تقارير
العدوان على غزة.. دلالات الصمود ومآلات الجريمة
لم يعد بوسع الاحتلال الإسرائيلي الاستيلاء على منازل الفلسطينيين، وقضم الأرض قطعة - قطعة، بصمت.
فخلال 94 يوما من العنف والدمار، وتضحيات الفلسطينيين، قاتلت المقاومة الفلسطينية قتال المحاربين بما تيسر لها من الأدوات، في حين حظيت إسرائيل بالدعم من الولايات المتحدة والدول الغربية.
أيام طويلة وعصيبة تحولت معها غزة إلى عاصمة الاهتمام العالمي، فكانت نقطة في سطر البطولات الفلسطينية، وسطرا في ملف الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وملفا في تاريخ جرائم الاحتلال، في حرب غير متكافئة، حشد فيها الاحتلال والغرب كل قدراتهم العسكرية، جوا وبرا وبحرا، لمواجهة المقاومة، التي أظهرت صمودا في الدفاع عن كرامتها وحقوقها وأرضها.
يبدو أن المعادلة اليوم تغيٍَرت، إذ تواجه إسرائيل تحديات داخلية؛ بسبب الانقسامات السياسية، والاجتماعية، والأمنية، فيما معركة الأرض والإنسان في يومها الرابع والتسعين من المواجهة العنيفة بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي.
- الهدف إيقاع نكبة
يقول الباحث والمحلل السياسي، الدكتور ماجد عزام: "نحن نقترب من 100 يوم من العدوان الإسرائيلي على غزة، ولا يزال العنوان هو نفسه، فهناك جرائم إبادة يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي على مدار الساعة".
وأضاف: "وزير الزراعة الإسرائيلي - قائد جهاز الشاباك السابق، قال علنا إن الهدف هو إيقاع نكبة بالفلسطينيين، ونحن نقترب اليوم من 100 ألف شهيد وجريح ومفقود، ونزوح 90% من سكان غزة".
وتابع: "إسرائيل تنكّل بالسكان، لكن لا تزال صواريخ المقاومة تصل تل أبيب، وعلى الأرض تقاتل المقاومة بتكتيكات دفاعية مبهرة، رغم أنها حرب غير متكافئة".
وأردف: "غزة منطقة ساحلية، لكن تم تحويلها إلى جبال وأودية، من تحت الأرض، عبر الأنفاق، فإسرائيل تتحدث عن مئات الكيلو مترات من الأنفاق، وتجاوزت لفظ تدمير حماس، أو القضاء على حماس، أو تفكيك قدرات المقاومة".
وزاد: "في حروب غزة السابقة، عندما كان البعض يسأل هل سيكون هناك عملية برية، كنا نقول: لا؛ لأن التقديرات الرسمية في إسرائيل كانت تقول إن أي عملية برية ستحتاج إلى شهور، وربما سنة، وسيكون هناك مئات القتلى الإسرائيليين، وآلاف المصابين، وسيكون هناك آلاف من الشهداء الفلسطينيين، وعشرات آلاف الجرحى، وستكون هناك مليارات الدولارات من الخسائر الاقتصادية".
وقال: "من عشر سنوات، كان الحديث عن مليار شيكل في اليوم، خسائر إسرائيل، لكن اليوم الرقم يصل إلى 250 مليون دولار يوميا، كخسائر مباشرة، وغير مباشرة، نتيجة تعطل الاقتصاد".
وأضاف: "إسرائيل تدمّر، لكنها لا يمكنها القضاء على روح المقاومة لدى الشعب الفلسطيني، والأهم من ذلك أنه لا يمكن تجاوز حقيقة أن هناك قضية لم تبدأ في السابع من أكتوبر، وإنما بدأت في 15 مايو/أيار سنة 1945م، ولا يمكن تجاوز حقيقة أن هذا الشعب يبحث عن حقوق، ولا يمكن للاحتلال أن يظل ينظر إليه من مهداف البندقية".
وتابع: "قضية فلسطين، من الناحية السياسية، عادت حتى عند المنفصمين، الذين عندهم ازدواجية في المعايير، فنحن نسمع في واشنطن وبروكسل وباريس ولندن بأنه لا يمكن تجاوز القضية الفلسطينية، وتجاهل العمليات المنهجية التي حصلت لإزاحة القضية الفلسطينية عن جدول الأعمال، سواء في موضوع التطبيع، أو موضوع مواجهة إيران، أو في موضوع التفرغ لمواجهة الغزو الروسي لأوكرانيا، فجميعها فشلت في السابع من أكتوبر".
وأردف: "هناك مواقف بدأت تتغيّر في بلجيكا وأيرلندا، وحتى في فرنسا، وإن كان الرأي العام في وادٍ والحكومات في وادٍ، لكن حتى هذه الحكومات تعترف أنه لا يمكن تجاوز القضية الفلسطينية بعد ذلك".
- غزة تعطي الدروس وتسقط الأقنعة
يقول مدير قسم الشرق الأوسط لدى منظمة "FD"، الدكتور عبدالمجيد مراري: "إن ما وقع في السابع من أكتوبر أسقط القناع عن هذا العالم، وأحيا عاما آخر، فضح عالما وصالح بقية العالم مع هذه القضية".
وأضاف: "أنا أتحدث عن أوروبا، وكيفية إقبال الأوروبيين على هذه القضية، وكيف تعاطى الأوروبيون مع هذه القضية بشكل إيجابي، فالشارع الأوروبي لا يهدأ على الإطلاق، ولا أظنه يهدأ، فهو مقبل على خطوات مهمة يوم الثالث عشر من يناير، من مظاهرات ومسيرات، وتحركات في هذا الاتجاه، والبرلمانات الأوروبية أيضا كلها تتحرك بالاتجاه الداعم للشعب الفلسطيني، ولِحَق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن حقه واستقلاله ونيل حريته".
وتابع: "الماكينة الإعلامية الدولية، الممولة من الولايات المتحدة الأمريكية، أو من بعض الأنظمة والحكومات الأوروبية، جميعها فشلت في إقناع المجتمع الغربي -على الأقل- أنهم في مواجهة الإرهاب، وأن الاحتلال الإسرائيلي له الحق في الدفاع عن نفسه، وأنه يقاتل إرهابيين، فيما أثبت الواقع أن الإرهاب هو ما يرتكبه الاحتلال الإسرائيلي، وأن الشعب الفلسطيني وأهل غزة في أرضهم، ويدافعون عن أرضهم، بما يخوّله لهم القانون الدولي".
وأردف: "إذا اُحتل شعب يحق له أن يقاوم وأن يدافع عن نفسه، وربما في فلسطين الآن تعطى الدروس في ذلك".
وزاد: "الأوروبيون والحكومات الأوروبية وصفت ما وقع في أوكرانيا بأنه مقاومة، أي أن الأوكرانيين يقاومون الروس، لكن ما يقع في فلسطين هو إرهاب وإجرام، وهذه هي ازدواجية المعايير، التي ضحك العالم كله عليها، واعتبارها سقوطا أخلاقيا للولايات المتحدة وللحكومات الغربية، التي سقط القناع عنها، وزيف شعارات حقوق الإنسان والديمقراطية، التي ترفعها".



