تقارير
"المخبز البلدي".. قصة نجاح ملهمة ليمنيات في زمن الحرب

عند تمام الثامنة والنصف من صباحات صنعاء مُذ قرابة 7 أعوام، تكون الخمسينية "سميحة" قد باشرت العمل في مخبزها الخاص بصناعة كافة أنواع المخبوزات البلدية، تحديداً "الصنعانية".
تقول سميحة لبلقيس: "الخبز البلدي كان يُباع في بعض الأسواق الشعبية بشكل عشوائي، لكن أنا أعدت تنظيم وترتيب صناعة الخُبز وبيعه، وافتتحت أول مخبز بلدي خارج المنزل بداية الحرب، بسبب ظروفي المادية الصعبة". لم تخترعْ سميحة فكرة صناعة وبيع المخبوزات البلدية، التي كانت متوفّرة مسبقاً بطرق شعبية وعشوائية، لكنها عملت على تحديثها بشكل أكثر تنظيماً وأفضل جودة صِحية من ذي قبل، الأمر الذي خلق لها رواجاً لافتاً.
تضيف لبلقيس: "معي عاملات متخصصات في صناعة الخُبز البلدي بأنواعه، داخل المخبز، لأني قسّمت المحل شِقين، الشق الداخلي المخبز، والخارجي للبيع".
لم تكن أقراص الخُبز البلدي المتنوّعة حاجةً لسد جوع الراغبين تذّوقها فقط، بل كانت أقراص عودة الحياة لكثير من العاملات في المِهنة الناشئة والمطوّرة خلال فترة الحرب. الخبّازة "أم ندى"، تبلغ من العمر 39 عاماً، وتعمل في مخبز بلدي، تقول لبلقيس: "أخبِز هنا بأجر يومي، لأنه معي أطفال وزوجي بلا عمل، الحمد لله أغطي مصاريف البيت والإيجار".
بتحديث سميحة لفكرة المخْبز البلدي وتطويره، تكون قد خلقت فرصاً كثيرة لنساء تأثرت ظروفهن المعيشية، وعُدّن للحياة مع أُسرهن عبر طريق أفران الخُبز البلدي المتعدد بالأنواع ذات المسمّيات المختلفة.
وانعدام مادة الغاز المنزلي أحد الأسباب الإضافية التي ضاعفت انتشار المخابز البلدي، وجعلت السكان يشترون تلك المخبوزات، بحسب ما قاله أحد المواطنين لبلقيس، الذي شكا من انعدام مادة الغاز في منزله.
فكرة بسيطة
نجحت عشرات النساء في العاصمة صنعاء في تقليد فكرة تحديث المخابز البلدي على طريقة "سميحة" (أول مبتكرة لفكرة تحديث صناعة وبيع الخبز البلدي)، التي تعتبر صاحبة أول مخبز بلدي تم إنشاؤه في زمن الحرب، كنوع من البحث عن مصادر بديلة للدخل المعيشي.
ورغم بساطة الفكرة إلا أنها خلّاقة لفرص عمل ومصدر دخل لمئات من النساء اللواتي قست عليهن ظروف الحياة. حيث تنتشر عشرات المخابز البلدية في شوارع العاصمة صنعاء كمهنة حديثة للعيش، تكاثرت بفعل غياب الفرص. "سبأ"، البالغة من العمر 41 عاماً، ومالكة مخبز بلدي، تقول لبلقيس: "قبل 5 أعوام كنا قد خسرنا كل مدخراتنا، وما معنا مصدر دخل، قررنا أنا وأخواتي نفتح مخبز بلدي مثل بنت فلان، ونعيش منه، والحمد لله أمنّا دخل معيشي للأسرة". جاءت فكرة انتشار المخابز البلدية وتقليدها، خصوصاً في أوساط النساء، نتيجة نجاح معظمها، وتحقيق أرباح لا بأس بها للسبّاقات في إنشاء المخابز. سعى بعض الرِّجال في دعم وتشجيع قريبات لهم لتقليد الفكرة، خصوصاً ممن فقدوا مصادر دخلهم، وانقطعت عملية صرف مرتباتهم منذ قرابة 5 أعوام.
الموظف "محمد ناشر"، البالغ من العمر 38 عاماً، يقول لبلقيس: "تشاركت مع أختي وفتحنا مخبز بلدي من شأن نعيش، لأنه صِرنا بلا مصدر دخل وبلا رواتب، وتديره أختي من كل النواحي".
طالت الحرب وتضررت حياة المواطنين بصورة مُرعبة، وأصبحت حياتهم نوعاً من المأساة، لكن أملهم في استمرار الحياة بشكلها البسيط يتمثل في توفير مصدر الدخل المعيشي.
كان المخبز البلدي فرصة بديلة لمصدر الدخل لبعض الأسر التي حاولت بعض نسائها في التشارك بتأسيس وافتتاح مخبز ما.
"نادية"، البالغة من العمر 40 عاماً، تشاركت مع 3 صديقات لها بافتتاح مخبز بلدي، وهي القائمة على إدارته.
تقول لبلقيس: "نحن 4 صديقات، قُمنا بافتتاح المخبز لتغطية مصاريف عائلاتنا التي فقدت مصادر دخلها المعيشي".
تنوّع المخبوزات
يُحسب للمخبز البلدي تنوّع منتوجاته التي تختلف بعضها في موادها الخام من الحبوب وغيره.
الطبيب "صادق الخياطي" يُفّضل الخبز البلدي، ويشتريه من المخبز المجاور لمنزله. يقول لبلقيس: "الخبز البلدي صحي على الجسم، لأن معظم الحبوب محلي غير مستورد وهو لذيذ، ويتميّز بمجموعة عناصر غذائية".
وتنتج المخابز البلدي أنواعا من المخبوزات مثل: "الملوج، الخبز البلدي، الجحينة، الذمول، القفوع، الكعك البلدي، إضافة الى اللحوح".
وتتكوّن من أنواع مختلفة من الحبوب غير المستورد، مثل: "الذرة بمختلف أنواعها، الدُخن، البر البلدي".
ونظراً لارتفاع أسعارها مقارنة بأسعار الخبز المصنوع من الدقيق المستورد، يقول أحد المواطنين لبلقيس: "نتمنّى نأكل من المخابز البلدي، لكن أسعارهم غالية، ما نشتريه إلا خورة".
الأمر الذي تبرر أسبابه سميحة بقولها لبلقيس: "أصلاً سعر الحبوب غالي، والغاز نشتريه من السوق السوداء، ومعانا عاملات بالأجر اليومي، أيش عاد نستفيد؟".
إضافة إلى ذلك، فمالكات المخابز البلدي ملزمات بدفع إيجارات المحلات التي أصبحت باهظة الثمن في العاصمة صنعاء.
ويبلغ سعر الحبّة الملوج 300 ريال، ما يعادل نصف دولار سعر الصرف في مناطق سيطرة المليشيات الانقلابية.



