تقارير
"السبعين" .. ساحة للاستعراض السياسي ومكان للحوادث المؤسفة

تُغري المساحة الشاسعة لميدان السبعين، في العاصمة صنعاء، السائقين المتهورين لزيادة السرعة، ما يتسبب غالباً بحوادث كارثية، والتي أصبحت لافتة لكثرتها، خاصة مع غياب الترشيد المروري في الميدان، ودخول مركبات غير مرقّمة، وغياب كامل لحل هذه المشكلة المؤرّقة.
ويتزامن ذلك مع حالة الصدام، التي تحدث، في الحشود الجماهرية التي مرت على الميدان، وما زالت تتدفق إليه للاستعراض السياسي أو حتى الاجتماعي، بين فترة وأخرى.
إنه الميدان، الذي يحتفظ بالوجدان الشعبي اليمني بشهرة عالية، ليس فقط سياسياً وتاريخياً، بل ومزاراً سياحياً وترفيهياً للعائلات في صنعاء أو زوّارها من محافظات أخرى؛ بسبب قُربه من الحديقة الأكبر في العاصمة، ومسجد الصالح (سماه الحوثيون مؤخراً جامع "الشعب")، الذي بُني خلال حُكم الرئيس السابق على عبدالله صالح.
التهوّر القاتل
يعدّ ميدان السبعين إحدى أكبر المساحات اتساعاً لمرور السيارات، وأُعِد في الأساس ليكون مكاناً للعروض العسكرية في المناسبات الوطنية، كما أنه تجمّع للمواقف السياسية والتعبير الجماهيري، فهو يشمل أكثر من 10 خطوط للتنقل، في مناطق مختلفة في العاصمة صنعاء.
"محمد توفيق" (28 عاماً) ما يزال يتذكر الحادث المؤسف، الذي حوّل زفاف إحدى قريباته إلى حزن، بعد وفاة فتاتين وإصابة أطفال وفتيات أخريات بكسور وجروح خطيرة، أدخلتهم العناية المركّزة، وظلوا لأشهر يتلقون العلاج في المستشفى.
وقال محمد ل"بلقيس" إن السائق، الذي كان يقلّ الفتيات قبل يومين من العرس ضمن موكب من عدة سيارات، كان مسرعا بشكل مفرط، في ميدان السبعين، وعندما حاول أن ينعطف بالسيارة لدخول الخط الثاني فقدَ السيطرة عليها، وانقلبت السيارة عدّة مرات.
وأضاف: "الحادث أودى بحياة فتاتين وإصابة البقية، بينما كانت السيارة، التي تقلّ العروس، خلفها مباشرة، ورأت المشهد وكان الضحايا من صديقاتها، وعقب ذلك ألغيت كل تفاصيل الفرح، وتحوّل العرس إلى مأتم وعزاء".
من "السبعين" مرّوا
على مدى العشر السنوات الأخيرة، مرت على ميدان "السبعين" خطابات سياسية متناقضة، وكانت كل الأطراف تحشد بالقدر الذي يمتلئ فيه الميدان، ويخلق حالة من الجدل السياسي والإعلامي في الاستعراض بتلك الحشود، التي ترى الأطراف، التي تنظمها، أنها تعبِّر عن شرعية حُكمها.
كان الرئيس المخلوع، علي عبد الله صالح، هو الاسم الأبرز في تاريخ جلب الحشود المناصرة له في الميدان، وازدهرت أثناء ثورة 11 فبراير 2011، رداً على حشود الثوّار، الذّين كانوا يطالبون برحيله من شوارع "الجامعة" أو شارع "الستين". بعد أن رحل من السلطة توقفت الحشود لسنوات، لتعود في العام 2014 من جديد، أثناء سلطة الرئيس هادي، وكان أبرزها تلك الحشود الرافضة لحرب الحوثيين في "عمران"، وبالقرب من العاصمة صنعاء.
في الحقيقة، لم تعبّر تلك الحشود عن قوّة البقاء في المحصّلة النهائية على الأقلّ، وما تلاها من أحداث كشفت حقيقة أخرى للسيطرة والنفوذ، فقد استطاع الحوثيون استغلال هشاشة الدولة والتحالف مع القوات، التي تتبع صالح، والسيطرة على صنعاء، بعد فترة وجيزة من الحشود السياسية والجماهرية.
وفي العام 2017، وبالتزامن مع ذكرى تأسيس حزب "المؤتمر الشعبي العام" استطاع علي عبدالله صالح أن يحشد أكبر عدد من أنصاره للاستعراض أمام محاولة تجاوزه من قبل الحوثيين، بعد سلسلة من الانتهاكات ضد قيادات حزبه، كان مراقبون يعتقدون أن صالح سيُنهي سطوة الحوثيين على صنعاء، ومع نهاية العام اندلعت معارك في العاصمة صنعاء بين الحوثيين وقوات صالح، انتهت بمقتل الأخير، واعتقالات طالت مناصريه، وبشكل درامي انتهت كل قوّة صالح المفترضة، التي كان يستعرض بها.
ميدان النفوذ والتهوّر
في الواقع، لم تعد الحشود تمثل مصدر قوة، على الأقل، بالنسبة لوعي المواطنين والجماهير الشعبية، التي أصبحت مع مرور كل هذه السنين تعي طبيعة تكوين تلك الجماهير، لكن الثابت الوحيد هو أن تلك الحشود في المساحة الواسعة تدفع أصحابها إلى التهوّر وربما إلى القتل، مثل الحوادث المرورية في الميدان ذاته.
"منصور حمود"، موظف في إحدى المؤسسات الحكومية، يعترف أنه شارك في جميع الحشود المتناقضة في ميدان السبعين، وبدأ أثناء حشود صالح، خلال 2011، وصولاً إلى حشود الحوثيين خلال السنوات الماضية، وحتى الفعاليات الأخيرة بمناسبة "المولد النبوي".
يقول منصور ل"بلقيس" إن دافع مشاركته هو الخوف على وظيفته، التي مازال يحصل منها على راتب إلى الآن، رغم أنه زهيد، بالإضافة إلى أنه يخشى حالياً أن يتم تصنيفه من قبل الحوثيين أنه معارض لهم، أو له علاقة بأي من أطراف الحكومة الشرعية.
ويرى الكاتب صلاح النهمي أن "الدلالة بالنسبة لي: أن ميدان السبعين أصبح وسيلة لاستعراض الجماهير والشعبية في صنعاء لمن يفشل في إظهار قوّته عبر الوسائل السياسية، فيلجأ إلى القوة بالتوازي مع الاستعراض الجماهيري الزائف".
وأضاف في حديث ل"بلقيس": "يتم حشد الناس من حول صنعاء، عبر من يسيطر عليها. وطريقة الحشد يتدخل فيها المشايخ والأعيان، ويتم استغلال الوظيفة العامة، وأحياناً التهديد بغرض الحشد".
وقال: "مثلاً، من كان يخرج مع صالح هم أنفسهم من يخرجون مع الحوثي، وهكذا. ربما تختلف الشعارات، لكن تتشابه الوسائل والطرق، وأيضا الهدف".
رمزية تاريخية
يكتسب الميدان رمزية "اسمه" من الحصار الذي تعرّض له الثوّار الذين أطاحوا بالنظام "الإمامي الملكي"، عام 1962، من قبل فلول النظام الإمامي، الذي دام 70 يوماً في عام 1967، ويعتبر الحوثيون امتداداً للنظام الذي أُطيح به. واستضاف الميدان عرضاً عسكرياً في أبريل 1994، بعد تصاعد الخلافات بين شريكي الوحدة، وعلى إثر ذلك اندلعت الحرب الأهلية عام 1994.
خلال العام 2018، عمد الحوثيون على دفن القيادي في الجماعة صالح الصماد في موقع مجسّم "الجندي المجهول"، الذي يعدّ تذكاراً للجنود المجهولين الذين قُتلوا خلال ثورة سبتمبر، التي أطاحت بالنظام الملكي، في محاولة لطمس آثار جزء من التاريخ الجمهوري، في ظل السباق السلطوي للسطو على الميدان.
تتبدل الأحداث التاريخية، وتذوب حشود الطرف المهزوم في الصراع، ويتحول الميدان إلى جزء من الاستعراض والتباهي بالسلطة والنفوذ، لكنّه ربّما ينقلب يوماً عكس كل الأماني للسلطة المبنية على وهم التحشيد المدفوع، والتي بدورها تقود إلى التهوّر الذي يسلك بها إلى الموت ربّما، كما يحدث من السائقين أيضاً.



