تقارير
المخلفات في تعز بديل البُسطاء عن الغاز المنزلي!!

قناة بلقيس - هشام سرحان
يطول بحث البُسطاء في تعز عن الحطب والأخشاب والكراتين والورق والأكياس والعُلب البلاستيكية، لكن ذلك أقصر الطُّرق وأيسرها وأقلَّها كلفة، لإشعال مواقدهم البدائية، وإعداد قهوتهم وطعامهم وخبزهم، وإيجاد بديل للغاز المنزلي، الذي يشهد شحة وارتفاعاً جنونياً في أسعاره، ما أعجز البعض عن شرائه، لتدهور أوضاعهم المادية، وتراجع قدراتهم الشرائية، وافتقارهم للمال في ظل انقطاع الرواتب، وغياب الأعمال، ومصادر الدخل، وندرة المساعدات، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، جراء الحرب والحصار المُطبق على المدينة، الواقعة جنوب غرب البلاد، من قِبل مليشيا الحوثي للعام السابع على التوالي.
يتوه الفقراء بين قلّة فرص الحصول على أسطوانة غاز وبين البحث عن بديل يدرأون به فاقتهم، وشدّة حاجتهم، ولو عبر المخاطرة بأرواحهم، وتعريضها للتلوث، وأمراض الجهاز التنفسي، فضلاً عن تعرّض طعامهم وخبزهم للدخان الكثيف، الذي يغيِّر شكله ولونه ونكهته ومذاقه.
يقود الكثيرون رحلة بحث شاقة عن الغاز المنزلي، ويصطفون، في صفوف طويلة، على أبواب محلات ووكالات بيع هذه المادة، في مدينة تقلّ فيها إمدادات الغاز، والكميات المخصصة لها، من قِبل شركة 'صافر' للغاز، حسب مصادر رسمية ذكرت لموقع 'بلقيس': "نسبة النّقص الفعلي في كميات الغاز المخصصة 50%، في حين تحتاج مدينة تعز يومياً لقرابة 9 آلاف إسطوانة".
في المقابل، تبحث الأُسر المثخنة بالعوَز، وبشكل شبه يومي، إما عن الحطب أو المخلّفات القابلة للاشتعال، وتتخذ منها بديلاً للغاز المنزلي، الذي أضحى -بالنسبة لها- حلماً صعب المنال، وأحد المتطلبات الضرورية المستبعدة من قائمة اهتماماتها، والخارجة عن نطاق قدرتها المادية والاقتصادية المنهكة.
تثير أزمات الغاز المتواترة في المدينة سخط الشارع والناشطين والمهتمين بالشأن الإنساني، وتتصدر قائمة اهتماماتهم، كما تسجِّل حضوراً ملحوظاً في فعالياتهم الاحتجاجية، التي ارتفعت حِدتها خلال الستة الأسابيع الأخيرة، في الوقت الذي تتوغّل تبعاتها بشكل خفي في تفاصيل حياة المعدَمين، وتفاقم من معاناتهم وعذاباتهم، التي يكابدونها بصمت، ودون أن يلفتوا الانتباه، أو يثيروا التعاطف والاهتمام الرسمي والمجتمعي.
* بدائل
أم خالد (42 عاماً)، أم لستة أطفال، لجأت -مطلع هذا العام- إلى استبدال تنورِها وفرنها أو موقدها الذي يعمل بالغاز بآخرين بدائيين، يعملان بالحطب، أو المخلفات الورقية والبلاستيكية، وهي مواد تستخدمها أحياناً في إعداد الطعام والفطير البلدي، وغيرها.
تذكر لموقع 'بلقيس': "في حال لم يتوفَّر لدينا الغاز أو الحطب نستخدم أحياناً الورق والكراتين، أو الأكياس والعلب البلاستيكية، فنحن مجبرون على فعل ذلك، وإلا سنموت جوعاً".
وتضيف: "يُؤذينا الدُّخان، كما يغيِّر من لون ونكهة ومذاق الأشياء التي نسوِّيها، ولكن ذلك أهون علينا من أن نتسوَّل الآخرين".
تختلف وجهات الأشخاص الباحثين عن بدائل للغاز المنزلي، فالفتاة المُقيمة في مُخيم 'الكدحة' للنازحين، ذكرى عبدالله (35 عاماً)، تتجول حول المُخيم، وتجمع المخلَّفات والحطب من الأشجار الشوكية المتناثرة في المكان، ثم تعود لتشعل المافي (تَنُّور من الفخار)، وتُعِد أقراص الفطير البلدي لها ولأسرتها، كما تقول لموقع 'بلقيس'.
وتضيف: "الغاز غير متوفِّر لدينا، لذلك أجمع، وبشكل شبه يومي، الحطب أو الأوراق والكراتين والمواد البلاستيكية، تحت أشعة الشمس الحارقة".
يصعب على الأُسر الفقيرة في وسط المدينة الحصول على الحطب، ما يدفعها نحو البحث عن بدائل أخرى، حسب الناشط الحقوقي وعضو "تكتل حركة الجياع"، الأربعيني فيصل العسالي، الذي ذكر لموقع 'بلقيس': "نشاهد يومياً بعض الأُسر الفقيرة وهي تحتطب من أطراف المدينة، أو تجمع المخلفات البلاستيكية، والكراتين التالفة من براميل القمامة، والأسواق، وغيرها من الأماكن التي تتوفَّر فيها، وذلك للاستفادة منها في أعمال الطبخ، وإعداد الشاي والقهوة، وأقراص الخبز".
يعكس ذلك مدى التراجع الحاصل في أساليب عيش المواطنين، والنَّكسة الخطيرة التي أصابتهم، والتدهور المأساوي الذي حلَّ بهم، وأعادهم إلى الوراء كثيراً، كما يُظهر حجم البُؤس والشَّقاء الذي خلّفته الأوضاع الراهنة.
* أسباب
يُعد ذلك نتيجة حتمية لانعدام وغلاء الغاز المنزلي، الذي يفرض على البُسطاء والمعدَمين اللجوء إلى بدائل مختلفة، بينها استخدام مخلّفات الحيوانات الصلبة أو المواد البلاستيكية والورقية، كوقود لطهي الطعام، إلى جانب تخفيض عدد الوجبات، وهو ما يشير إليه الكاتب الصحفي عبدالواسع الفاتكي، مضيفاً: "هناك أَسر استبدلت مواقد الغاز بأخرى تعمل بالكيروسين أو الفحم، فيما لجأت بعضها إلى طبخ كمية كبيرة من الطعام، وتناولها خلال يومين، في حين قللت أُسر من عدد وجباتها إلى اثنتين أو واحدة في اليوم".
لجوء الكثير من الأُسر إلى تلك الطُّرق يفصح عن تدهور أوضاعها المادية والمعيشية والإنسانية، وتوسُّع دائرة الفقر والبطالة، جراء انقطاع الرواتب، وفقدان الأعمال، ونُدرة فرص العمل، ومصادر الدخل، خلال سنوات الحرب، التي رافقها أزمات وقود، وغاز منزلي، متواترة، كما شهدت ارتفاعاً حاداً في أسعارها، وتوسُّع في المتاجرة بها في السوق السوداء.
يقول الصحفي المتخصص في الشأن الاقتصادي، وفيق صالح، لموقع بلقيس: "أضحى استخدام الحطب في الطهي خياراً مناسباً بالنسبة للكثير من الأُسر، وأصحاب المخابز والأفران، ويعود ذلك إلى ارتفاع أسعار الوقود والغاز المنزلي بصورة خيالية، وتراجع القدرات الشرائية لشرائح كبيرة من الشعب اليمني، خصوصاً مع توقف رواتب الموظفين للعام السادس على التوالي، في مناطق سيطرة الحوثيين، وانعدام فرص العمل، وتسريح القطاع الخاص آلاف العاملين.



