تقارير
الملاذ الأخير للنازحين في غزة.. ما عواقب تنفيذ سياسة التهجير الإسرائيلية باقتحام "رفح"؟
منذ بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، خلال أربعة أشهر متواصلة، نزح أهالي القطاع من مكان الخطر إلى مكان آخر بحثا عن الأمان، إلى أن انتهى المطاف بأكثر من مليون و300 ألف شخص، من السكان، بالنزوح إلى محافظة "رفح" الحدودية (شمالي القطاع).
قيل إن "رفح" هي الملجأ الأخير والآمن للاجئين الفلسطينيين، في غزة، إلا أنه اليوم تحت القصف، بعد أن كان اللاجئين فيه يتساءلون: ماذا لو حدث اجتياح هنا؟ أين سنذهب؟ لتسود بعدها مخاوف كبيرة في أوساط النازحين، من إقدام جيش الاحتلال الإسرائيلي على شن عملية عسكرية في المدينة، الأمر الذي سيسفر عن ارتكاب جرائم ومجازر بحقهم.
الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين أكد أنه لا يمكن السماح بأي حرب في مخيم ضخم للاجئين، محذرا من حمام دم، إذا امتدت العمليات الإسرائيلية إلى مدينة "رفح".
فيما وصف "رفح" طبيب غادر غزة، الأسبوع الماضي، بأنها سجن مغلق، وعلى الرغم من كل هذه المخاوف، فإن الفلسطينيين يرفضون أي محاولات لتهجيرهم خارج غزة، ويؤكدون تمسكهم بأرضهم، وتفضيل الموت فيها.
- "رفح" حاضرة طوال الوقت
يقول الباحث والمحلل السياسي - ماجد عزام: "إن مدينة رفح ساحلية، ومدينة زراعية، ثم أصبحت مدينة تجارية مع المعبر، وكانت طوال الوقت حاضرة في المقاومة وهناك قادة في المقاومة الفلسطينية هم كانوا من رفح".
وأضاف: "نتحدث مثلاً عن الشهيد فتح وغازي حمد والشهيد أبو علي شاهين أحد القيادات التاريخية لفتح مع الشهيد يحيى عرفات، وهو أيضا من رفح، وكانت طوال الوقت رفح حاضرة، في حماس والمقاومة، في الانتفاضة، وكان يقال عن رفح مدينة القادة، ومدينة المثقفين، والشهداء، وكذلك فيها النادي -نادي شباب رفح- الذي كان جزءا من مواجهة الاحتلال، وهو أحد أكبر النوادي في غزة".
وتابع: "رفح -طوال الوقت- حاضرة مثلها مثل غزة، وما يمكن قوله عن رفح يمكن تعميمه لكي نتحدث تماماً عن غزة".
وأردف: "غزة قاومت الهكسوس، وصمدت في مواجهة الاحتلال البريطاني مع الجيش العثماني في الحرب العالمية الأولى، وكانت حاضرة في مواجهة كل الغزوات على مدار التاريخ".
وزاد: "بعد الحرب كان هناك نزوح لأهلنا من الشمال إلى الجنوب، وإلى المنطقة الوسطى (دير البلح)، ثم مخيمات البريز، ونصرى، والمغازي، ثم قيل لهم انزحوا إلى الجنوب، إلى خانيونس، ثم قيل لهم انزحوا إلى رفح".
وقال: "بعد العدوان على خانيونس والمنطقة الوسطى قيل لهم -مرة أخرى- انزحوا إلى رفح، وأصبحت المدينة، التي كان فيها ربع مليون، تقتسم خبزها مع مليون وربع من النازحين على الأقل، وتضاعف عدد سكان رفح ست مرات بعد الحرب، بمعنى أنه أصبح فيها مليون ونصف في مساحة 55 ك/م".
وأضاف: "استقبلت رفح النازحين من الشمال وغزة وبيت حنون وبيت لاهيا وجباليا، ثم استقبلت النازحين من الوسط (دير البلح والمغازي والنصيرات)، ثم استقبلت النازحين، وكذلك من خان يونس".
وتابع: "طوال الوقت، رغم القرب مع الحدود مع مصر، لم يفكر أحد من أهالي رفح، أو أهالي غزة في العبور إلى سيناء، وهذا عنوان للصمود في فلسطين، وعنوان للمعاناة، وعنوان لجريمة الإبادة الإسرائيلية الحقيقية ضد الشجر والحجر، وفي غزة بشكل عام".
وأردف: "في مدة ساعة، قصفوا ب50 غارة أشياء مهمة في معظم رفح (في الوسط والشمال والشرق)، وهناك 100 شهيد على الأقل، ومئات الجرحى، وقصف مخيمات ومناطق نزوح في رفح (في الشابورة، ومخيم تل السلطان قرب البحر)، والنازحين قرب الحدود مع مصر، أو حتى الشرق والشمال في رفح، أي أنه تم قصف رفح بأكملها، وخلق أحزمة نارية حول مناطق سكنية صغيرة ومزدحمة".
- عمل ممنهج
يقول المحامي والناشط الحقوقي عبدالرحمن برمان: "إن الأمر ينذر بانتهاء المنظومة الأممية، ولم يعد أي فعالية للمنظومة الأممية، لمجلس الأمن الدولي وللجمعية العامة، ولمجلس حقوق الإنسان، ولا للمقررين الخاصين، أو حتى المنظمات الدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان".
وأضاف: "هذه كلها الأصل أن تتحرك فيها إجراءات حقيقية، لكن في أحسن الأحوال ما يتم من تصريحات عن مسؤولي هذه الجهات كلها إدانة، أو وصف الوضع بأنه خطير، أو إبداء القلق".
وتابع: "ربما تكون هذه الحرب في غزة تعلن مرحلة جديدة في تاريخ البشرية المعاصر، ومؤشرات تأذن بانتهاء دور الأمم المتحدة، وانهيار للمنظومة القانونية الدولية، أصبح وجودها غير مبرر، وأصبحت مجرد نصوص أو حبر على ورق لا قيمة لها".
وأردف: "ما يحدث اليوم في غزة هو -بكل امتياز- جرائم ضد الإنسانية، جرائم حرب، جرائم إبادة، جرائم تطهير عرقي، نحن أمام المصطلحات الإجرامية، التي وردت في القوانين الدولية، يرتكبها الاحتلال الصهيوني - الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني".
وزاد: "ما يحدث اليوم عمل ممنهج لا يمكن أن نقول إنه عبارة أخطاء الحرب، التي قد تحدث في إطار الحرب، لوجود العدد الكبير من المدنيين، وتعمد استهداف المساكن بشكل عام، وقصف ادأحياء بأكملها، وتدميرها تدميرا كاملا، بالإضافة إلى استهداف المنظومة الصحية، وهذا أحد مؤشرات التطهير العرقي، وأحد مؤشرات الإبادة الجماعية، التي تستهدف الفلسطينيين".
وقال: "ما يحدث من انتهاكات مفزعة جدا ومخيفة، ولم نتصور أن تكون البشرية في هذا الوضع، وخصوصاً في هذا التاريخ، بعد أن انتشرت ثقافة حقوق الإنسان، وأُسست المنظمات الدولية بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، ويجب على مجلس الأمن الدولي أن يطّلع بدوره في حفظ الأمن والسلم الدوليين".
وأضاف: "نحن أمام عودة جديدة للاستعمار بوجشيته، ولا تظهر فقط إسرائيل بمفردها، أو كيان الاحتلال الصهيوني، ولكن يظهر العالم الغربي بأكمله، بداية من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وبعض دول الاتحاد الأوروبي وكندا، التي تساعد هذا الكيان بدعمه بالأسلحة، والتغطية السياسية والقانونية، بصورة غير أخلاقية".
- حرب إبادة
يقول أستاذ الشريعة الإسلامية -حاتم عبدالعظيم: "نحن أمام فصل جديد من فصول المأساة، التي تعيشها الأمة كلها، وفصل جديد من فصول الهمجية والفوضوية الكاملة، التي تذكرنا بمراحل هي الأشد في التاريخ البشري".
وأضاف: "نحن أمام جريمة إبادة جماعية، أمام جريمة مخلة بكل القوانين الدولية، وبقانون الحرب، والقانون الدولي الإنساني، ومخلة بمنظومة القيم".
وتابع: "إلى الآن، نحن أمام حرب إبادة، وتدمير ليس فقط لمقومات المدنية مثلاً، أو مقومات الحضارة، وإنما لمقومات الحياة، سواء فيما مضى من هجوم على شمال غزة، والآن أمام الجولة الجديدة من الإجرام".
وأردف: "الحد الأدنى من الواجب، بالاعتبار الإسلامي، والاعتبار الوطني، لحماية الأمن القومي المصري، باعتبار الواجب الأول هو إدخال كل المساعدات، التي يحتاج إليها شعب غزة".
وزاد: "لا يمكن القبول بأن إسرائيل هي التي تمنع، وإسرائيل التي ترفض، فلمصر السيادة على معبر رفح، وعليها أن تمارس هذا الحق، وتدخل لشعب غزة كل الاحتياجات، التي يحتاجون إليها، على مصر أن تكون أكثر إيجابية في دعم أشقائها في غزة، في علاج المرضى منهم، في تخفيف وطأة الحصار عنهم، في إمداده بكل ما يحتاج إليه".
وقال: "على مصر أن تضغط بثقلها الإقليمي، بثقلها التاريخي، بثقلها في المحيط الجغرافي، لوقف آلة القتل المجرمة عن شعب غزة".
وأضاف: "إذا سكتت مصر، واستمرت هذه المجازر في حق الشعب الفلسطيني، فهذا أكبر تهديد في العصر الحديث للأمن القومي المصري".
وتابع: "لو تكلمنا بلغة المصالح، بعيدا عن لغة العواطف، وبعيدا عن الواجبات الأخلاقية، أو الواجبات الشرعية، أو الإنسانية، حتى بلغة المصالح فإن مصلحة مصر وأمنها القومي والحفاظ على سلامتها، والحفاظ على استقرارها، كل ذلك يقتضي وقف هذه المجازر، وتأمين هذه الجبهة (شديدة الأهمية) المهددة للعمق الأمني، وللأمن القومي المصري".



