تقارير
الملابس المستعملة في تعز .. دفء الفقراء

قناة بلقيس - هشام سرحان
يقف علي محمد (50 عاماً) بهدوءٍ ووقارٍ جوار إحدى البسطات وسط مدينة تعز، ويقلّب في كومة من الملابس المستعملة، ليختار منها ما يناسبه، مع عددٍ من أفراد أسرته، في محاولة منه للبحث عن قليل من الدفء وتغطية أجساد أنهكها الفقر والإعياء، ولا تقوى على احتمال البرد في فصل الشتاء.
الفقراء وحدهم من يخشون الشتاء، في بلد صار الدفء حلماً للمنسيين والعاجزين عن تأمين الملابس الشتوية ووسائل التدفئة الأخرى، ما يجعل من هذا الفصل ضيفاً ثقيل الظلّ، في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وانقطاع الرواتب، ونُدرة الأعمال والمساعدات، وجفاف مصادر الدخل، وتردّي الأوضاع الإنسانية، وتراجع القُدرة الشرائية.
ويُقاوم عشرات الآلاف البرد بأساليب بدائية، في حين يخوضون صراعاً مريراً ضد الجوع والخوف والأمراض في بلد أنهكته الحرب، وشرّدت قُرابة أربعة ملايين شخص من ديارهم، إلى مخيّمات جماعية لا تقيهم حَرّ الصيف ولا بَرد الشّتاء، كما دفعت بأكثر من 10ملايين نسمة نحو المجاعة، ما يعادل ثلث إجمالي عدد السكان البالغ 30 مليون نسمة، بينهم 60 % فقراء واقعون تحت خط الفقر، و80% بحاجة ماسة للمساعدات الإنسانية العاجلة، من أبرزها: الغذاء، والدواء، والمأوى، واللباس، والمياه الصحية والصرف الصحي، حسب تقارير دولية تصنّف الأزمة الإنسانية في البلاد بالأخطر والأسوأ عالمياً.
وتقتصر أحلام البُسطاء، في مدينة مكتظة بالحزن والدّمار والفقراء والعاطلين عن العمل، على توفير لقمة العيش وكسوة عريّهم بثياب عفا عليها الزمن، في حين يتجاهلون الكثير من الاحتياجات الضرورية، التي صارت -بالنسبة للمعدمين- ترفاً لا مكان لها ضمن قائمة اهتماماتهم المتواضعة.
دفء الفقراء
وفيما يجد محمد (عامل بالأجر اليومي) الملابس المستخدمة بديلاً مناسباً للجديدة غالية الثمن، والتي يعجز عن شرائها، يبدو وكأنّه وجد كنزاً ثميناً، يقول لموقع "بلقيس"، والابتسامة تعلو محيّاه: "الملابس المستعملة دفء الفقراء، وتفي بالغرض، ولو بنسبة ضئيلة".
وقبيل عودته إلى المنزل، ليزرع الفرحة في أسرته،يحشر أشياءه في كيس بلاستيكي كبير الحجم، دون أي ترتيب، فهذه العادات لم تعد تروق له، ويذكر "أخذت كل قطعة بخمسمائة ريال (أقل من دولار واحد)".
ويتجمع عدد من الأشخاص حول تلك البسطة، ويقلّبون محتوياتها، والتي يضع لها البائع سعراً موحداً، ويُعلن ذلك عبر مكبّر الصوت قائلاً: "وعلى خمسمائة ريال، يا رعوي".
ويُقبل الكثيرون في تعز على شراء الملابس المستخدمة من البسطات المنتشرة بكثرة في الأسواق وعلى أرصفة الشوارع الرئيسة والفرعية، والتي تعرض أنواعاً مختلفة من الملابس الخاصة بالرجال والنساء والشباب والأطفال، بأسعار متواضعة ومتفاوتة من بسطة إلى أخرى.
وتثير مواصفات تلك الملابس جدلاً واسعاً لدى المهتمين، الذين لفتوا إلى عدم خضوعها للغسل والتأهيل، وأكدوا أنها متسخة وغير معقّمة، وقد تتسبب في نشر بعض الأمراض والأوبئة، وعلى رأسها فيروس "كورونا".
وازدهرت، خلال السنوات الأخيرة، تجارة الملابس المستعملة، كما لقيت رواجاً واسعاً، وذلك خلافاً لغيرها، والتي يقلّ الإقبال عليها، لغلاء أسعارها وعجز المواطنين عن شرائها، ويتم استيرادها من الخارج، وفقاً لأحد التجار، الذي أشار إلى عرضها بكثرة في الشوارع والأسواق، وتنوّعها، لتغطي احتياجات الفئات العُمرية المختلفة.
مستوردة ورديئة
ويضيف، دون أن يفصح عن اسمه: "هناك أنواع جيّدة وأخرى رديئة، وتحظى بإقبال كبير، لرخص أسعارها، وتناسبها مع الإمكانيات المادية للمواطنين، الذين يعيشون أوضاعاً معيشية ومادية مأساوية.. وهو ما يدفعهم إلى البحث عن ملابس مستعملة ورخيصة الثمن".
ويتزايد معدل الإقبال مع دخول فصل الشتاء، طبقاً لهشام اليوسفي، الذي أرجع ذلك إلى افتقار الأهالي الإمكانيات المادية، التي تمكّنهم من شراء الملابس الجديدة، ما يجعلهم يقبلون على المستخدمة، التي تفي بالغرض، وتتوفر بأسعار تناسب قدراتهم الشرائية.
ويردف "الملابس المستخدمة متهالكة وغير مأمونة صحياً، وتشكّل بيئةً خصبةً للفيروسات، لكنّها تفي باحتياجات الفقراء، وتلبّي رغباتهم".
وتتدهور أوضاع المواطنين الاقتصادية بشدة، جراء فقدانهم أعمالهم ومصادر دخلهم، بالتزامن مع غلاء المعيشة وإيجارات السكن و تدهور قيمة العُملة المحلية، مقابل العُملات الأجنبية الأخرى.
فالملابس المستعملة قد تكون سبباً في نقل الكثير من الأمراض الجلدية إلى جانب "كوفيد 19"، الأمر الذي حذّر منه منير إبراهيم، معتبراً شراء هذه الملابس سلوكاً سلبياً، كونها لم تخضع للغسل، والكيّ، والتعقيم، كما أنها مستوردة، الأمر الذي يثير مخاوف البعض، ويجعلهم ينصحون بعدم شرائها.



