تقارير
"اللولب".. معركة الحوثي الجديدة لمنع استخدام وسائل تنظيم الأسرة

"لا أدري كيف يفكّر هؤلاء، المجتمعات في زمن الحرب تعمد إلى الحد من الإنجاب، وتتّخذ كل الوسائل لتنظيم الأسرة، وهؤلاء عكس ذلك".. بهذه الكلمات تُلخّص الطبيبة هدى ناصر (اسم مستعار) توجيهات مليشيا الحوثي للمراكز الصحية والعيادات بمنع استخدام "اللولب" لتنظيم الأسرة.
بحسن نيّة تتحدث عن توجيهات المليشيا بمنع استخدام النساء "اللولب" لتنظيم الأسرة، لم تدرك الطبيبة أهداف المليشيا الخفية من وراء ذلك التعميم، والمتمثل بزيادة الإنجاب، الذي يتماشى مع نهج وفكر الجماعة، التي تستثمر ذلك لرفد جبهاتها بالمقاتلين.
في حديثها ل"بلقيس"، تقول هدى (طبيبة نساء وولادة، تمتلك عيادة خاصة وسط مدينة إب "الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي") إن تعميم الجماعة وصلها، مبديةً في الوقت ذاته استغرابها من تلك التوجيهات، كما اعتبرت ذلك تعديا سافرا على الحقوق الشخصية، وأن "مسألة الإنجاب من عدمه هي شأن الزوجين أو الأسرة فقط"، حد قولها.
وتشير الطبيبة إلى أن 'اللولب' هو أكثر وسائل منع الحمل، وأنجعها، ويعدّ آمناً (صحياً ونفسياً) على المرأة، مقارنة بالوسائل الأخرى ك'حبوب منع الحمل' أو 'الشريحة'.
'اللولب' و'الهُوية الإيمانية'
والسبت 23 يناير/ كانون الثاني الجاري، أصدرت وزارة الصحة التابعة لحكومة الحوثي (غير المعترف بها دوليا) تعميما لمدراء عموم مكاتب الصحّة في المحافظات الخاضعة لسيطرتها، يوجّه بمنع وإلغاء 'قلاب المشورة' (اللولب) لتنظيم الأسرة من جميع المرافق الصحيّة.
وبحسب التعميم، فإن الوزارة عملت على إعداد دليل وطني في 'حزمة خدمات تنظيم الأسرة'، يتماشى مع التوجيهات والسياسات الملائمة لعادات وتقاليد ما سمته "هُويتنا الإيمانية".
وزعمت المليشيا، في تعميمها، أنها تعمل على إعداد 'القلاب' على ضوء الدليل، وبما يلبّي الجانب التثقيفي والتوعوي في 'حزمة خدمات الصحّة الإنجابية'.
وتداول ناشطون صورة لتعميم المليشيا على منصات التواصل الاجتماعي، ساخرين من تلك التوجيهات التي تشكل انتهاكاً جديداً لحقوق الإنسان، وتدخلا سافرا في الحُريات الشخصية والشؤون الأسريّة.
وفي الشأن ذاته، يستبعد هزاع فيصل (46 عاما)، وهو عامل بالأجر اليومي، قُدرة الحوثيين على إيقاف وسائل تنظيم الأسرة، فيما يخص الإنجاب، لأن ذلك حُرية شخصية، وشأن يخصّ الرجل وامرأته، مراعاة لصحة المرأة، وأيضا للوضع المعيشي السيّئ.
يقول فيصل، الذي يعيل ستة أولاد، في حديثه لـ"بلقيس": "مع الوضع المعيشي السيّئ، وانقطاع المرتبات منذ خمسة أعوام، وتوقف الأعمال، قد الشخص يفكِّر حاليا يُطلق زوجته، نظرا لعجزه عن توفير متطلبات الأسرة، فما بالك بمسألة التنظيم، والتوقّف عن إنجاب الأطفال".
وأضاف "حاليا لا أستطيع توفير قُوت اليوم لأطفالي، وأعجز أيضا عن توفير المستلزمات المدرسيّة لهم"، مشيراً إلى أن "سعر الباكت الحفاظات يتجاوز 5 آلاف ريال، وعُلبة الحليب (أصغر حجم) يصل سعرها إلى 4 آلاف ريال، وارتفاع أيضا أسعار السلع الغذائية، فيما سعر الطّن الحدِيد وصل إلى نصف مليون".
إملاءات إيرانية
الناشط السياسي محمد المقبلي هو الآخر اعتبر تعميم الحوثي بمنع استخدام 'اللولب'، فيما يخصّ تنظيم الأسرة، نسخا ولصقا للإملاءات الإيرانية، التي تحاول المليشيا فرضها على المجتمع اليمني.
وقال المقبلي في تصريح ل"بلقيس": "قبل أشهر، المرشد الأعلى للثورة الإيرانية خامنئي تبنّى الأمر، وتم تعميمه في طهران، وتناقلته وسائل الإعلام".
وأضاف "الأمر -وفق تقديري- متعلق بفرض الصبغة 'الخمينية' على حياة الناس، وهي مرحلة لم تصل إليها أسوأ الجماعات الإرهابية، إذ أن الأمر متعلق بالتسلط على أرحام النساء"، حد قوله.
الوجه الآخر ل'داعش'
وتقدّم مليشيا الحوثي نفسها للمجتمع بصفتها الدّينية الطائفية، من خلال تسمية انقلابها على الحكومة الشرعية في سبتمبر من العام 2014، ب"المسيرة القرآنية"، وتتحدث عن هُويتها الثقافية باسم "الهُوية الإيمانية"، التي تستند إلى مرجعيات طائفية، تحاول إجبار الناس على تطبيقها.
وشنّت مليشيا الحوثي الانقلابية حملة انتهاكات واسعة ضد الطالبات والموظفات في الجامعات والمؤسسات الحكومية، وصلت حد الاختطاف، تحت ذريعة "منع الاختلاط".
وعمدت إلى التضييق على المواطنين في مناطق سيطرتها، تحت مسميات عديدة، أبرزها: "محاربة ومنع الاختلاط"، "أحزمة البالطوهات"، "الحلاقة وقصات الشعر"، "إغلاق المقاهي"، ومؤخرا منع استخدام 'اللولب' في تنظيم الأسرة، وكذلك مداهمة محلات الملابس النسائية لمنع عرض ملابس النساء على واجهات المحلات، معتبرة ذلك من أسباب "تأخير النصر" - حسب زعمهم.
وسبق أن اتهمت تقارير حقوقية مليشيا الحوثي بمحاولة هيكلة المجتمع بصورة نمطية تتناسب مع فكرها، كما يشاهد في إيران وغيرها من المجتمعات الاستبدادية، التي تخشى من أي تنوّع، وتحاول تصبيغ المجتمع وفق رؤيتها.
تحذيرات أممية من المجاعة
يأتي توجيه مليشيا الحوثي هذا في الوقت الذي تحذّر فيه الأمم المتحدة من "خطر تزايد معدلات المجاعة في اليمن"، حيث يعيش نحو 50 ألف شخص بالفعل في ظروف شبيهة بالمجاعة حاليا، مع خمسة ملايين آخرين على بُعد خطوة واحدة من المصير ذاته.
وقال ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، خلال مؤتمر صحفي عقده الأربعاء الماضي: "مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 150 بالمائة عن المتوسط قبل النزاع، وانخفاض قيمة الريال اليمني، أصبح تهديد الجوع بالنسبة للملايين حقيقة واقعة".
وفي وقت سابق، قالت مندوبة "يونيسف" في اليمن، سارة بيزولو نيانتي، إن "حوالي 7,8 مليون طفل خارج المدارس الآن، مما يعرّضهم لخطر عمالة الأطفال والتجنيد في الجماعات المسلحة، وزواج الأطفال".
وأواخر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، قالت المديرة التنفيذية ل"يونيسف"، هنرييتا فور، في بيان صدر عنها: "يسير اليمن رويداً رويدا نحو ما وصفه الأمين العام للأمم المتحدة 'أسوأ مجاعة يشهدها العالم منذ عقود'، ما يعني أن الخطر على حياة الأطفال بات أكبر من أي وقتٍ مضى". وأكدت أن حياة ملايين الأطفال في "خطر كبير" مع دنو اليمن أكثر من حافة المجاعة. وأشارت إلى أن هناك أكثر من 12 مليون طفل بحاجة إلى المساعدة الإنسانية.
وذكرت المسئولة الأممية أن اقتصاد اليمن يترنح، ونظامه الصحي وصل إلى حافة الانهيار منذ سنين، وبنيته التحتية العامة الحيوية قد تضررت أو تدمرت جراء القتال، و"هناك تجاهل فاضح وصادم للقانون الإنساني الدولي".
ويقف النظام الصحي اليمني على حافة الانهيار، وكانت المساعدات هي ما أعانه على الاستمرار. وانتشرت 'الكوليرا' و'الملاريا' و'حمى الضنك' وسط السكان الذين يعانون من سوء التغذية حتى قبل تفشي فيروس 'كورونا'.
وتسببت الحرب، الدائرة في البلاد منذ ستة أعوام، بأسوأ أزمة إنسانية في العالم، حيث بات 80 % من اليمنيين -أي أكثر من 24 مليون شخص- بحاجة إلى المساعدة الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، وفق تقارير أممية.



