تقارير

القصف الأمريكي والحياد السعودي.. ما خلفيات التباين في مواجهة الحوثيين؟

القصف الأمريكي والحياد السعودي.. ما خلفيات التباين في مواجهة الحوثيين؟
المصدر : خاص - عبد السلام قائد

منذ بدء هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، برز تباين واضح في المواقف بين الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية تجاه تلك الهجمات، ففي حين اختارت واشنطن الرد عسكريا من خلال سلسلة من الضربات الجوية على مواقع الحوثيين، التي ازدادت وتيرتها ونوعيتها بعد تسلم دونالد ترامب السلطة، فضلت الرياض الصمت والتزام الحياد، متجنبة الانخراط المباشر في المواجهة، رغم أن اقتصادها متضرر أيضا جراء التهديدات الحوثية للملاحة في البحر الأحمر.

من المفترض أن الهجمات الأمريكية ضد الحوثيين تلقى ترحيبا سعوديا باعتبارها ستسهم في إضعاف عدو قاتلته المملكة لسنوات وهدد أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية، إلا أن الحياد السعودي إزاء تلك الهجمات يثير علامات استفهام حول طبيعة العلاقة الراهنة بين واشنطن والرياض، ويكشف عن تباين غير معتاد في مواقف حليفين تقليديين يُفترض أن تجمعهما أولويات مشتركة في مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، خصوصا أن الهجمات الحوثية في البحر الأحمر تلحق أضرارا مباشرة باقتصاد المملكة.

فهل هذا التباين في المواقف يعكس خلافا بين الحليفين التقليديين، أم أنه يبرز اختلاف الأولويات والتكتيكات في التعامل مع الملف اليمني؟ وهل قد يكون هذا التباين مدروسا ومتفقا عليه لتجنيب المنطقة اندلاع حرب شاملة ستؤثر على إمدادات الطاقة، أم أنه يعكس رغبة الرياض في تجنب الانجرار إلى تصعيد غير محسوب انطلاقا من حسابات داخلية وإقليمية، في حين تسعى واشنطن لفرض قواعد اشتباك جديدة وانتهاج سياسة الردع العسكري لحماية مصالحها ومصالح حلفائها؟ وكيف سيؤثر هذا التباين على الصراع الداخلي في اليمن؟

- أسباب متداخلة

هناك عدة عوامل أو أسباب مترابطة ومتشابكة تفسر التباين في مواقف واشنطن والرياض إزاء هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، فالمصالح الاقتصادية، والحسابات السياسية، والعلاقات الإقليمية، والتحديات الأمنية، كلها تتداخل مع بعضها البعض لتشكيل هذا التباين في المواقف بين أبرز حليفين تقليديين في صراعات المنطقة، وفي ظروف تصعيد إقليمي هو الأخطر من نوعه منذ حربي الخليج الأولى والثانية.

يرى البعض أن توجه السعودية نحو المصالحات الإقليمية وعدم الانخراط العسكري مجددا في اليمن يعكس رغبتها في تهدئة التوترات تمهيدا لتحقيق أهداف التنمية ضمن رؤية 2030، غير أن هذا التفسير لا يحيط بكامل المشهد، ذلك أن بعض التوترات ستظل قائمة، وستؤثر مباشرة على استقرار المملكة وتنميتها، وكان من الأجدى معالجة عدد من الملفات العالقة أولا، لتهيئة بيئة مستقرة تسهم فعليا في إنجاح مسار التنمية.

تُعد الحروب والتوترات المزمنة من أهم الأسباب المعيقة للتنمية في أي بلد، ولذا فالسعودية لا يمكنها المضي في إنجاز مشروعات تنموية كبرى والحفاظ على استقرارها الأمني والاقتصادي على المدى البعيد في ظل بيئة إقليمية مضطربة تحيط بها من مختلف الجهات، كما لا توجد ضمانات كافية بأن تبقى المملكة بمنأى عن الصراعات الإقليمية، حتى في حال تحسن علاقاتها مع الأطراف الرئيسية المنخرطة فيها.

وفي هذا السياق، لا يمكن فهم تباين مواقف واشنطن والرياض إزاء هجمات الحوثيين بمعزل عن الخلفيات السياسية والعسكرية التي سبقت ذلك، لا سيما الخلافات التي ظهرت خلال التدخل العسكري السعودي في اليمن، والتي أسهمت في خلق فجوة في الرؤى بين الجانبين.

- نووي إيران وهجمات الحوثيين

رغم أن السعودية أعلنت عن عملية "عاصفة الحزم" في اليمن من واشنطن وليس من الرياض، فيما يبدو وكأنه رسالة لإيران تحذرها من التدخل العسكري المباشر إلى جانب الحوثيين ضد التدخل السعودي، والإيحاء بأنه تدخل مدعوم أمريكيا، فإن أحداثا أخرى قبل عملية "عاصفة الحزم" وبعدها عززت شكوك السعودية واستياءها من تهاون الولايات المتحدة في ردع طهران والحوثيين، وتأمين المنشآت الحيوية في المملكة، مما دفع السعودية في نهاية المطاف إلى تحسين علاقتها مع إيران والحوثيين، وتقوية علاقتها مع قوى منافسة لأمريكا، وتنويع مصادر شراء الأسلحة، وغير ذلك، كنوع من الاحتجاج ضد الولايات المتحدة.

ومنذ أكثر من عقد، تواصل السعودية التعبير عن قلقها العميق إزاء البرنامج النووي الإيراني، وتبلورت هذه المواقف بوضوح في عام 2010، عندما كشفت تسريبات دبلوماسية أن العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز طلب من واشنطن "قطع رأس الأفعى"، في إشارة إلى توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، في موقف يعكس رغبة سعودية صريحة لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية.

وفي عام 2013، أبدت السعودية انزعاجها من توقيع الاتفاق النووي المؤقت بين إيران والقوى الكبرى في جنيف، إذ رأت أن هذا التقارب الأمريكي الإيراني يتم على حساب أمن الخليج، ويهدد توازن القوى الإقليمي.

ثم جاء الاتفاق النووي الشامل عام 2015 ليزيد من توتر العلاقات بين واشنطن والرياض، إذ اعتبرته السعودية اتفاقا ناقصا لا يتصدى لطموحات إيران النووية أو تدخلاتها في المنطقة، بل يمنحها غطاء دوليا وماليا لتوسيع نفوذها.

وفي عام 2019، مثّل الهجوم الذي استهدف منشآت "أرامكو" السعودية نقطة تحول إضافية في موقف الرياض، ففي حين وجهت المملكة أصابع الاتهام مباشرة لإيران، جاء رد الفعل الأمريكي محسوبا ومحدودا، على خلاف توقعات الرياض التي كانت تأمل أن توجه واشنطن ضربات انتقامية لإيران، مما عمق شعور القيادة السعودية بأن واشنطن لم تعد حليفا يمكن الاعتماد عليه في مواجهة التهديدات الإيرانية.

ومع تزايد الهجمات التي استهدفت المنشآت النفطية السعودية وبعض المطارات، وبدلا من أن تتولى واشنطن التصدي لتلك الهجمات، التي كانت السعودية تعجز عن التصدي لها، فوجئت الرياض بسحب الولايات المتحدة لبعض أنظمة الدفاع الجوي من المملكة، عام 2021، بما فيها بطاريات صواريخ "باتريوت" ومنظومة "ثاد"، ووصفت واشنطن هذا الإجراء بأنه يأتي في إطار إعادة تنظيم إستراتيجيات الدفاع الأمريكية وإعادة توزيع الموارد العسكرية على مناطق أخرى تحتاج إلى تعزيزات دفاعية.

ورغم تأكيد الولايات المتحدة حينها استمرار التزامها بأمن السعودية ودول الخليج، والإشارة إلى أن تلك الخطوة تأتي في إطار إعادة توزيع الموارد بما يتناسب مع التهديدات الجديدة، فإن سحب الأنظمة الدفاعية الأمريكية من المنطقة أثار مخاوف السعودية وبعض دول الخليج بشأن التزام الولايات المتحدة بأمن المنطقة، خصوصا في ظل التوترات المستمرة مع إيران.

وفي عام 2021 أيضا، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إنهاء الدعم الأمريكي للعمليات السعودية الهجومية في اليمن، بما في ذلك مبيعات الأسلحة ذات الصلة، مع الاستمرار في دعم الدفاع عن السعودية ضد التهديدات، لكن ذلك لم يكن كافيا لامتصاص غضب الرياض التي بدت مستاءة من إنهاء ذلك الدعم.

وفي فبراير 2022، عبر مجلس الوزراء السعودي مجددا دعمه للجهود الأمريكية لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه أنشطة إيران الإقليمية، بما في ذلك دعمها للمليشيات الطائفية في اليمن والعراق ولبنان.

وفي يوليو من العام نفسه، وخلال زيارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن إلى المملكة، أكد الجانبان على أهمية منع إيران من امتلاك سلاح نووي، إلا أن التطمينات الأمريكية لم تكن كافية لإزالة الشكوك السعودية، خصوصا في ظل استمرار المفاوضات المتعثرة بشأن برنامج إيران النووي.

تعكس الأحداث السابقة تطور الاستياء السعودي من المواقف الأمريكية، بدءا من الدعوة إلى الضرب العسكري المباشر لنووي إيران، مرورا بالغضب من الاتفاقيات النووية، وصولا إلى القلق من فقدان الحليف الإستراتيجي مصداقيته في ردع إيران، وهو ما يدفع الرياض اليوم إلى إعادة تقييم خياراتها الأمنية، وربما التفكير جديا في مسارات بديلة لضمان أمنها القومي، بعد تراجع المظلة الأمنية الأمريكية، وهو ما بدأته فعلا من خلال المصالحة مع إيران برعاية صينية، والتقارب مع الحوثيين بوساطة عمانية.

وفي ضوء هذه الخلفيات السياسية والعسكرية المتراكمة، يمكن فهم التباين الراهن في مواقف واشنطن والرياض إزاء هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، بوصفه امتدادا طبيعيا لمسار طويل من التحولات في العلاقة بين البلدين، يضاف إلى ذلك عوامل أخرى، من أبرزها اختلاف مستوى التهديد المباشر الذي تشكله هجمات الحوثيين في البحر الأحمر على كل من البلدين.

ففي حين ترى واشنطن أن استهداف السفن في البحر الأحمر يمثل تهديدا إستراتيجيا لحرية الملاحة الدولية ومصالحها العسكرية والاقتصادية في المنطقة، تتعامل الرياض مع هذه الهجمات بحذر، كونها لا تستهدف أراضيها بشكل مباشر.

كما أن أي رد عسكري سعودي على هجمات الحوثيين في البحر الأحمر قد ينسف مصالحتها الهشة مع إيران وجهود التهدئة مع الحوثيين خلال الأشهر الماضية، ويعيد فتح جبهة اليمن على مصراعيها، وسط خشية المملكة من أن تتسبب هجمات الحوثيين في تعطل صادراتها النفطية، خصوصا أنها تفتقر لدفاعات جوية فعالة، رغم أنها عززت منظومتها الدفاعية منذ العام 2021 بعد أن سحبت واشنطن أنظمتها الدفاعية من المملكة.

- ترتيبات لم تكتمل

والأهم من كل ما سبق، أن هناك أهدافا وترتيبات سعودية في اليمن لم تكتمل بعد، وتحقيقها يقتضي بقاء الحوثيين كطرف فاعل في المشهد اليمني، لاستخدامهم كمبرر لإطالة أمد الصراع في البلاد واستمرار التدخل العسكري السعودي والإماراتي، ولذلك فالسعودية قد تختلف مع الولايات المتحدة بشأن الموقف من هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، لكنها تتفق معها في أن تكون الهجمات العسكرية ضدهم بهدف إضعافهم وليس الإطاحة بسلطتهم.

وتخشى السعودية والإمارات من أي تطورات عسكرية تكون نتيجتها الإطاحة بسلطة الحوثيين في الوقت الحالي، لأن ذلك سيربك أجندتهما في اليمن، وسيربك حلفائهما في الداخل، وستدخل اليمن في أزمة جديدة بين الفصائل المتناحرة المنقسمة بين الرياض وأبوظبي، وبالتالي فبقاء الحوثيين في المشهد لمدة زمنية طويلة يمنح السعودية والإمارات الفرصة والوقت الكافيين لطبخ مشاريع التفتيت والتقسيم على نار هادئة، على أمل أن تنضج تلك المشاريع وتصبح أمرا واقعا لا يمكن للشعب اليمني أو القوى الوطنية الاعتراض عليها أو إفشالها.

وهذا هو ما يفسر إهدار مختلف الفرص للقضاء على مليشيا الحوثيين واستعادة الدولة في اليمن، وتوجيه ضربة قاضية للنفوذ الإيراني بعد انهيار أبرز أذرعه في المنطقة، ذلك أن استمرار الانقسام بين المكونات اليمنية، وتبعيتها لأجندات إقليمية متناقضة، شجع السعودية والإمارات على إطالة أمد التدخل والعبث في اليمن، عبر دعم مكونات موازية ومناهضة للسلطة الشرعية والإجماع الوطني، وتشجيع حالة التشرذم السياسي والعسكري.

وفي ظل هذا المشهد المرتبك والميؤوس منه، يبقى احتمال حدوث تحول كبير قائما، سواء من داخل الساحة اليمنية أو بتأثير تطورات خارجية، وقد يكون ذلك الحدث لحظة مفصلية تغير مجرى الصراع، وتفتح الباب أمام نهاية حكم الحوثيين، وتحرير القرار الوطني من هيمنة الرياض وأبوظبي، في خطوة أولى نحو استعادة السيادة وبناء الدولة اليمنية على أسس مستقلة ووطنية.

تقارير

الإيكونوميست: السعودية تعرض حوافز وتهديدات على إيران لاحتواء التصعيد الحوثي ومنع المواجهة الشاملة

وأوضحت المجلة أن العرض السعودي تضمن استعداد الرياض وحلفائها لمناقشة ترتيبات أمنية إقليمية أوسع مع طهران في حال قدمت الأخيرة تنازلات تمهد لاتفاق مع الولايات المتحدة. وفي المقابل، حذرت من أن استمرار الرفض الإيراني واستئناف الهجمات على دول الخليج سيقابله استعداد من السعودية وتركيا وباكستان للرد بموجب اتفاق الدفاع المشترك الموقع في أغسطس الماضي، دون تحديد آليات الرد أو الالتزام بتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة.

الإيكونوميست-السعودية-تعرض-حوافز-وتهديدات-على-إيران-لاحتواء-التصعيد-الحوثي-ومنع-المواجهة-الشاملة
تقارير

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: على واشنطن التحرك لوقف انتهاكات الحوثيين وإدراج زعيمها ضمن قائمة الارهاب

ينبغي لوزارة الخزانة الأمريكية إدراج قادة الحوثيين المتورطين في الحصار أو الداعمين له على قوائم العقوبات، بموجب قانون ماغنيتسكي العالمي أو وفقاً لصلاحيات قانونية أخرى مناسبة.

مؤسسة-الدفاع-عن-الديمقراطيات-على-واشنطن-التحرك-لوقف-انتهاكات-الحوثيين-وإدراج-زعيمها-ضمن-قائمة-الارهاب
تقارير

دراسة حديثة تحذر من تحول الحوثيين إلى تهديد إقليمي وتقترح استراتيجية دولية طويلة المدى لاحتواء تهديدهم

شددت الدراسة ، على ضرورة دمج البعد الأفريقي ضمن استراتيجيات أمن البحر الأحمر لمواجهة التشابكات المتنامية بين الحوثيين وحركة الشباب في الصومال، إلى جانب بناء توازن عسكري وسياسي معارض في جنوب اليمن والحد من الترابط العملياتي بين الفصائل المتحالفة مع طهران إقليمياً.

دراسة-حديثة-تحذر-من-تحول-الحوثيين-إلى-تهديد-إقليمي-وتقترح-استراتيجية-دولية-طويلة-المدى-لاحتواء-تهديدهم

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.