تقارير
الحوثيون يستغلون الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران ويشعلون القتال في اليمن
بعد أشهر من التهميش في الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران، شنّ الحوثيون هجومًا خاطفًا مطلع هذا الشهر على طول ساحل اليمن على البحر الأحمر، ما أدى إلى اضطراب أسواق النفط العالمية.
والآن، مع استمرار الجماعة المسلحة المدعومة من إيران في الضغط من أجل السيطرة على المزيد من الأراضي، وتصاعد حدة القتال من قبل التحالف العسكري الداعم للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، اشتعلت من جديد حرب أهلية وحشية.
يقول محللون ومسؤولون إن التطورات في اليمن، البلد الفقير الذي يبلغ عدد سكانه 35 مليون نسمة والواقع في أقصى جنوب غرب شبه الجزيرة العربية، مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالحرب في إيران، حيث يستغل الحوثيون هذا الوضع لتعزيز سيطرتهم على مضيق باب المندب، لكن إدارة ترامب، التي شنت العام الماضي حملة عسكرية قصيرة ضد الحوثيين ردًا على هجماتهم على السفن الأمريكية في البحر الأحمر، تتجنب حتى الآن التدخل.
ولم يتم الاستجابة لمناشدات الحكومة اليمنية لواشنطن لشن غارات جوية على الحوثيين، بحسب مسؤولين يمنيين تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتهما نظراً لحساسية الوضع.
وكانت الإدارة الأمريكية قد ألغت سابقاً منصب المبعوث الخاص إلى اليمن، ولم تُعيّن سفيراً دائماً، كما خفّض ترامب المساعدات الخارجية الأمريكية إلى نحو 53 ألف دولار العام الماضي، بعد أن كانت 763 مليون دولار في عام 2024.
وقالت الباحثة في معهد واشنطن، أبريل لونغلي آلي، في إشارة إلى حملة ترامب الجوية ضد الحوثيين، والتي انتهت بهدنة في مايو 2025: "وضعت الولايات المتحدة اليمن جانباً بعد عملية "الفارس الخشن"، عسكرياً ودبلوماسياً، وعلى صعيد الدعم"، وأضافت أن إدارة ترامب تأمل في "إلقاء عبء المشكلة على السعودية"، التي دعمت حكومة التحالف اليمنية في حربها ضد الحوثيين، بما في ذلك في الحرب الأهلية الوحشية التي شهدتها البلاد بين عامي 2015 و2022.
واضافت أبريل لونغلي آلي: "لكن بينما تركز الولايات المتحدة على مصالحها المباشرة الأخرى، فإن الحوثيين يكتسبون قوة متزايدة".
وقال مسؤولان أمريكيان مطلعان، شريطة عدم الكشف عن هويتهما نظراً لحساسية الموضوع، إن عشرات الجنود الأمريكيين منتشرون في السعودية ويساعدون جيشها في جهود موسعة هناك لمواجهة الحوثيين.
وقال أحد المسؤولين إن الدعم الأمريكي لا يصل إلى حد شنّ ضربات على المسلحين، ولكنه يشمل تبادل معلومات الاستهداف والمساعدة اللوجستية.
وأكد المسؤولان أن هذه الجهود، التي تحدثت عنها شبكة CNN في وقت سابق من هذا الشهر، تخضع لإشراف قوات المارينز الأمريكية، جزئياً على الأقل.
وامتنعت القيادة المركزية الأمريكية، المسؤولة عن العمليات العسكرية في المنطقة، عن التعليق.
وقال أحد المسؤولين اليمنيين إن الدبلوماسيين الأمريكيين يؤكدون على الدعم الذي تقدمه واشنطن في مجال المعلومات الاستخباراتية، لكن اليمن لا يتلقى سوى القليل من المساعدة الملموسة.
وقال المسؤول: "الكلام سهل... ورخيص"، مضيفاً أن الأوضاع الإنسانية تتدهور أسبوعاً بعد أسبوع "الناس يعانون، والحكومة لديها موارد محدودة لدعمهم".
وصرح نائب رئيس المجلس القيادي الرئاسي، عبد الله العليمي، للصحفيين على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الأربعاء، بأن حكومته "تُقدّر عالياً" الخطوات التي اتخذتها إدارة ترامب ضد الحوثيين، لكنها أكدت على الحاجة إلى مزيد من الدعم العسكري والأمني.
وقد سعى الحوثيون، الذين بدأوا كميليشيا غير نظامية في شمال اليمن في تسعينيات القرن الماضي، إلى طرد السعودية من اليمن، التي يتهمونها بفرض حصار على بلادهم، منذ فترة طويلة.
وقالت الباحثة المشاركة في معهد الشرق الأوسط، ندوى الدوسري، إنه على الرغم من وجود مظالم محددة لدى الحوثيين ضد السعودية، إلا أن توقيت هجومهم وقوته كانا يهدفان إلى "تعزيز موقف إيران في مواجهة الولايات المتحدة، مع تراجع نفوذ إيران على مضيق هرمز".
وأشارت الدوسري إلى أن المساعدات الإنسانية لليمن، بما فيها المساعدات الأمريكية، تراجعت بشكل كبير خلال العام الماضي، لدرجة أن "العائلات النازحة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة اللازمة لمواجهة هذه الموجة الأخيرة من العنف".
وتقول الأمم المتحدة، إن أكثر من 120 ألف يمني نزح خلال ثلاثة أسابيع، بينما فرّ آلاف آخرون عبر البحر الأحمر إلى جيبوتي وصوماليلاند وبونتلاند.
وتتزايد معدلات سوء التغذية، المرتفعة أصلاً، بشكلٍ حاد، وفقاً لمنظمات الإغاثة على الأرض، بينما تقترب الأنظمة الصحية الهشة من الانهيار.
يقول الباحث في برنامج الأمن المستقبلي بمركز "نيو أمريكا" للأبحاث في واشنطن، والمتخصص في دراسة الحوثيين، آدم بارون: "عادت الحرب وفق جميع التعريفات"، مضيفًا: "تدرك الحكومة أن هذا الأمر وجودي".
وانتهت الحرب الأهلية الأخيرة في اليمن بهدنة هشة أبقت الحوثيين مسيطرين على صنعاء، العاصمة، والحكومة مسيطرة على معظم الجنوب.
وتوسع الحوثيون هذا الشهر، بعد هجومهم على الساحل الغربي، ليتوغلوا في الداخل.
وبدا التحالف العسكري اليمني، المدعوم من السعودية، مشلولاً في البداية، لكنه الآن يبدي مقاومة شرسة.
وقال مستشار تقييم المخاطر اليمني الأمريكي، محمد الباشا، إن أكثر من 500 مقاتل حوثي، بينهم قادة، قُتلوا في الجنوب الغربي والشمال الشرقي خلال الأسابيع الأخيرة في معارك السيطرة على جبال كهبوب ومحافظة مأرب الغنية بالموارد.
وقال الباشا، إن الجهود الحوثية الأخيرة واجهت مقاومة أكبر بكثير من هجومهم الأولي على الساحل الغربي، وأضاف الباشا: "لقد عدنا إلى سيناريو السودان، بدلاً من سيناريو سوريا. ويبدو أننا أمام صومال آخر، بجزر من الاستقرار وسط العنف".
ووصف المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الشرق الأوسط، هاشم عسيران، النظام الصحي في اليمن بأنه "على حافة الانهيار، بعد أن أضعفته صدمات متتالية".
وقال عسيران: "كانت أكثر من 40% من المرافق الصحية في اليمن معطلة جزئيًا أو كليًا، ولا توجد مرافق أو كوادر طبية كافية الان لعلاج تدفق الجرحى".
وأضاف عسيران، أن أقسام الولادة تُحوّل إلى غرف طوارئ، بينما يبذل العاملون في المجال الطبي جهودًا مضنية لمواجهة الأزمة.
وقال رئيس برامج منظمة أطباء بلا حدود في الشرق الأوسط، مارك شكل، إن المستشفيات تضررت جراء القتال، وشهد الطاقم الطبي تدفقًا كبيرًا من الإصابات والوفيات، حيث استقبل مستشفى عدن، العاصمة الفعلية للحكومة، 25 جثة في يومين.
أما مستشفى المخا، المدينة التي سيطر عليها الحوثيون في 10 سبتمبر، فلا يزال يعمل، لكن بعدد أقل من المرضى بسبب نزوح أعداد كبيرة من السكان.
وقال شكل: "ما يُقلقنا هو المدنيون، لأنهم في نهاية المطاف سيدفعون الثمن. لا تُولي أي سلطة في اليمن اهتمامًا بهم، وكلا الجانبين عازمٌ على ذلك".
وقالت ممثلة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في جيبوتي، ساندرينا ديزامور، إن الموجة الأولى من اليمنيين الذين وصلوا إلى جيبوتي، الدولة التي يبلغ عدد سكانها 1.2 مليون نسمة في شرق أفريقيا، على الجانب الآخر من مضيق باب المندب، كانوا صيادين في قوارب صغيرة، وأضافت أنهم وصلوا مع عائلاتهم فقط، وتلتهم موجات لاجئين أكثر تنظيمًا.
وأوضحت ديزامور أن العديد من الواصلين هم من النساء والأطفال، وأن الكثيرين منهم يعانون من سوء التغذية، وقالت: "عندما نسألهم عن سبب فرارهم، يصفون فقط القصف العشوائي".
وقالت ديزامور، إن نحو 30% منهم كانوا لاجئين خلال الحرب الأهلية، لكنهم عادوا إلى اليمن بعد أن وجدوا الوضع آمنًا بما يكفي "لإعادة بناء حياتهم"، وقالت: "الآن، لقد عادوا إلى اللجوء مرة أخرى".