تقارير
"المبسطون".. بين مطرقة الركود وسندان الجبايات الحوثية

مرت خمسة عشر سنة منذ افتتح أبو محمد (48 عاما) "بسطته" الكائنة في شارع "القصر"، وسط صنعاء، لتصبح باب الرزق الوحيد لعائلته المكونة من ثمانية أفراد، ولتكون وجهة القليل من زبائنه، الذي ينتمون غالبا للطبقة الفقيرة، والذين يبحثون عن الملابس المستعملة الرخيصة، بعد أن حالت الأوضاع المتدهورة والغلاء وغياب الرواتب، مؤخرا، دون تمكنهم من شراء الألبسة الجديدة من المحلات التجارية.
لكن مصير "بسطة" أبو محمد وآلاف "البسطات"، التي تنتشر في شوارع صنعاء، بات في مهب الحملات اليومية التي تقوم بها البلدية لمداهمتها وملاحقة أصحابها، الأمر الذي أدى إلى عزوف الكثير منهم عن فتحها، وتسبب بمقتل ثلاثة من موظفي البلدية قبل أيام، من قبل ملاك إحدى "البسطات" في "باب اليمن".
باب الرزق ونوافذ الارتزاق
منذ انقلابها وسيطرتها على العاصمة صنعاء، وعدد من المحافظات اليمنية، سعت المليشيا الحوثية لزيادة مصادر دخل عناصرها، وتوسيع سُبل تمويل حروبها عن طريق الجبايات، التي تفرضها على المستثمرين ومُلاك المشاريع التجارية الكبيرة والمتوسطة، لتبلغ "المبسطين"، أخيرا.
"مرت حكومات وتغيرت الدولة وجاءت الحرب، ونحن نطلب الله ونرضى بما قسم لنا من رزق، حتى جاء هؤلاء ليقاسمونا اللقمة، التي ننتزعها بصعوبة وتعب".. يقول أبو محمد، معبرا عن استيائه من الجبايات التي تفرضها الميليشيا منذ سيطرتها، تحت مسميات عدة من بينها: "المجهود الحربي، النظافة والتحسين، قوافل دعم المجاهدين وغيرها"- بحسب أبو محمد.
وبالإضافة إلى الجبايات المتواترة بين فترة وأخرى، كانت المليشيا قد فرضت على ملاك "البسطات"، مؤخرا، إيجارا شهريا يبلغ 3000 ريال، بمعدل مائتي ريال يوميا للمتر الواحد.
بلطجة وخوف
ويشكو أصحاب "البسطات" من الأساليب المتّبعة في التعامل معهم، بغية إخضاعهم، معبرين عن استعدادهم لدفع المتوجب عليهم قانونا، "حتى لو اقتصر الأمر على إيجار شهري بالقانون، لكن الأمر يتعدى إنفاذ القانون إلى الاستلاب، ونهبنا مبالغ غير المحددة في الأمر، من بينها أجرة المتنفذين، والذين لا يقلون عن ثلاثة في كل مرة".. يقول صهيب عقلان.
مصطفى سعيد (34 عاما)، وهو مالك "بسطة" لبيع الملابس الداخلية، يؤكد الأساليب التي يتعامل بها موظفو البلدية ومأموروها معهم، حيث يقول ل"بلقيس": "يأتون جماعة وبطريقة العصابات لا يمكن التفاهم معهم، لا يمكنك إقناعهم إن كنت لم تستطع البيع والحصول على ما يطلبونه قبل وصولهم، والذي يكون في الصباح غالبا" .. وبحسب سعيد، فإن الإجراءات التي يتخذونها بحق مالك "البسطة" تكون أشد قسوة وأكثر تكلفة مما يطلبونه، كما يضيف: "في حال تأخرك في الدفع لهم يستولون على بضاعتك، وحينها لن تعود إلا بعد دفع المطلوب سابقا، بالإضافة إلى الخسارة من أجل استرجاع البضاعة مجددا"..
من جانبه، يصف أبو محمد العمل في ظل مداهمات البلدية، والتي زادت من مصاعب حصولهم على رزقهم: "منذ بدأت الحملة ونحن نعيش في قلق وخوف، نفتح بسطاتنا ونظل على أهبة الاستعداد للهرب، قبل وصول البلدية والنجاة ببضاعتنا". ويضيف: "بدل البحث عن الزبون ننشغل بترقب موظفي البلدية، عين في الشارع ترقبهم وعين على البضاعة، وننسى الزبون".
الركود.. جبهة أخرى
تأتي هذه الإجراءات الأخيرة والحملات، التي تنفذها بلدية أمانة العاصمة، في فترة تعاني فيها الأسواق من ركود كبير في ظل تدهور الأوضاع المادية للمواطنين، وانقطاع الرواتب، بالإضافة إلى ارتفاع الأسعار، وهو ما أدى إلى عجز كبير، بحسب صهيب.
يقول: "نحن لا نربح كثيرا، ونعاني منذ عام كامل من الركود وقلة البيع، بسبب الأوضاع التي تمر بها البلاد، وجاءت هذه الإجراءات لتنهي على ما تبقى". ويضيف: "صحيح أن مبلغ الإيجار المفروض قليلا، لكنه، بالإضافة إلى الجبايات الأخرى وبالمقارنة بدخلنا، يكون القشة التي ستقصم ظهر الكثير منا".



