تقارير

الحوثيون والقبائل اليمنية.. من التطويع إلى التنكيل

الحوثيون والقبائل اليمنية.. من التطويع إلى التنكيل

قناة بلقيس - خاص - عبد السلام قائد

عاودت مليشيا الحوثي، خلال الأيام الأخيرة، إجراءاتها القمعية ضد مشايخ القبائل في مناطق سيطرتها بعد توقف مؤقت، حيث اعتقلت عددا منهم بذريعة تقاعسهم أو رفضهم حشد مقاتلين جدد من أبناء قبائلهم للقتال في صفوف الحوثيين، وتعويض ما تتعرض له المليشيا من نقص حاد في عدد المقاتلين الذين تزج بهم في حروب ومغامرات انتحارية، خصوصا في جبهات محافظة مأرب، حيث اعترفت المليشيا الحوثية بمقتل ما يقارب 15 ألف من أفرادها هناك خلال الأشهر الخمسة الأخيرة.

بدأ عداء الحوثيين واضطهادهم الممنهج لمشايخ القبائل والوجاهات الاجتماعية منذ ما قبل الانقلاب والسيطرة على العاصمة صنعاء، وازدادت وتيرة ذلك منذ مطلع العام 2018، بهدف إخراج القبيلة من معادلة الصراع وتطويعها لصالح السلالة وتهميش الرموز القبلية لتبقى القيادات السلالية للمليشيا الحوثية هي المتصدرة للمشهد الاجتماعي والسياسي، وشمل القمع -خلال السنوات الأخيرة- حتى بعض مشايخ القبائل الذين تعاونوا مع المليشيا الحوثية في بداية الانقلاب، ومهدوا لها الطريق للسيطرة على العاصمة صنعاء.

- القبيلة كوقود لمعارك الحوثيين

تنظر مليشيا الحوثيين إلى أبناء القبائل اليمنية كمواطنين من الدرجة الثانية، وفق تقسيماتها العنصرية لمختلف فئات المجتمع، وهو التقسيم الذي بدأ منذ قدوم الحسين بن القاسم الرسي إلى اليمن، زاعما أنه من سلالة علي بن أبي طالب، أو السلالة الهاشمية، ومنح أبناء سلالته صفة عنصرية مقيتة (السّادة)، على أن تكون هي السلالة الحاكمة للبلاد بمزاعم "الحق الإلهي" في السلطة والثروة، واستمر هذا التقسيم العنصري سائدا طوال السنوات التي حكم خلالها الأئمة السلاليون مناطق متفرقة في شمال اليمن، لكن ذلك التقسيم هُمّش نوعا ما بعد ثورة 26 سبتمبر 1962، ثم عاد تدريجيا خلال مدة حكم علي عبد الله صالح، وأحيته مليشيا الحوثي بقوة بعد انقلابها على السلطة الشرعية وسيطرتها على محافظات يمنية عدة.

تتعامل مليشيا الحوثيين مع القبائل اليمنية مثلما تعامل معها أجدادها الأئمة السلاليون، فهي ترى أن القبيلي يجب أن يكون مجرد "عكفي" لدى السلالة/الإمامة، يقاتل لأجلها، ويعمل جابيا للإتاوات والزكاة والنهب تحت إمرتها، وما عدا ذلك فمصيره التهميش أو السجن أو القتل، خصوصا مشايخ القبائل الذين تعمدت المليشيات الحوثية تهميشهم وإذلالهم أمام قبائلهم، لتنزع منهم أي وجاهة أو تأثير في أوساط أبناء قبائلهم، وجعلت من قادتها الميدانيين ممن تسميهم "المشرفين" شخصيات أعلى مرتبة من مشايخ القبائل، وعلى شيخ القبيلة أن يخضع لتعليمات وتوجيهات "المشرف" الحوثي، وإلا فمصيره القتل أو الاعتقال والسجن.

تاريخيا، لم يكن أبناء القبائل اليمنية فقط مجرد وقود لمعارك السلالة الهاشمية الدخيلة على البلاد في حروبها ضد المجتمع اليمني بعد إثارة العصبية المناطقية والمذهبية في أوساطهم، وإنما كانوا أيضا وقودا للمعارك بين العوائل الإمامية الكبيرة التي كانت تتنازع السلطة والثروة، حيث كانت تنقسم القبائل بين الأسر الهاشمية السلالية المتنازعة وفقا للدواعي والعصبيات المناطقية، وساعد الجهل السائد في المناطق الجبلية على تفشي تلك الظواهر، خصوصا أن اعتناق المذهب الزيدي ارتبط بالوظائف البسيطة الممنوحة لأبناء القبائل، مثل التجنيد وجباية الزكاة والأموال تحت مسميات مختلفة.

يعتمد الحوثيون على أبناء القبائل في المناطق التي تشكل حاضنتهم الاجتماعية ليكونوا وقودا لمعاركهم ضد الشعب اليمني ومحاولة إعادة نظام حكم الإمامة البائد، ساعدهم على ذلك أن الرئيس الراحل علي عبد الله صالح سلمهم نفوذه القبلي والاجتماعي -المتراكم خلال 33 عاما- دفعة واحدة في بداية تحالفه معهم، خصوصا أن قبائل شمال الشمال معروفة بسرعة تبدل ولاءاتها، وما يلعبه المال من دور حاسم -أحيانا- في تبدل الولاءات، لا سيما أن الانقلاب الحوثي جاء بعد أن قطعت اللجنة الخاصة السعودية صرف المخصصات المالية لمشايخ القبائل في شمال الشمال منذ العام 2011، بسبب انخراط بعض أبناء تلك القبائل في ثورة 11 فبراير 2011، وتأييد بعض مشايخها لتلك الثورة، التي اندلعت ضمن ثورات الربيع العربي.

كما أن "المال" كان وسيلة الحوثيين لتحريض أبناء بعض قبائل محافظة عمران ضد أبناء الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، قبل وأثناء الحرب هناك، وكان التحريض بمزاعم "بُخل" آل الأحمر إزاء قبائلهم، وأدركت إيران والحوثيون الدور المؤثر للمال السياسي لاستمالة أبناء القبائل، ووزع الحوثيون أموالا كثيرة -مصدرها طهران- لمشايخ القبائل الذين مهدوا لهم الطريق للسيطرة على العاصمة صنعاء، لكن بعد نجاح الانقلاب وسيطرة الحوثيين على مقاليد الأمور في العاصمة صنعاء وما جاورها، أصبح أبناء القبائل يزجون بأبنائهم في معارك الحوثيين بدون أي مقابل، وفي أحسن الأحوال يكون المقابل سلة غذائية لأسرة كل مقاتل في صفوف المليشيا منهوبة من المساعدات الأجنبية المخصصة للنازحين والمتضررين من الحرب.

ويُعَد اضطهاد الحوثيين لمشايخ القبائل وتهميشهم اليوم أسوأ من التهميش والاضطهاد الذي طالهم في عهد الأئمة السلاليين، حيث كان يُطلق عليهم حينها "مشايخ الضمان"، أي مشايخ الجبايات من المواطنين كلٌّ في نطاق قبيلته، لكن حتى هذه الصفة (مشايخ الضمان) جردهم منها الحوثيون، وأصبح شيخ القبيلة في مناطق سيطرة الحوثيين مجرد "عامل" لدى المليشيات يحشد لها المقاتلين من أبناء قبيلته، وإذا عجز عن ذلك ورفضت القبيلة تقديم المزيد من أبنائها وقودا لمعارك الحوثيين، يكون الضحية الشيخ نفسه، ومصيره الاعتقال والسجن، كما حدث قبل أيام في منطقة خيران بمحافظة حجة.

- التنكيل وتصفية نفوذ "صالح"

رغم تمكُّن الحوثيين من تطويع عدد من القبائل في بداية الانقلاب، وتحييدهم لدور بعض المشايخ، وتنصيب مشايخ جدد للقبائل التي كان مشايخها من بين الذين غادروا البلاد بعد الانقلاب، لكن ازدادت وتيرة التوجس والخشية من انقلاب ما يعرف بقبائل "طوق صنعاء" بعد أن بدأ الرئيس الراحل علي عبد الله الصالح يلتقي بها ويعقد مهرجانات قبلية في محاولة منه للملمة واستعادة نفوذه القبلي بعد أن تفاقمت خلافاته مع حلفائه الحوثيين، كما نشط إلى جانبه -حينها- القيادي المؤتمري عارف الزوكا، وسارع الحوثيون إلى حسم خلافهم مع علي صالح ومحاولة إلقاء القبض عليه قبل أن يستعيد نفوذه القبلي، ومضت الأحداث سريعا وانتهت بقتل الحوثيين لحليفهم علي صالح ورفيقه القيادي المؤتمري عارف الزوكا بعد أن ازداد نشاطهما في أوساط قبائل صنعاء وما جاورها.

وبعد أحداث 2 ديسمبر 2017 في العاصمة صنعاء، ومقتل علي صالح، بدأت مليشيا الحوثي بتقييم الشخصيات القبلية والاجتماعية في مناطق سيطرتها، وتحديد من تشكك بولائهم، وأعقب ذلك تكثيف عملياتها السرية وتنفيذ تصفيات واعتقالات طالت عددا من المشايخ والشخصيات الاجتماعية وبعض ضباط الجيش الموالين لعلي صالح، في مسعى من المليشيا لتصفية وإنهاء النفوذ القبلي لعلي صالح تماما، وتمت التصفيات عبر ما يسمى "جهاز الأمن الوقائي" الذي شكلته المليشيا الحوثية لهذا الغرض، ثم توسعت مهامه فيما بعد لتشمل تصفية بعض القيادات السلالية ضمن صراع أجنحة المليشيا وقياداتها.

بدأ تنكيل مليشيا الحوثيين بمشايخ القبائل في أبريل 2018، وشهد شهر يوليو 2019 أكثر التصفيات دموية، في محافظة عمران تحديدا، واللافت أن من استهدفتهم المليشيا هم من خدموها ومهدوا لها الطريق إلى العاصمة صنعاء وحشدوا المقاتلين من قبائلهم لمساندتها في انقلابها على السلطة الشرعية، وبعض المشايخ مثلت المليشيا بجثثهم بشكل مرعب، ثم عادت وتيرة التصفيات بقوة في سبتمبر 2019، علما بأن التصفيات شملت حتى بعض من تسميهم المليشيات "المشرفين" من أبناء القبائل.

- تنكيل شامل للجميع

وإذا كان بعض مشايخ القبائل مصيرهم القتل والتمثيل بجثثهم أو الوفاة الغامضة، فإن البعض الآخر منهم إما اعتقلوا أو وضعوا تحت الإقامة الجبرية، وتعرض عدد منهم للصفع والإهانات والتهديد بالقتل وتفجير منازلهم، وهناك مشايخ قبائل همشتهم المليشيا وجردتهم من أي دور، وتتهمهم بـ"النفاق" وتصفهم بـ"الطابور الخامس"، وتمنعهم من السفر، وتراقب اتصالاتهم الهاتفية، كما تراقب الحوالات الموالية بأسماء أقاربهم ومصدرها، وتقمع أي قبيلة وتنكل بها كل تنكيل إذا بدا أنها غير خاضعة للمليشيا، كما حصل لقبائل حجور بمحافظة حجة.

ومن أبرز مشايخ القبائل الذين قتلتهم مليشيا الحوثي: محمد بن عسكر أبو شوارب، ومصلح الوروري، ومهلهل أحمد حسن ضبعان، وحزام أبو نشطان، ومحمد الشتوي، ومجاهد قشيرة، وخالد جعمان، وسلطان الوروري، وأحمد الشعملي، بالإضافة إلى قتل عدد من ضباط قوات الحرس الجمهوري (سابقا) الموالين للرئيس الراحل علي عبد الله صالح.

وتفيد إحصائية لصحيفة "الثورة" الرسمية بأن مليشيا الحوثي قتلت أكثر من 26 شيخا قبليا، معظمهم ممن تعاونوا معها وسلموا لها مناطقهم ومهدوا لها الطريق إلى العاصمة صنعاء وحشدوا المقاتلين من أبناء قبائلهم للقتال في صفوف المليشيا، وبعد أن استغنت المليشيا عن خدماتهم تخلصت منهم، ولم تطِق التعايش حتى مع من قدموا خدماتهم لها، وعادت مؤخرا موجة الاعتقالات لمشايخ القبائل الذين يتقاعسون عن رفد المليشيا بالمقاتلين من أبناء قبائلهم أو يرفضون ذلك.

- مشروع موت ودمار

يتضح مما سبق أن مليشيا الحوثي ليست سوى مشروع موت ودمار لن يسلم منه أحد، فكل فئات المجتمع اليمني تناصبها المليشيا العداء وتستبيح قتلها، وحتى القبائل التي تعد المكون الرئيسي للمجتمع اليمني، فإن مليشيا الحوثي تريدها أن تكون وقودا متجددا ودائما لحروبها العبثية، وبنفس الوقت تقتل أو تهمش المشايخ والشخصيات الاجتماعية لجعل كل القبائل مجرد أتباع للمليشيا.

كما أن المليشيا هدمت مختلف الأعراف القبلية الإيجابية من خلال إجبار مجنديها من أبناء القبائل على ارتكاب سلوكيات كانت القبائل تصفها بـ"العيب الأسود"، وكل هذا التنكيل بالقبائل ومشايخها من أجل تغييب دور القبيلة تماما، لتكون المليشيا السلالية العنصرية هي المتصدرة للمشهد السياسي والاجتماعي في مناطق سيطرتها، وهي ذات الصوت المسموع في أوساط أبناء القبائل، الذين تصنفهم المليشيا السلالية كمواطنين من الدرجة الثانية.

تقارير

الإيكونوميست: السعودية تعرض حوافز وتهديدات على إيران لاحتواء التصعيد الحوثي ومنع المواجهة الشاملة

وأوضحت المجلة أن العرض السعودي تضمن استعداد الرياض وحلفائها لمناقشة ترتيبات أمنية إقليمية أوسع مع طهران في حال قدمت الأخيرة تنازلات تمهد لاتفاق مع الولايات المتحدة. وفي المقابل، حذرت من أن استمرار الرفض الإيراني واستئناف الهجمات على دول الخليج سيقابله استعداد من السعودية وتركيا وباكستان للرد بموجب اتفاق الدفاع المشترك الموقع في أغسطس الماضي، دون تحديد آليات الرد أو الالتزام بتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة.

الإيكونوميست-السعودية-تعرض-حوافز-وتهديدات-على-إيران-لاحتواء-التصعيد-الحوثي-ومنع-المواجهة-الشاملة
تقارير

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: على واشنطن التحرك لوقف انتهاكات الحوثيين وإدراج زعيمها ضمن قائمة الارهاب

ينبغي لوزارة الخزانة الأمريكية إدراج قادة الحوثيين المتورطين في الحصار أو الداعمين له على قوائم العقوبات، بموجب قانون ماغنيتسكي العالمي أو وفقاً لصلاحيات قانونية أخرى مناسبة.

مؤسسة-الدفاع-عن-الديمقراطيات-على-واشنطن-التحرك-لوقف-انتهاكات-الحوثيين-وإدراج-زعيمها-ضمن-قائمة-الارهاب
تقارير

دراسة حديثة تحذر من تحول الحوثيين إلى تهديد إقليمي وتقترح استراتيجية دولية طويلة المدى لاحتواء تهديدهم

شددت الدراسة ، على ضرورة دمج البعد الأفريقي ضمن استراتيجيات أمن البحر الأحمر لمواجهة التشابكات المتنامية بين الحوثيين وحركة الشباب في الصومال، إلى جانب بناء توازن عسكري وسياسي معارض في جنوب اليمن والحد من الترابط العملياتي بين الفصائل المتحالفة مع طهران إقليمياً.

دراسة-حديثة-تحذر-من-تحول-الحوثيين-إلى-تهديد-إقليمي-وتقترح-استراتيجية-دولية-طويلة-المدى-لاحتواء-تهديدهم

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.