تقارير
السياسة في عرف المليشيات.. ماذا تعكس مراوغات الحوثيين بشأن السلام؟

عاد وفد عماني من العاصمة صنعاء بعد لقائه بقيادات في مليشيا الحوثيين دون الإعلان عن أي نتيجة لتلك الزيارة، كما هو حال عدد كبير من الزيارات السابقة لوفود عمانية زارت العاصمة صنعاء، فضلا عن استضافة مسقط لعدة مفاوضات مباشرة بين السعودية وقيادات حوثية خلال المدة الماضية لم تسفر جميعها عن نتيجة تذكر، ربما باستثناء تفاهمات بين الطرفين تتعلق بوقف هجمات الحوثيين على منشآت سعودية مقابل تنازلات معينة قدمتها السعودية للحوثيين، لكنها تفاهمات تظل خاصة بالطرفين، ولا تلامس جوهر القضية اليمنية وإنما تزيد من تعقيداتها، وتلبي كثيرا من طموحات وأهداف مليشيا الحوثيين.
ومنذ ثماني سنوات، لم يمل الوسطاء الإقليميون والدوليون من اللقاءات والنقاشات المرهقة دون جدوى مع مليشيا الحوثيين بشأن وقف الحرب وإحلال السلام في اليمن، والمثير للاستغراب هو ذلك الصبر والنفس الطويل لدى الوسطاء الذين لم يصلوا بعد إلى قناعة بأن خيار السلام لا وجود له في قاموس مليشيا لديها مشروع سلطوي يرتكز على منطلقات عقائدية غير قابلة للمساومة ولا تعرف إلا النصر أو الهزيمة، ويزيد من وطأة الوضع أن المليشيا الحوثية بلا مرجعية أخلاقية ولا تتورع عن الكذب والخداع ونقض أي عهد والتملص من أي اتفاقية تكون طرفا فيها إذا كان ذلك لمصلحة مشروعها السياسي والعقائدي.
- السلام بين استهتار الحوثيين وعدم جدية المجتمع الدولي
تتمادى مليشيا الحوثيين في التعامل باستخفاف واستهتار مع مختلف مساعي السلام في اليمن، وبنفس الوقت فالوسطاء الإقليميون والدوليون يتعاطون مع الاستخفاف والاستهتار الحوثي بمساعي السلام ببرود وسلبية قاتلة، وانجر كثيرون منهم للتماهي مع المليشيا الحوثية من خلال تقزيم القضية اليمنية وحصرها في ملفات إنسانية محدودة، مثل دفع الرواتب وفتح المطارات وما شابه ذلك، وليست قضية مصيرية كبرى تهم جميع اليمنيين وعلى ضوئها يتحدد شكل النظام السياسي للدولة ومستقبل البلاد بشكل عام، ولا يمكن إنهاء الصراع في اليمن إلا بحل شامل ومستدام، أما الحلول الترقيعية البعيدة عن جوهر الأزمة فهي ليست سوى ترحيل للأزمة ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.
كما أن استمرار مساعي السلام يضع علامات استفهام حول النوايا الحقيقية للوسطاء الإقليميين والدوليين بعد أن تأكد لهم أن مليشيا الحوثيين غير جادة في وقف الحرب والحل السياسي للأزمة، لأنهم يدركون أن مراوغات المليشيا بشأن مساعي السلام ليست سوى استهلاك للوقت وحرق المراحل حتى تتمكن من إعداد العدة الكافية لتحقيق أهدافها، فهل الوسطاء الإقليميون والدوليون يواصلون مساعي السلام دون ضغوط حقيقية على الحوثيين ليكونوا شركاء للمليشيا في حرق المراحل واستهلاك الوقت على أمل حدوث متغيرات لمصلحة تلك المليشيا؟
من المؤكد أنه إذا كان المجتمع الدولي جادا في تحقيق السلام في اليمن، فإن بإمكانه فعل ذلك من خلال تهديد مليشيا الحوثيين بعمل عسكري واسع النطاق للقضاء عليها ما لم توافق على حل سياسي شامل ومستدام وتقدم التنازلات المطلوبة لضمان استمرار ذلك الحل، وإذا واصلت المليشيا تعنتها فإنه بالإمكان شن عمل عسكري على مواقعها لإجبارها على الاستسلام والانخراط بجدية في مفاوضات وقف الحرب والقبول بحل سياسي شامل ومستدام.
لكن ما يبدو هو أن الوسطاء الإقليميين والدوليين ليسوا جادين في وقف الحرب وإحلال السلام في اليمن، وربما أن لهم أهدافا متفاوتة حيال ذلك، تتراوح بين استهلاك الوقت لمصلحة الحوثيين، والحفاظ على الوضع كما هو عليه تلبية لأهداف دول كبرى تنظر للحرب كوسيلة لانتعاش سوق شركات تصنيع الأسلحة، وربما استخدام الشعب اليمني كـ"فأر تجارب" لنظريات سياسية قيد الدراسة حول آليات حديثة لتفكيك دول وشعوب وتفتيتها إلى كانتونات ضعيفة ومتصارعة على لا شيء، بما يخدم أهداف قوى كبرى.
- الحوثيون وسياسة استهلاك الوقت
يدرك الجميع أن مليشيا الحوثيين غير جادة في السلام ولا ترغب به، بمن فيهم الوسطاء الإقليميون والدوليون، وأن مساعي السلام ومحاولات إقناع المليشيا به كلها جهود مصيرها الفشل، ولن تقبل المليشيا بالسلام إلا إذا كان استسلاما كاملا لها، لكن لماذا الاستمرار في تلك المساعي مع العلم مسبقا أنها لن تنجح؟ هل الأمر إسقاط واجب أم مشاركة المليشيا الحوثية في سياسة استهلاك الوقت؟ ولماذا لا ينسحب الوسطاء الإقليميون والدوليون من جهود الوساطة ومساعي الحل السياسي، والإعلان أمام العالم عن الطرف المعرقل لعملية السلام، وأن مساعيهم غير مجدية؟
لا شك أن تأجيل الحسم العسكري وجعل الوضع في البلاد في حالة اللاحرب واللاسلم من شأنه منح المليشيا الحوثية المدة الزمنية الكافية لحشد عدد كبير من المقاتلين ومراكمة قدراتها العسكرية استعدادا لجولات جديدة وعنيفة من الحرب، وستكون كلفة القضاء عليها مستقبلا كبيرة للغاية بعد أن تراكم عناصر قوتها، على عكس مما هو حاصل حاليا، أي أن الوضع العسكري للمليشيا الحوثية حاليا لا يؤهلها لشن معارك عنيفة والسيطرة على أراض جديدة، ولو بقدرتها ذلك فإنها ستشعل معارك عنيفة من دون تردد، وما تشنه من هجمات متفرقة في بعض الجبهات فالهدف منهاط جعل مقاتليها في حالة تأهب واستعداد والبحث عن ثغرات للاختراق الميداني إن أمكن ذلك.
وبما أن المليشيا الحوثية تدرك حقيقة وضعها العسكري والقتالي أكثر من غيرها، فإنها تتعمد انتهاج سياسة استهلاك الوقت، على أمل تحقيق بعض الأهداف ومراكمة المكاسب والتنازلات المقدمة من جانب الحكومة اليمنية الشرعية أو المجلس الرئاسي، وأيضا التحالف السعودي الإماراتي.
وهناك أسباب كثيرة تغري مليشيا الحوثيين بالتعنت وانتهاج سياسة استهلاك الوقت وحرق المراحل، ذلك أن استهلاك الوقت سيمنحها الفرصة الكافية لتجنيد أعداد جديدة من المقاتلين ومراكمة المزيد الأسلحة، فضلا عن التعبئة العقائدية للمقاتلين، والرهان على حدوث متغيرات إقليمية أو دولية تكون في مصلحة المليشيا، فهناك سيولة سياسية في المنطقة تتمثل في تصفير الخلافات وإجراء مراجعات في السياسة الخارجية لبعض الدول، مثل السعودية وإيران، وسيكون لذلك تأثير على الصراع في اليمن.
وهناك بعض العوامل التي تغري مليشيا الحوثيين بالاستمرار في سياسة استهلاك الوقت أملا في أن تفضي بعض الأخطاء والانقسامات لمصلحتها، مثل تقديم السعودية تنازلات للمليشيا، وعرقلة معركة التحرير واستعادة الدولة عبر الغارات الجوية التي تعيق الجيش الوطني عن التقدم نحو العاصمة صنعاء، وعدم جدية المجتمع الدولي في تحقيق السلام في اليمن.
وبنفس الوقت، فإن سياسة استهلاك الوقت ستمنح الحوثيين الفرصة الزمنية لمراقبة الخلافات بين مكونات الصف الجمهوري وإلى أين ستصل، والرهان على خلافات وحروب تضعف خصوم المليشيا، فمثلا مشروع الانفصال يرهق حاليا القوى الوحدوية الرافضة للحوثيين، الذين يعتقدون أن الانفصال إذا تحقق فإنه سيحيد القوى الوحدوية الجنوبية عن المشاركة في الحرب على الانقلاب الحوثي واستعادة العاصمة صنعاء، بينما القوى الوحدوية بشكل عام ستكون في صدمة من الانفصال وستشعر بالإحباط من السعودية والإمارات.
وإذا جمعت القوى الوحدوية صفوفها للدفاع عن الوحدة واستعادة الدولة، فإنها ستجد نفسها في مواجهة مليشيا الحوثيين الإمامية من جهة والمليشيا الانفصالية من جهة أخرى، وسيكون أمامها خياران: إما ترك الحوثيين والانفصاليين يرتبون أوضاعهم حتى تقوى شوكتهم ويصعب استعادة الدولة إلا بمرحلة جديدة من النضال والتعبئة الشعبية، أو الانخراط ضد الطرفين في حرب شاملة ستسيل معها أنهار من دماء اليمنيين شمالا وجنوبا، كنتيجة طبيعية لجناية التحالف السعودي الإماراتي على اليمنيين.



