تقارير
المناضل الفسيل: ثورة ثمانية وأربعين سقطت لكنها مهّدت لنزع القدسية عن الإمام (9)
يتحدث المناضل الأستاذ محمد عبدالله الفسيل، في الحلقة التاسعة من برنامج "الشاهد"، عن الجرائم التي ارتكبها الإمام أحمد ضد رموز الحركة الوطنية عقب فشل ثورة ثمانية وأربعين.
ويستذكر لحظة وصولهم إلى حجة وهم مكبلين بالسلاسل والمغالق، ونقلهم إلى أسوأ سجون الإمامة.
يقول الأستاذ الفسيل إن "الإمام أحمد حشر ناسا كثيرا من محافظات تعز وذمار والحديدة وصنعاء، ممن يعتقد أنهم من الأحرار، إلى حوش قصر سعدان، وكان ينظر إليهم وهم بالسلاسل والمغالق".
- سجن يافع
يضيف أن الإمام أحمد أمر بأن يؤخذ المساجين إلى سجن نافع سيئ السمعة، وهو عبارة عن قسمين، قسم أعلى وهو الأخف، وقسم أسفل وهو الأقذر والأبشع".
ويشير الفسيل إلى أنه تم تقييده بسلك رفيع يسهل على المرء الحركة به، أما الأستاذ نعمان فقيدوه بقيد رفيع وسلك في رجليه، وكان لا يستطيع المشي، موضحا أنهم أنزلوه محمولا.
- إعدام بحد السيف
وعن الإجرام الذي مارسه الإمام أحمد بحق الأحرار ومن يعتقد أنه مخالف له، يقول الفسيل "في شهر مارس، بدأت المذبحة، أعدموا الإمام عبدالله الوزير، وزيد الموشكي في قاهرة حجة، أنزلوهما جثث، وعلقوا رأسيهما، وأرسلوا هما إلى صنعاء وعلقوهما هناك، هذه كانت البداية".
يتابع "بعدها استمرت المذبحة، وكانت موسيقى الجيش عندها لحن حزين جدا، عندما تعزف نعرف أن هناك أناس سيخرجوهم ويعدموهم، فعندما كنا نسمع الموسيقى كنا نذهب للوضوء، لأن كل واحد كان يعتقد أنه هو الذي سيخرج للإعدام".
ويشير إلى أنه تم إخراج اثنين من بيت الشايف، واثنين من أولاد أبو راس، وأعدموهم، وأخذوا مجموعة أخرى (أحمد المطاع والخادم غالب الوجيه ومحيي الدين العنسي والمسمري والحورش) وأعدموهم جميعا.
ويستذكر أن "ناصر علي جرامة - الذي كان ينادي الناس للخروج- رأى القاضي أحمد العنسي بعمامة وملابس فقيه أشر له يطلع، قال له: أمر الإمام بقطع رأسي؟ قال له: نعم.
لكن محيي الدين العنسي قفز، وقال لناصر علي أنت من تريد؟
قال له: أريد محيي الدين العنسي، قال له: هذا أحمد العنسي؟ قال أحمد العنسي: خلاص قدنا شهيد".
يوصل حديثه "أمر الإمام أحمد بإعدام الشاب عبد الله محمد الوزير، وكان عمره 18 سنة، وكان وسيما جدا، وكان مشتركا في عملية الانقلاب، صلى ركعتين والرجال والنساء ينظرون إليه، فأعدم، فحصل رد فعل قوي جدا ضد الإمام، ليس في حجة فقط، بل وفي اليمن كلها، وبدأ الشعور ضد الإمام منذ قتل عبدالله محمد بن الوزير".
ويبيّن أن السجن كان عبارة عن غرف، غرفة فيها الأستاذ نعمان لا يقدر على الحركة، وجازم الحروي، والمسمري، والحورش، ومحيي الدين العنسي فقط، وغرف أخرى مزدحمة بالمساجين.
ويستطرد "كان هناك ما يشبه السمسرة تحت، أدخلوا الكثير فيها، وكانوا يتيمموا للصلاة"، مشيرا إلى أن "التراب الذي في الأرضية كان عبارة عن مخلفات الزرانيق".
ويوضح "في البداية كنا في غاية السوء، علي الحاشدي مدير السجن رفض أن يعطي لنا ماء من الغيل للشرب، وكان هناك بركة اسمها بركة "الزعبلي"، وكانت عبارة عن ملتقى للأوساخ والقاذورات، فقرر أن نشرب من هذه البركة من أجل نصاب بالأمراض فيتقرب بهذا إلى الإمام، وكنا نتوضى، ونغتسل، ونشرب منه، لكن لا أصيب أحد منا".
وأشار إلى أن التاجر الحروي أرسل هدايا لزوجات مسؤولي السجن، مؤكدا أنه بعد ذلك تحسنت الأمور.
ويوضح أن الإمام أحمد أعدم المخالفين وغير المخالفين دون أن يحقق معهم، مستشهدا بإعدام علي الوزير الذي "لم يكن متآمرا وكان رافضا لاغتيال الإمام والانقلاب عليه، ومحمد سري شايع (ضابط من الضباط الأتراك بقي في تركيا، ثم عاد إلى اليمن، وعيّنه الإمام معلما للجيش، وعندما قامت ثورة ثمانية وأربعين الدستورية عيّنوه مدير أمن تعز، فأخذ الحصان الأصيل حق الإمام أحمد، وكان يركبه ويمشي به عادي، نساء الإمام كن يعتقدن أنه يتعمد المشي من أمامهن لكي يقهرهن، فأخبرن الإمام يحيى بذلك، فأمر بقطع رأسه).
يرجع بذاكرته إلى العيش في السجن، فيقول "جلست ثلاثة أشهر بالملابس نفسها، والقمل تأكل جسدي، بعد مدة تكيّفت مع الأمور، فقيت على هذه الحال حتى أتى أخي من صنعاء، أعطاني أربعة ريالات فرانصي، وملابس، واحتلت المشكلة، بعدها فورت ماء ووضعت الملابس التي فيها قمل ووضعتها فيه، وتركتها حتى ماتت".
وفي موضوع طلبه استعطاف الإمام، يوضّح "طلعت إلى باب الشجع، فطل الحاشدي وأنا هناك وكان سني صغير، قال لي: أيش جابك مع هؤلاء؟ قلت له: كانوا مسافرين، قلت أسافر معهم، فسافرت فمسكوني معهم، وأخذوني إلى هنا؟ قال: راجع الإمام يمكن يطلقك؟ ففتح لي، وخرجت، كتبت برقية إلى الإمام، أشكو فيها أني مريض وحالتي متعبة، وأطلب منه العفو، وإطلاق سراحي".
يواصل "أجاب عليَّ: من الإمام إلى محمد الفسيل عافاكم الله، من هو مؤلف الرجل الشاذ؟ ومن هو الرجل الشاذ؟ أتت برقية الإمام إلى الحاشدي، فدعاني. فقرأتها، فسكت. قال: جاوب على الإمام؟ أجبت عليه: مولانا أمير المؤمنين، ذلك عمل مشترك، كان نصيبي فيه تصحيح البروفات، وعلى كلٍ مولاي أنت البحر.. من في وسعه تقدير صفوك..
هب لي ذنوب كالجبال.. فأين منها حسن عفوك..
خادمكم فلان".
يقول الفسيل موضحا قصة كتاب "الرجل الشاذ": "دعاني محمد محمود الزبيري إليه، وكان عنده حزمة كبيرة من الأوراق، قال لي: هذه أوراق جاءت لي من الداخلي، أكثرها عن ولي العهد، شوفها، ويمكن تكتب منها كتاب".
يستطرد "قرأتها كاملة، وكان فيها تجنٍ، ولم يكن فيها اعتدال، بل كانت خصومة سياسية، فأخذت هذه الأوراق وصغت منها كتاب، اسمه "الرجل الشاذ" عن الإمام أحمد".
ويشير إلى أن الأستاذ النعمان طبع ألفي نسخة، وأخذ نسخة للويسي -وكيل الإمام- فأعطى الويسي الكتاب للإمام.
يتابع "اهتم الإمام بالعنوان فقرأ الكتاب، فأشار الأستاذ النعمان للويسي أن يخبر الإمام يشتري النسخ وإلا سينشرها، فاشتراها جميعا ما عدا ثلاث نسخ. نسخة عند النعمان ونسخة عند الزبيري، ونسخة عند حسين الويسي".
يعود فيشير إلى أن الفضيل الورتلاني تولى العملية ضد بيت حميد الدين، جبهة من الأحرار وجبهة من الطامعين على أن يحلوا محل بيت حميد الدين، وبيت شرف الدين.
ويبيّن أن الفضيل الورتلاني هو عراب القضية، حتى جمال جميل قال "الفضيل الورتلاني يسوقنا إلى الكارثة بعصاه".
فقامت الثورة، فأرسلوا وفدا لاستقبال مندوب الجامعة العربية في الرياض، من الزبيري، وعبدالله علي الوزير والفضيل الورتلاني، ذهبوا إلى هناك، ونجوا من السجن.
ويلفت في حديثه إلى أن الإمام أعدم ثلاثة وعشرين من الأحرار.
-علاقة الإمام بالخارج
يقول الفسيل إن "القاضي الحجري كان مثقفا مؤرخا وفقيها، وجغرافيا، وكان قريبا من الإمام يحيى، كلّفه الإمام بترتيب مكتبته، وكان يبكر إلى المكتبة يطالع بعض الكتب، ويرتّبها، صادف أن الإمام نزل مبكرا ورأى القاضي. القاضي قال له: ما لكم بكرتم هذا اليوم يا مولانا؟ قال له: الناس كثير ويشتوا ننجّزهم. قال له: ربنا يعينكم".
ويتابع "نزل الإمام وجاء صحفي فرنسي وصوّره بالكاميرا، فقامت قيامة الإمام، وأخذ الكاميرا، وأتلفها، وطلع غاضبا. قال له القاضي الحجري: قلت ستواجهوا؟ قال له: أصحاب مدخل (الدول الخارجية) كل واحد يجيء يشتي يصوّرني، ما يشتوا من صورتي؟".
سيترسل بالحديث ضاحكا "قال له: يشتوا يوروهم على ما نحن صابرين. الإمام قال له: قبحك الله يا قاضي محمد".
- الأنظمة العربية وثورة 48
وبالعودة إلى ثورة ثمانية وأربعين، لماذا لم يتفاعل معها العالم؟ يشير الفسيل إلى أنها "كانت منظّمة تنظيما كاملا، وكان الإخوان المسلمون معها بشكل كبير، ومتفقين مع الأحرار اتفاقا كاملا".
ويُرجع عدم اعتراف الأنظمة إلى أن "فكرة الأحرار لا يرحب بها أحد في المنطقة، وكانت هناك ملكية في مصر، وملكية في السعودية، ومناطق الخليج تتبع الاستعمار الإنجليزي، وعدن مستعمرة، الكيانات كلها لا تقبل فكرة الأحرار، لأنها ضد هذه الكيانات كاملة، فكرة الأحرار دستور، ومؤسسات دستورية، ودولة، وإمام غير مقدّس يختاره الناس".
يوضح أنه "بالرغم من أن ثورة ثمانية وأربعين سقطت إلا أنها مهّدت لنزع القدسية عن الإمام، وتحوّلت مع الزمن إلى فكرة للتغيير الشامل، وأن يكون النظام جمهوريا.
- "المملكة المتوكلية"
يوضّح الأستاذ الفسيل أن المملكة تتناقض مع مسمى "الإمام"، لأن الإمام شيء ديني، والمملكة سياسي، مرجعا تسمية المملكة المتوكلية إلى شخص اسمه "راغب".
يتابع "اعتقد أنه من الأتراك، كان موجودا في اليمن، عيّنه الإمام وزيرا للشؤون الخارجية، قال للإمام أحمد: العالم ما يعرف ما معنى إمام، العالم يعرف نظام جمهوري أو نظام ملكي، بدون أن يكون نظامكم ملكيا العالم لن يعترف به، فوافق على أن تكون المملكة المتوكلية اليمنية".
ويشير إلى أن "الإمام كان إذا أراد أن يتفاهم مع الخارج يتم الاتصال بعدد من الدول منها الاتحاد السوفييتي، وبعض الدول الأخرى، لكنه لم يرسل ممثلين له إلى الخارج، ولم يقبل في الداخل ممثلين للدول، كانت العلاقة عبارة عن اتفاقيات".



