلال الاهتمام بإرثه"، مشيرة إلى أنه "قبل سنتين تقريبا كان هناك لقاء معه نشرته ملحق جريدة 'القبس الثقافي'، ووعد فيه بأنه سيصدر كتاب الحرب".
وقالت: "أنا لا أعرف ما مصير كتاب الحرب، ومتى سيتم طباعته، لكنني أتمنَّى أن يقوم المعنيون بالبحث عنه أو تجميعه -إن لم يكن مجموعا بعد- وأيضا طباعة أعماله وتوزيعها على الشباب والمكتبات، وتدريسها وترجمتها".
وتابعت: "نحن اليوم فقدنا أبا وأستاذا، وعرّابا للثقافة اليمنية، فقدنا شخصا لن يعوّض أبدا، ولا أعلم ما مصير الثقافة اليمنية، لكن ستظل شعلة البقاء في قلوبنا وعيوننا، واستيعابنا للجيل الجديد".
- أثرٌ حاضر
من جهته، يقول الكاتب عبدالباري طاهر: "إن رحيل الدكتور عبدالعزيز المقالح فاجعة كبيرة، وخسارة لا تعوَّض، كونه شخصا يمتلك صفات عظيمة جدا، وارتبط بالحركة الوطنية الحديثة منذ الخمسينات، وارتبط بالإبداع، وهو شاعر مجدد، وقامة لا تقل عن أي مبدع في الوطن العربي، كأمثال صلاح عبدالصبور، والبياتي، أحمد عبدالمعطي، ودرويش، وغيرهم".
وأضاف: "كان الدكتور المقالح أبا روحيا لكل المبدعين اليمنيين، كتاب القصة، والنقد، والشعر، والنص الأدبي، ورعى واهتم بجميع المبدعين، وأثره حاضر في كل الكتابات التي حصلت منذ الثورة اليمنية (سبتمبر وأكتوبر) وحتى اليوم".
وتابع: "الدكتور المقالح كان الصوت الأول الذي أذاع بيان الثورة الأول، وعلى صلة وثيقة بتنظيم الضباط الأحرار منذ البداية، وقصائده من 'مارد تتكلم' إلى آخر ديوان، كلها مكرَّسة للهمِّ اليمني وللدفاع عن الثورة اليمنية، والدفاع عن الحرية والعدالة، وترتبط أيضا بالهمِّ العربي والقضايا العربية، وكان هناك انسجام بين ما يقول وبين ما يسلك".



