تقارير
القاوق والبندقية.. كيف تغزو مليشيا الحوثي عقول الأطفال في حفلات المدارس؟

"أفسدوا كل شيء جميل في اليمن، حتى فرحة الأطفال في حفلات تكريمهم بالمدارس".. بهذه الكلمات تلخص أم أمجد الحال التي أوصلتها مليشيات الحوثي في العملية التعليمية، وفرض فكرها الطائفي في مناطق سيطرتها.
تقول أم أمجد (ولية أمر طالبين اثنين في المرحلة الأساسية، في إحدى المدارس الأهلية بمدينة إب، الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي): "كنا ناقصين تلغيم عقول أطفالنا وتعليمهم العنف تحت مسمى الجهاد والقتال والجبهات".
في حديثها لـ"بلقيس"، تضيف أم أمجد التي حضرت إحدى حفلات تكريم ابنيها المتفوِّقَين: "هل نحن في صرح عملي وفي حفل تكريم أطفال براعم، أم في جبهات القتال؟"، وذلك في تعليق لها على فقرات الحفل والمسرحيات، التي تحتوي على مشاهد تُكرِّس العنف وسط اشتباكات بالأسلحة وإطلاق الرصاص، والهتافات بالصرخة "الخمينية"؛ في تحريض واضح لاستقطاب الأطفال إلى فكر المليشيا، والالتحاق بجبهات القتال.
ومنذ انقلابها على الدولة قبل ثماني سنوات، تواصل مليشيا الحوثي تعطيل العملية التعليمية، بعد أن عمدت بشكل ممنهج على تغيير المناهج التعليمية بشكل جذري بما يتماشى مع نهجها الطائفي الدخيل على المجتمع اليمني، القائم على الخرافة والحق الإلهي.
وإلى جانب تغييرها المناهج التعليمية، تفرض المليشيا على القطاع التربوي الترويج لفكرها في كل الأنشطة المدرسية من إذاعات ومسابقات ومسرحيات حتى على مستوى حفلات تكريم الطلاب الأوائل.
ففي فقرات الحفل، تشترط على الطلاب لبس ما يسمى بـ"القاوق"، والزي المعروف للإماميين باليمن من "مَحزق" وغيره.
و"القاوق" هي جبة تُوضع على الرأس، ولها دلالات اجتماعية وسياسية، واعتبارها حكراً على الأئمة الزيدية الهادوية - الذين حكموا اليمن منذ عقود- وتغليفها بطابع السلالية كرمز يميِّزهم عن غيرهم ممن لا ينتمون للسلالة نفسها.
- تلغيم عقول الأطقال
عبدالرحيم محمد (46 عاما) -تربوي وقائم على إحدى المدارس الأهلية- يقول: "إن وزارة التربية والتعليم في حكومة المليشيا -غير معترف بها- منعت حفلات المدارس إلا بتصريح مسبق منها، وتشترط إدراج أفكارها ونهجها الطائفي في فقرات الحفل ومسرحياته، إلى جانب عدم تشغيل أي أناشيد وطنية".
في حديثه لـ"بلقيس" يشير محمد إلى أن مليشيا الحوثي تنظر إلى المدارس في مناطق سيطرتها على أنها معسكرات ورصيد مستقبلي تبني مشروعها من جماجم الأطفال؛ وذلك بتلغيم عقولهم بتلك المناهج، التي وصفها بـ"الخطيرة والكارثية" على مستقبل أجيال اليمن.
من إحدى الحفلات في إحدى مدارس إب الأهلية، التي حضرها مراسل "موقع بلقيس"، وثَّق بعضا من فقرات الحفل، التي كان جلها زوامل تروِّج للقتال في جبهات المليشيا، وفقرات إنشاد تظهر الأطفال وهم يرتدون "القاوق"، و"الجنبية التوزة" (زيان محصوران على الأئمة)، ومسرحيات احتوت على أطفال يحملون السلاح، ويتبادلون إطلاق النار على منصة الحفل، وكأنهم في جبهات القتال، تحت مسميات "العدوان والمرتزِقة". في مشهد كارثي؛ تحاول المليشيا غرس العنف في عقول الأطفال، وتحريضهم على قتال اليمنيين.
- استبدال القلم بالسلاح
فضل البعداني (51 عاما) -اسم مستعار- موجِّه تربوي حذّر من مستقبل قاتم ينتظر أجيال اليمن، في ظل سيطرة مليشيا الحوثي، ومواصلتها تطييف المناهج التعليمية، وغرسها مفاهيم استبدال القلم بالسلاح.
في حديثه لـ"بلقيس"، يقول البعداني: "اليمن بات في أكبر مختطف فكري عقائدي في العالم، حيث المناهج التي بدلتها الميليشيا لتخدم أفكارها، وحيث برامج التطييف اليومية التي تبدأ من طابور الصباح، وصولا إلى الدروس الملغمة بآفة الأفكار الإرهابية، وتقديس الموت والحض عليه، وتقديم صورة زعيم المليشيا في ثوب من القداسة الدينية".
وأكد أن المليشيا "لن تتوقف عن انتهاكاتها، وستستمر في هدم التعليم، وتزييف عقول الطلاب، وتحريف المناهج، وتفخيخ مستقبل الجيل، وإهدار كرامة المعلم، ما لم تكن هناك إجراءات دولية حقيقية وجادة، ومساندة مؤسسات الدولة الشرعية؛ لاستعادة الوطن، وتخليص الشعب من أعداء الجمهورية".
- طمس الهوية
ولفت إلى أن مليشيا الحوثي في محافظة إب، وكل المناطق الخاضعة لسيطرتها، تجبر جميع كوادر التربية على حضور اجتماعات دورية، والاستماع إلى محاضراتها، وتوزيع مواد تعبوية ضمن أنشطتها.
هكذا وصلت حال التعليم ومؤسساته في ظل سيطرة مليشيات الحوثي، التي تسعى جاهدة لنشر خرافاتها وأساطيرها الباطلة، بينما المعلِّم، الذي يعد حجر الزاوية في العملية التعليمية، يفتقر إلى أبسط احتياجاته، بعد أن نهبت المليشيا مرتباته وعلاواته ومزاياه، في استهداف ممنهج لتدمير التعليم.
تُعد ظاهرة تجنيد الأطفال واحدة من أبرز صور انتهاكات حقوق الإنسان، خلال الحرب الدائرة في اليمن منذ سنوات، وثقت خلالها تقارير حقوقية العديد من الحالات لدى مختلف الأطراف، لاسيما مليشيا الحوثي، التي شكلت أكثر من 77 بالمائة من حالات تجنيد واستخدام الأطفال، الموثَّقة في تقرير الأمم المتحدة السنوي عن الأطفال ومناطق النزاع.
ومطلع فبراير/ شباط الماضي، قالت الأمم المتحدة للطفولة: "إن الأطفال في اليمن يواجهون تحدِّيات هائلة تؤثِّر على حقوقهم الأساسية في الصحة والتغذية والتعليم والحماية".
وحذَّرت من أن نظام التعليم في اليمن على حافة الانهيار، مؤكدة تعرض ألفين و700 مدرسة للدَّمار أو الضرر، وتسرُّب أكثر من 2.7 مليون طفل من التعليم؛ جراء الصراع الدائر منذ 8 سنوات.
وطبقا للمعلومات، التي وثَّقتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فهناك أكثر من ثمانية ملايين طفل في مختلف مراحل التعليم يحتاجون إلى دعم لمواصلة تعليمهم، في وقت تعرَّضت فيه مدرسة من بين كل أربع مدارس للتدمير أو الضرر، أو استخدامها لأغراض غير تعليمية.
كما تؤكد "يونيسف"، في تقاريرها، أن اليمن يواجه أزمة حادة في التعليم، حيث من الممكن أن يصل عدد الأطفال، الذين يعانون من الاضطرابات التي تلحق تعليمهم، إلى ستة ملايين طالب وطالبة، وهو ما سيكون له تبعات هائلة عليهم على المدى البعيد.



