تقارير
الكهرباء التجارية في صنعاء.. سوق تحكمه العشوائية ويحتكره النافذون

قبل نقل مسكنه ومعملِه من شارع 'تونس'، وسط صنعاء، إلى حي 'النهضة' شمالا، لم يضع المواطن عبدالإله علي (39 عاما) في حساباته الفوارق الكبيرة في تسعيرة الكهرباء التجارية، التي ستحدث فارقا حال الاعتماد عليها في تشغيل معمَله المتخصص في صناعة الأزياء المدرسية والملابس الطبيّة.
"كان المعروف وفقاً لما هو مُعلن عنه أنهم -إشارة إلى الحوثيين- حددوا سعرا موحدا في كل المحطات بداية من 205 ريالات، ثم ارتفع إلى 225 ريالا للكيلو، وهذا ما كنت أدفعه في شارع تونس، لكن بعد أن قُمت بنقل كل شيء عرفت أن السعر مختلف هنا، وعليّ دفع 350 ريالا للكيلو وات"، يقول علي. ويضيف لـ "بلقيس": "الفارق كبير جدا، على الأقل إن لم يتسبب في خسارتي فسوف يقلّص هامش الربح الضئيل إلى حد كبير".
اتجار السلطة بالخدمات
حددت وزارة الكهرباء التابعة لحكومة الحوثيين تسعيرة الكيلوات قبل عامين بمبلغ 205 ريالات، قبل أن تقرر رفعها إلى 225 ريالا قبل عدة أشهر، لتكون سعرا موحدا بين المحطات التجارية والمحطة العمومية، أو ما يطلق عليها الحكومية، و"هي مؤسسة تجارية بالأساس تابعة للمليشيا قامت على أنقاض مؤسسة الكهرباء بعد بدء المليشيات خصخصتها قبل عدة سنوات، وتستهدف الشوارع الرئيسية، التي تحتوي أسواقا تجارية في الغالب"، بحسب مصدر في وزارة الكهرباء. وأوضح المصدر -طلب عدم الكشف عن اسمه-: "في البداية خصخصوا الكهرباء وتركوا المجال للتجار حتى أسس هؤلاء هذا السوق قبل أن يكتسحه الحوثيون بكل قوتهم وإمكانياتهم من خلال هذه المؤسسة، التي تتخذ الطابع الحكومي، رغم أنها تبيع الخدمة للمواطنين بسعر أي مشروع تجاري، وتعود عوائدها إلى خزائنهم، وفي تمويل الجبهات، وليس خزينة الدولة".
تفاوت
"سعر الكهرباء، التي تستخدمها، يعتمد على حظك ونفوذ تجار النور والنار، فقد تشتري الكيلو ب330 ريالا إن كنت من سكان حي الأدوية وسط صنعاء، بينما يشتريه جارك الذي يطل منزله على شارع القصر المجاور بـ 225 ريالا"، بحسب أحمد فارع -من سكان حي القصر-.
ورغم إعلان السعر الموحّد، وتنفيذ حملة قبل أشهر لضبط المحطات المخالفة، لم يلتزم سوى عدد قليل منها بالتسعيرة، فيما استمر كثير منها باعتماد تسعيرة خاصة، بين 225 -في الشوارع التي تشهد تنافسا بين أكثر من شركة أو تلك التي تحضر فيها مؤسسة الكهرباء التابعة للحوثيين- و390 ريالا في الأحياء التي تسيطر عليها محطة واحدة أو الأحياء البعيدة، مثل 'السنينة' و'شارع الخمسين' ومناطق أخرى.
رسوم الاشتراك والفترات التي يتم تقسم المحطات الشهر فيها هي الأخرى تختلف من محطة إلى أخرى بين محطات تقسم الشهر إلى ثلاث فترات، بواقع عشرة أيام، و برسوم اشتراك قدرها 500 ريال، أو فترتين بواقع 15 يوما، برسوم قدرها 1000 ريال للفترة الواحدة.
الأياد القوية
عن أسباب هذه العشوائية، والتفاوت الذي يقع المواطن ضحيته. يقول "ص. ش" - مسؤول وشريك في إحدى المحطات الكهربائية الخاصة-: "غياب التنافس في الأحياء التي ترتفع فيها، حيث يسيطر عليها بعض القياديين أو التجار المنتمين لجماعة الحوثي، وبالتالي يمنع المنافسون من افتتاح مشروع آخر في نفس الحي"، ويؤكد: "سعيت كثيرا لافتتاح محطة خاصة بي، وكل محاولاتي تمت إعاقتها، لأن قياديا حوثيا كان قد سبقنا، فاضطررت لافتتاح محطتنا بالشراكة مع صديق مؤيد للحوثيين، ويعمل مشرفا معهم".
إلى ذلك يشكو كثير من المواطنين من خلل في العدادات، التي تفرضها المحطات على المستخدمين، ولا تقبل بغير النوعية التي تحددها، وفقاً لتفاهمات بينها وبين المستورد، الذي يكون غالبا هو المستثمر نفسه، وتتفاوت رسوم العداد، التي يطلبها التجار، بين 12 ألف ريال وثلاثين ألف ريال في بعض الأحياء، مثل: 'السنينة' و'الستين' و'النهضة'، رغم أن النوعيات التي تعتمدها كل المحطات جميعها إنتاج صيني.
"وفي ظل غياب الرقابة الرسمية، وسياسة التمييز، والكيل بمكيالين، التي تنتهجها المليشيات في نطاق سيطرتها، وفي ظل سيطرة قادتها على التجارة في القطاعات الخدمية والمهمة، مثل الكهرباء، ستظل العشوائية قانون السوق، ويبقى المواطن تحت رحمة المحتكرين"، والحديث هنا للمصدر في وزارة الكهرباء.



