تقارير
المطابخ الخيريّة.. مبادرات شبابية تكافح الجوع في اليمن

"آكل وأولادي الأربعة من هنا طوال العام"، كلمات اختصرت بها رُقية سالم الكدن، وهي تقف أمام أحد المطابخ الخيريّة في العاصمة صنعاء، المأساة التي يعيشها ملايين اليمنيين جراء استمرار الحرب في البلاد منذ قرابة سبع سنوات.
تُمسك الكدن، التي تعاني من ضعف حاد في النظر، بيد أحد أبنائها الثلاثة الذين يتناوبون على إحضارها إلى المطبخ الخيري، لتأخذ حصّتها اليومية من وجبة الإفطار، المكوّنة من: أرز، وطبيخ، وكدم، تقسمها بين وجبتي الإفطار والسحور.
تقول الكدن لـ"بلقيس": "كنا نعيش مستورين، زوجي كان يعمل بنّاءً، لكنه تُوفي قبل عامين، ولا يوجد من يعيلنا، وأتحمّل عبء أبنائي الثلاثة الآن"، مضيفة: "عادهم (مازالوا) صغار، ونأتي إلى هنا كل يوم للحصول على ما يسد جوعنا".
أمام المطبخ الخيري وتحديدا عند الساعة الرابعة والنّصف، يتجمّع الرجال والنساء في صفين متوازِيين، وجوهٌ يملؤها الألم والحسرة، تحكي حال سِني الصراع التي أثقلت كاهل المواطنين، لكن ما إن تنال ما جاءت من أجله حتى تغادر والسعادة تغمرها، وكأنّما فُتحت لها ليلة القدر.
وجبة طوال اليوم
من بين الزّحام خرج المُسن أحمد غالب الحياة، بوجهه الشاحب وشعره الكث الذي غزاه الشَّيب، وأتى على لحيته، والتجاعيد، التي نحتت أيام عُمره الستين، تملأ وجهه، حاملا وجبته اليومية في يديه كمن عَثر على كنز لا يقدّر بثمن.
تحدث الحياة لـ"بلقيس" عن مُعاناته، التي قال إن الحرب زادت من قسوتها، وهو يتنهد متحسِّرا على ما فات من عُمره: "كانت أيامنا جميلة، لم نكن نتردد على مثل هذه الأماكن من قبل، كان راتب الوظيفة الحكومية يكفيني سؤال الناس، الآن نتقاسم أنا وزوجتي هذه الوجبة طوال اليوم، وما يعطينا جيراننا من فائض طعامهم".
16 مليون جائع
وفي 22 أبريل الماضي، قال مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، مارتن غريفيث، إن "16 مليون يمني سيعانون من الجوع في عام 2021".
وفي 16 أبريل الماضي، حذَّر وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، مارك لوكوك، من تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، إثر تفشِّي جائحة 'كورونا'، وانتشار المجاعة.
وأضاف: "تفشي 'كورونا' يأتي في وقت ما تزال فيه المجاعة تثقل كاهل البلاد، حيث يعاني عشرات آلاف اليمنيين من المجاعة، و5 ملايين آخرين يتخلفون عنهم بخطوة واحدة".
وانتشرت المطابخ الخيريّة، التي تكون في معظمها عبارة عن مبادرات شبابية بشكل لافت، منذ اندلاع الحرب، لكنها تكاد تكون أكثر انتشارا في رمضان، وتتسع معها دائرة المستهدفين من الفقراء والنازحين والمحتاجين.
مبادرة شبابية
يقول مشرف مطبخ "مسيك" الخيري في صنعاء، عبدالله الزبيري، في حديث خاص لـ"بلقيس": "نحن مجموعة من الشباب أسسنا المطبخ قبل أربع سنوات ونصف، وبدأنا باستهداف عدد قليل من الأُسر لا يتجاوز المائة، والآن وصلنا إلى 650 أُسرة، يتم منحها وجبة بشكل يومي في شهر رمضان".
"في الأيام العادية يصل عدد الأُسر المستهدفة 450 إلى 500 أُسرة، متوسط كل أُسرة لا يقلّ عن 5 أفراد، ويتم منحها وجبة مكوّنة من الأرز، والطبيخ، والكدم (خبز)، وكل يوم جُمعة نضيف لهم اللّحم إلى الوجبة"، يضيف الزبيري لـ"بلقيس".
وحول الجهة التي تموّل استمرار المطبخ الخيري يوضح الزبيري: "المطبخ عبارة عن مبادرة شبابية بحتة، تطوَّع فيها عدد من الشبان، وهم من يقومون بالبحث عن دعم للمطبخ، ولا نتلقّى أي دعم من أي جهة رسمية، ونرحّب بأي جهة تدعم استمرار المطبخ".
يُشار إلى أن الصراع في اليمن، الذي أشعلت فتيله مليشيا الحوثي في سبتمبر 2014، إلى مقتل 233 ألف مدني وتشريد قرابة 4 ملايين من منازلهم، والتسبب في 'أسوأ كارثة إنسانية على مستوى العالم'



